وميض

قصة قصيرة 

للقاص أحمد خطاب *
ساعتان منذ آخر مرة  شبكوا لها عبوة حقن جديدة، تنهيدة طويلة تتناغم مع صوت ضربات قلبها المنبعث من الجهاز الوامض، يتبعها بحركة متأنية يعدل بها من جلسة جسده المرتمي على الكرسي الحديدي، عيناه شاخصتان ترقب (أمل) الملقاة على سرير المستشفى فاقدة الوعي، وبين الحين والآخر تسرقهما ومضة من الجهاز الموصول بقلبها، أنابيب المحاليل تتدلى من مسمار علق بالحائط لتوصل بعضًا من دواء عبر إبرة مغروسة في وريدها.. يعدل من وضعية جلوسه.  يرتكز بباطن فكه الأسفل على يديه المشبوكتين، وما زالت عيناه مغروزتين في الجسد الممدد على السرير.
– هل أبقت الأيام شيئًا نحاول ملأه سعادة تمنيناها كثيرًا؟!
ها هي الآن جسد بلا حراك.
فكرة الفقد كابوس يقظة يفزعني،  لم أشعر في يوم من الأيام أنني ارتعبت من فكرة أنها تفارقني كما شعرته عندما لم تفلح محاولاتي لإفاقتها بعد سقوطها في صالة البيت ليلة أمس، ارتعبت وأنا أقلبها ولا أجد نبضًا لقلبها، وارتعشت يداي وأنا أكتم أنفاسي حتى لا تؤثر على سمعي متحسسًا أنفها لأستشعر زفيرًا أو شهيقًا لم أجده، كنت أسمع مرارًا أن ما بين الموت والحياة جدار أدق من اللاشيء.. فهل حقًّا ستمزقين ذاك الجدار وتتركينني وترحلين؟!
في الممر الفاصل بين الصالة وباب البيت مر أمام ناظري شريط حياتنا كاملًا، وهي بين يدي محمولة، أجري بها نحو المستشفى المقابل للبيت، عقلي لا يستطيع تقبل فكرة أن تكون حياة من دونها، سحبت روحي وأنا أشاهد الطبيب من خلف زجاج غرفة الطوارئ يطعنها بآلة حديدية في منطقة القلب، علمت بعدها أنها حقنة (أدرينالين) تستخدم في مثل هذه الحالات لتنشيط القلب، أسر الطبيب إليَّ أن حالة زوجتي حرجة، والتدخل الجراحي متوقف على استجابتها للدواء خلال هذه الليلة.
آه يا (أمل) كانت كثيرًا ما تقول لي في أوقات الصفاء القليلة بيننا: “أنت بالنسبة لي الحياة كلها…”.
والآن وأنتِ جسد ممدد واهن بلا حراك، أشعر أنك أنتِ الحياة بالنسبة لي.
كيف امتدت يدي إليك محاولا لطمك؟! وكيف لم أحتمل سفاهات نقاشك؟! كنت أتحامل على نفسي منذ أوصاني الطبيب بأن حالتها الصحية لا تحتمل ضغوطًا نفسية، فصمامات القلب بلغت من الوهن درجة ضرورة التدخل الجراحي.
والآن لا أدري لما أفلتت مني نفسي، وكيف غلبني شيطان غضبي؟!
تنهيدة عميقة، يغمض عينيه، تجول أمامه صورتها أيام الخطوبة، كيف كانت فرحتها بزياراته النصف أسبوعية لها في بيت أبيها،  كنا نتبادل الغرام بنظرات العيون؛ نختلسها من خلف  ظهري أخويها الطفلين، وهما يراقباننا أثناء اللعب على سجادة الغرفة،  كم كانت سعادتي وسعادتها وأنا أسترق لمسة يدها، كنا نبني أحلامًا من سعادة، وعدتها ذات مرة أن نجول العالم معًا،  وخمس سنين منذ زواجنا لم نسافر معًا إلا مرتين، إحداهما لمطروح في الشتاء قبل الماضي عندما كنت أحد أفراد فريق التطوير المنتدب للارتقاء بفرع الشركة هناك لمدة شهرين.. والثانية عندما ذهبنا لحضور فرح ابنة عمي الصيف الفائت بأسوان.
ابتسامة باهتة ترتسم على وجهه وهو يتذكرها،  كيف سارعت بإنقاذه من مخالب زوجة أبيها يوم شراء (ذهب) العرس.. يومها بهت سكوتًا، بينما “ثعلبة البيت” تحاول إيقاعي في أحد فخاخها التي كانت تجيد نصبها بإحكام لتورطني،  أسورة ذهبية مرصعة يفوق ثمنها أضعاف ما اتفقنا على شرائه.. والثعلبة تقول يومها:
-(خالد مش هيبخل عليكي بيها يا أمل).
أحسست يومها أنها انتشلتني من بئر عميق ألقت بي الثعلبة فيه، على الرغم من ردها الذي ألجم الماكرة وأسكتها، إلا أنني لم أناقشها فيه حتى يومنا هذا.
صافرة الجهاز خنجر يقطع خاطرته، يومض الجهاز المشبوك بها،  تتسارع أنفاسه وهو يعتدل مهرولًا ناحية باب الحجرة صارخًا يطلب المساعدة.
يعتدل على رجة (مطب) وأنفاسه المتسارعة مع مقلتي عينيه تنظران إلى أوراق تبعثرت كانت على (تابلوه) السيارة.. وصوت (علي) يطلب منه الالتفات للاطمئنان على علبة (الجاتوه) على الكرسي الخلفي، يطالبه (علي) أن يستفيق ويستخدم مرآة الشماسة ليعدل من هندامه فقد اقترب بيت زميلته التي سيخطبها.
* قاص من مصر 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *