المحرر الأدبي بين الاهتمام والتهميش

إعداد: ملاك العجيلي:

المحرر الأدبي بين الاهتمام والتهميش:

مبدعون لديهم حساسية ضد المحرر الأدبي

عبدالله العمري: أجد نفسي في موقف متذبذب بعض الشيء من مسألة القبول بتغييرات تمس بناء العمل الأدبي و مساراته الفنية.

عبدالله الطيب: يتعين على المحررين الأدبيين أن يعملوا على إبراز دورهم وأهميته للكتّاب.

جمعان الكرت: المحرر الأدبي ضرورة حتمية يفرضها السوق الثقافي.

هشام أنس: المحرر أشبه بالآلة التي تنحت جذع الشجرة وتجعل منه قطعة خشبية ذات شكل جميل وجذاب.

ناجي آل معيوف: أن لكل حرفة قيمة والمحرر الأدبي هو قيمة دور النشر.

هياء الحوطي: السبب الأول والأخير دور النشر التي لا تلقي بالاً لأهمية المحرر الأدبي.

سليمان الجابري: دور النشر تجهل قيمة المحرر الأدبي .

تزامناً مع انطلاقة معرض الرياض الدولي للكتاب؛ أردنا أن نضع مسألة قلة الاهتمام بالتحرير الأدبي للكتب، وإهمال بعض دور النشر التعامل مع المحرر الأدبي تحت المجهر؛ لمعرفة الأسباب وطرحها أمام الجميع، وتوضيح السبب الرئيس والأساسي لما نشهده من إصدارات، مليئة بالأحداث المتناقضة، والحوارات غير المكتملة، والحشو …إلخ؛ فهل إهمال بعض دور النشر لعرض إصدارتها على محرر أدبي؟، واعتماد الكاتب بشكل كلي على دور النشر في هذا الأمر هما السبب؟، أم أن السبب هو الجهل بأهمية المحرر الأدبي، أو الجهل بوظيفته.

لذا ناقشنا في مجلة فرقد الإبداعية هذه المسألة؛ من خلال عرض عدة محاور

على مختصين ومثقفين، لعلنا نستطيع عن طريق طرح هذه القضية؛ أن نوضح خطر إهمال بعض الدور أمر عرض الأعمال الأدبية على محررين أدبيين؛ ليساهموا في إخراجها إلى القارئ، بأحسن صورة ممكنة.

شاركنا الشاعر والروائي عبدالله العمري قائلاً:

تأتي بعض المهام أو الأدوار في منطقة يمكن تسميتها بمنطقة الظل، أو الحيز الغير مرئي؛ فيغيب عن غير المختص أهميتها؛ مما ينعكس في بعض الحالات على المختص؛ فلا يعد يقيم هذه الأدوار والمهام تقييمها المستحق، ومن ثم لا يعطي أصحابها ما يستحقونه من الحفاوة والاهتمام، ومن الأمثلة التي يمكن طرحها، كاتب السيناريو، والمعد الإذاعي والتلفزيوني، والمحرر الأدبي.

فالمحرر الأدبي يأتي دوره بعد إتمام العمل، وتسليمه للناشر سواء أكانت صحيفة، أو دار نشر، أو خلافهما؛ ليقف دور المحرر الأدبي، ومكانته في تلك المنطقة، التي اخترنا لها اسم منطقة الظل، أو الحيز غير المرئي؛ مما جعل البعض لا يلقي بالاً لأهمية دوره، فيراه لا هو بالفاعل للعمل الإبداعي بمختلف أجناسه، ولا هو بالناشر المناط به تبني تقديم العمل، والترويج له؛ وهذا الحال لا يمكن تعميمه على المستوى العالمي، وإنما هو محصور في نطاق عالمنا العربي، وبعض المناطق من دول العالم الأقل حظاً في ميادين التنمية، والحراك الثقافي.

وحتى نقترب أكثر من هذا المسمى، أو لنقل المصطلح “المحرر الأدبي”؛ لنجعله أكثر قرباً من الميدان البحثي؛ الذي يمنح أهمية أولى لتحديد المفاهيم، وحدود المسميات ودلالاتها؛ بحيث لا تلتبس، ولا تتداخل مع مصطلح آخر.

نستطيع القول بأن المحرر الأدبي في المفاهيم والأعراف، ووفق الضوابط الهيكلية للكيانات العاملة في مجال صناعة النشر، بصفتها شركات مصنعة لمنتج؛ يخضع لمراحل تصنيع مدروسة ومحددة، قبل تسليمه لمنافذ البيع؛ تضع ضمن هيكلها الوظيفي مسمى “المحرر الأدبي”، وترفق بملاحقه الإيضاحية مهام هذه الوظيفة، وحدود صلاحياتها، ومسؤولياتها؛ وفي مثل هذا الوضع يمكن تحديد المقصود، وضبط المصطلح.

أما في حالات أخرى كما هو الحال في منطقتنا العربية؛ فالأمر من الصعوبة بمكان، حيث نجد مسميات المدقق اللغوي، والمصحح الإملائي، والفاحص، ولجنة القراءة والتقييم.

يمكن من خلال الحالة الأولى أن نرى مدى الاهتمام بالمنجز بكافة أجناسه؛ من مقال، وقصة، وتحقيق، ورواية…، ويشمل الاهتمام كافة التفاصيل تحت مظلة عمل مؤسسي؛ مما يرسم صورة كاملة للعمل المكتمل؛ الذي يحظى بفرق عمل وإشراف، على مستوى أهمية المنتج؛ الذي به تقوم الحضارات، وتتفاضل الأمم؛ ونلاحظ حضور العنصر البشري، وحظوته بالرعاية، والتقدير، والوضوح في المهام، والأدوار، والمسؤوليات.

أما في الحالة الأخرى؛ فالأمر على النقيض، شاملاُ الصناعة نفسها، وعناصرها بمن فيهم “المحرر الأدبي” محور حديثنا، والأكثر ضبابية في جو ضبابي في الأصل.

وكلما اقتربنا أكثر من هذا المشهد الضبابي؛ وجدنا أن المشكلة لا تنحصر في ضآلة الاهتمام بالمشاريع الكتابية، ومؤسساتها، وعنصرها البشري؛ بل بالإشكاليات التفصيلية داخل المنظومة نفسها، وأحد هذه الإشكاليات تتمثل في نظرة بعض المكونات لبعضها؛ فهناك من الكتاب من لا يرى في علاقته مع المحرر الأدبي ما يعدو كونه مدقق لغوي؛ لا يحق له التدخل في أبنية العمل المكتوب، أو فنياته المعتبرة، وسياقاته المنطقية، وهيكله العام بما يحدد نوعه، ويسير به إلى الأهداف المنشودة، ويضعه في رفه المناسب في المكتبة الأدبية، وفق الطرق المنهجية المعتبرة.

والأمر يحتاج منا إلى خلق فهم واستيعاب، وتقبل لمفهوم العمل المتكامل؛ الذي يساعد على تشكل المنجز الكتابي، وفق أدوار متعاضدة، متناغمة متكاملة، كخطوة أولى من أجل بناء مؤسسات ثقافية معتبرة؛ دورها ومهمتها العمل على إخراج منتج ثقافي، ذو قيمة أدبية، ومحتوى فكري وثقافي.

أما على المستوى الشخصي فلا أستطيع أن أكون خارج السياق العام؛ إلا بما يتاح من خلال العلاقات الشخصية والمعارف، من المهتمين والمتخصصين في إطار المشورة، وأخذ الرأي، والاستنارة بأفكار من سبقني؛ زمنياً أو فنياً في مجال الكتابة، والعمل الإبداعي؛ ليكونوا هم محرري عملي، أما العلاقة مع المحرر الأدبي داخل مؤسسات النشر؛ فهي خاضعة لما يوفره الناشر من خدمة لا ترتقي لمستوى طموح الكاتب، في الأخذ والرد؛ للوصول إلى أفضل ما يمكن الوصول إليه.

ورغم إيماني بأهمية دور المحرر الأدبي؛ إلا أن إخضاع العمل لروح المحرر، وأسلوبه، والخروج التام عن أمكانيات المبدع الأساسي للنص، إلى إمكانيات المحرر؛ أمر فيه تلبيس على القارئ؛ ففي هذه الحالة يحمل العمل الإبداعي اسم كاتب، وإمكانيات شخص آخر يقف في الظل!

وهذا الأمر وفق رأيي غير مقبول؛ لذلك قد أكون منحاز لمنجزي، مهما قد تبلغ بساطته، وتراكم نقاط ضعفه؛ إلا أنه يمثلني، ويضع إمكانياتي بكل أمانة، مهما بلغ بها الضعف أمام القارئ؛ وهنا أجد نفسي في موقف متذبذب بعض الشيء، من مسألة القبول بتغييرات جوهرية، تمس بنى العمل، ومسارته السردية، وفنياته.

وهذا يحدد موقفي العملي والفعلي تجاه دور المحرر الأدبي؛ الذي يبدو أنه متعارض مع الرؤى النظرية التي أتبناها في أغلب الأحيان، ولعلي هنا أختلف مع الرأي الحاد للكاتب الأمريكي هنري جيمس؛ الذي يشبه مهنة المحرر الصحفي بمهنة الجزارة؛ فأنا أشبهها بمهنة مصمم الأزياء، الذي يحسن وضع اللمسات في تصاميمه؛ لتصبح واجهة للأجساد، بما فيها من محاسن وأضدادها.

وقد يكون موقفي هذا مرتهن بواقع المحرر الأدبي في عالمنا العربي؛ مما قد يغير من موقفي، فيما لو تغير هذا الواقع.

كما أجابنا القاص والروائي الدكتور عبد الله الطيب بقوله:

أحد هذه الأسباب في رأيي الخاص، هو السهولة النسبية التي يستطيع بها المبدع أن ينشر عمله الأدبي، في ظل توفر منصات النشر الالكترونية؛ التي لا تكلف المبدع أكثر من الضغط على عدة أزارير؛ ليرى بعدها عمله منشورا، بالطريقة التي يرغبها.

هذه المنصات شكلت ضغطاً تنافسياً قوياً على المنصات الورقية التقليدية؛ التي تخلى الكثير منها عن حذره في التعامل مع النصوص الإبداعية، في تسليم بالأمر الواقع، ورغبة في الوصول إلى الفئات الجديدة من القراء، والتي ربما كانت تفتقد مهارات التفريق بين الأعمال المحررة، والأخرى التي تحفل بالمشاكل اللغوية والأسلوبية.

لذلك أصبحت الساحة الأدبية بشقيها الالكتروني والتقليدي؛ حافلة بالأعمال التي تفتقد إلى لمسة المحرر الأدبي، من ناحية التدقيق اللغوي، التحرير الفني، اختيار العنوان، …الخ.

السبب الأخر هو الجهل بدور المحرر الأدبي؛ وهنا أود أن أذكر أن دوره لا ينحصر في كونه همزة وصل بين المبدع وبين وسيلة النشر، ولكن دوره يتعدى ذلك إلى مساعدة المبدع نفسه، في مراجعة إبداعه، نثراً كان أم شعراً، وتنقيحه، وإزالة ترهلاته إن وجدت، وإخراجه فنيا، مع اقتراح العناوين الجيدة.

وأحد أهم أدوار المحرر هو مصارحة المبدع حول نصه؛ فالمحرر هو شخص متمرس في مجاله، يستطيع إسداء النصح والمشورة، للمبدع بشأن نشر النص، أو تعديله، أو حتى صرف النظر عنه؛ لأسباب قد تصب في مصلحة المبدع نفسه، قبل مصلحة الناشر.

ومن خلال تجربتي في نشر أعمال أدبية باللغتين العربية والإنجليزية، وتعاملي المباشر مع المحررين، اؤكد على أهمية دورهم للمبدع؛ ولقد أذهلني مدى المهنية والحرفية لدى هؤلاء المحررين، الذين تعاملت معهم؛ حيث استطاعوا من خلال خبراتهم التراكمية، ودراستهم الأكاديمية؛ إظهار جوانب خفية في النصوص، وتعاملوا معها بمنتهى الحرفية والشفافية.

ولقد لمست أن الكثير من محرري الأدب المحترفين، هم من حملة الشهادات العليا في التخصصات اللغوية (ماجستير ودكتوراه)؛ مما يعزز احترافهم، بالتضافر مع خبراتهم المكتسبة، من خلال العمل.

ففي أغلب الأحيان يتعامل الكاتب مع نصوصه، وكأنها جزء منه؛ ومن هذا المنظور فإنه قد يمر على الكثير من الهنات الأسلوبية، واللغوية، والإملائية، في نصوصه من غير أن يراها؛ فهو ينظر إليها بعين المحب الكليلة عن كل عيب.

ولا شك أن هناك فئة من الكتاب، تمتلك مهارات لغوية عالية، وأساليب نثرية، راقية وباذخة؛ وهؤلاء ربما كان اعتمادهم على المحررين، ليس من باب تحرير النصوص، ولكن من أبواب أخرى، مثل ملائمة الموضوع لزمان ومكان النشر، والأوضاع المجتمعية المصاحبة.

ثم كما ذكرت في حديثي إن أحد الأسباب هو سهولة الوصول، إلى منصات النشر الإلكترونية والورقية، كذلك غياب الدور الفاعل للناقد الجاد؛ الذي يهتم بتخصيص وقته لخدمة العدد الكبير من الكتاب والكاتبات، الداخلين إلى ساحة الأدب بشكل مستمر.

أعتقد أيضاً أن المحررين الأدبيين مقصّرون، في إبراز دورهم، وأهميتهم للكتاب الجدد.

أتمنى أن نرى في الواقع العربي محررين، بأسمائهم المنفصلة عن دور النشر؛ هذا مطلب مهم؛ خاصةً في ظل تدهور الملكة اللغوية، لدى الكثير من القراء؛ بسبب بعض القصور في العملية التعليمية، في ذات الوقت المملكة تحديداً لديها مخزون كبير من المبدعين، الذين يمتلكون أفكاراً إبداعية جميلة، ومخيلة مذهلة؛ فقط يحتاجون من يساعدهم في تحرير نصوصهم، والبلوغ بها إلى مراتب عليا؛ لتحتل مكانها الصحيح بين الإبداع العالمي.

أعتقد أننا سنرى ذلك إن تخلى نقاد الأدب عن المجاملة؛ والتي هي عدو الإبداع الأول، وتفرغوا للإنتاج الشبابي الهائل، المتواجد على الساحة؛ ينتظر من يكتشف جوانبه الجيدة، ويكشف جوانبه التي بحاجة إلى تقويم، والمزيد من الممارسة والخبرة، والتحرير، كما يتعين على المحررين الأدبيين، أن يعملوا على إبراز دورهم، وأهميته للكتاب، واستغلال المنصات الإلكترونية؛ للتعريف بخدماتهم، وإنشاء تواصل دائم مع الأدباء.

كما أنه قد سبق لي التعامل مع العديد من المحررين كما أسلفت، باللغتين العربية والإنجليزية، وكانت تجارب جميلة وثرية، ومفيدة للطرفين، وهذه نقطة أود أن أوضحها؛ المحرر يستفيد من مراجعة النصوص، وملاحظات الكتاب على ملاحظاته، في صقل موهبته أكثر فأكثر، وتعزيز خبراته.

وفي تعاملي مع محررين من خارج الوطن العربي، وتحديداً من الولايات المتحدة الأمريكية، أتيحت الفرصة للمحرر لتصحيح بعض مفاهيمه حول الشرق الأوسط، وأيضا لتعزيز وإثراء مفرداته اللغوية المختصة بمنطقتنا.

من جانبي أفادتني تجربتي في الترجمة من العربية إلى الإنجليزية، والتعامل مع محررين من قبل الناشر الأجنبي؛ في اكتشاف بعض مشاكل الترجمة وحلولها، وكذلك في استبدال بعض المفردات ببدائل أكثر ملائمة.

حالياً أعكف على إصدار انطولوجيا القصة العربية، وهي عبارة عن مجموعة قصصية مترجمة من العربية إلى الإنجليزية؛ لإبداعات 50 كاتب وكاتبة من الوطن العربي، ولقد مررت بمرحلة التحرير مع الناشر الأمريكي، وأشيد بهذه التجربة، وبتمكن المحررين من حرفتهم وأدواتهم.

ويعلق القاص جمعان الكرت قائلاً:

في البدء نود أن نحدد مفهوماً علمياً دقيقاً للمحرر الأدبي، وما المعايير عند اختياره؟، وما الأعمال التي يقوم بها من أجل تحسين المنتج الأدبي؟، سواء كان شعر أو نثراً، أو عملاً مسرحيا؛ ونزيل الخلط بين مفهومي المحرر الأدبي، والمصحح اللغوي، وبحسب ما أعرف أن دور النشر في الغرب، تولي المحرر الأدبي جل اهتمامها؛ إيمانا منها بأهمية دوره، واثقة من رفع الرصيد الأدبي للدار، بين حقول المعرفة؛ بما تقدمه من نتاج إبداعي، وبجودة عالية.

في الوطن العربي نلحظ قلة الاهتمام بالمحرر الأدبي؛ ربما الهدف تقليص التكاليف المادية، أو عدم اهتمامها بالمنتج الأدبي؛ وبحسب ما أظن راغبين” منتجا دكاكينيا”، و لو جئنا ندقق في أهمية عمل المحرر الأدبي؛ لوجدناه ضرورة حتمية يفرضها السوق الثقافي؛ فهو الساند الحقيقي والموازي مع المؤلف؛ يقوم بالمهام الضرورية، كالتصحيح اللغوي والإملائي، واجتثاث الزائد من حشو الكلمات والعبارات؛ بما فيه تعزيز لمواطن القوة،  وتلافي مواطن الضعف، مع تبصير المؤلف إلى الجوانب الإبداعية،  وفتح آفاق له خاصةً في العمل الروائي؛  عندها يخرج المنتج بجودة عالية، وربما بعض المؤلفين تتشكل لديهم حساسية؛ بأن المحرر الأدبي يدخل في الدائرة الخاصة بهم؛ مما يحدث عدم الاتفاق والتناغم، وقد لا يتصور البعض أن المحرر الأدبي في الغرب، أحيانا يبدأ مع المؤلف من أول فصل في الرواية حتى نهايتها؛  فالمؤلف يمتلك الخيال، والمحرر يمتلك  الموهبة والثقافة؛ لكشف ما خلف السطور، منبهاً موضحاً مبصراً بما يجب أن يسير عليه الروائي؛ كي يكون عمله لافتا  مميزاً.

الذي أتمناه أن يكون هنا تنظيم لدى دور النشر؛ بتوفير وظيفة خاصة للمحرر الأدبي؛ خاصةً في دور النشر البارزة، على شريطة الاختيار الموفق؛ لمن يستحق أن يشغل هذا العمل بمعايير عالية؛ كتمكنه من اللغة العربية إملاءً ونحواً، مثقفاً قارئاً، واعيا ًوحصيفاً؛ عندها يسند إليه هذا العمل المهم والحيوي؛ وبذلك نتيقن بأن المنتج الأدبي؛ سيكون بمستوى رفيع؛ يحقق الرضا للقارئ، ويخلو من الهنات؛ كالتناقضات والأخطاء، التي قد تمر على المؤلف دون أن يلاحظها.

ويعقب الكاتب هشام أنس قائلاً:

من وجهة نظري أن الأسباب في عزوف البعض عن الاستعانة بالمحرر الأدبي؛ تتمحور حول قلة الوعي من قبل القراء في ضوابط أسس البناء الروائي، أو الأسلوب القصصي، أو المقالي في جميع الأجناس الأدبية، أما من قبل الكتّاب تكون في عدم الشعور بالمسؤولية تجاه القلم؛ حيث أنه راج في الفترة الأخيرة، فئة الكتّاب الشباب الذين يشعرون بمجرد امتلاكهم لقاعدة جماهيرية، على إحدى منصات التواصل الاجتماعي؛ أن ذلك منحهم حق خلوهم من النقص، وأنهم ذوي معرفة أدبية تامة وكاملة؛ فيضمن بذلك رواج كتابه، وتحقيق المبيعات العالية من خلالهم، دون اكتراث لأي أسس أو ضوابط.

وهناك فئة أخرى تعتمد اعتماداً كلياً على دور النشر؛ حيث أنه يخلط بين التدقيق اللغوي، والتحرير الأدبي؛ فيحسب أن هذا الأمر من مسؤوليات دار النشر؛ وفي هذه الحالة تكون دور النشر أيضاً شريكة في إسقاط دور المحرر الأدبي؛ حيث أنه لا تعتمد محررين لها، يقومون بمراجعة محتوى العمل، ولا تسعى على حث الكاتب المبتدئ، على البحث عن محرر أدبي، قبل اعتماد العمل من قبلهم.

في حقيقة الأمر المثل العربي الشهير ” أعط الخباز خبزه ولو أكل نصفه”؛ خير ما يعزز رأيي؛ أني أقف تماماً في صف من ينادي بأهمية المحرر الأدبي وضرورته حيث أني عندما أكتب نص سأنظر له بالصورة الحسية، أو التخيلية التي تجزأت مني، لكن المحرر ينظر لها بعين الخبرة، فيحذف منه ما هو غير ضروري، وينبهني على التكرار الذي يفقده جماله، ويبعد عنه صورة الاسترسال؛ التي قد تأخذ القارئ إلى بحر الملل.

المحرر الأدبي في الحقيقة أشبه بالآلة الجلاخة؛ التي تنحت جذع الشجرة، وتجعل منه شكلاً جميلاً؛ فالنص هو الجذع، والمحرر الأدبي هو أداة النحت.

كما أظن أيضا أن دور النشر التي في أساس الأمر لا تهتم للمحرر الأدبي، ولا تعرض الأعمال عليه، ولا تسأل الكاتب هل عرض عمله على محرر أدبي أو لا؟؛ هي من أكبر الأسباب المؤثرة فيما نراه من أعمال أدبية ضعيفة.

ويمكن القول أن عدم وجود آلية محددة، بخطوات متسلسلة تسبق نشر العمل الأدبي؛ تعتبرسبباً من الأسباب التي أثرت بالسلب في جهل الناس لأهمية المحرر الأدبي.

فعندما يتم غرس مفهوم التحرير الأدبي على أنه وظيفة كغيرها من الوظائف، كالطب والهندسة، وتشرح أهميته تعليمياً للنَّشء؛ باعتباره خطوة مطلوبة من خطوات نشر العمل الأدبي، أو باعتباره خطوة إجبارية قبل البدء في عمل ما؛ كمسألة الحصول على تصريح لبناء منزل مثلاً؛ فهي تحتاج لمتطلبات عديدة منها: دراسة حالة الأرض من قبل مهندس معتمد، مخطط للمنزل المراد، ثم بعد ذلك يتم الحصول على تصريح البناء، إن تم شرح الأمر بهذه الصورة؛  أظن  أنه حينها سوف يلجأ الجميع نحو المحرر الأدبي؛ لأن دوره أصبح  واضحاً أمامهم، ويرونه متطلباً إجبارياً في تفكيرهم .

فالمحرر الأدبي له دور مهم؛ لأن النظر إلى الشيء بعينين يكشف ما فيه من العيوب، بمقدار أكبر من عين واحدة؛ فأنا مجرد عين، وقد تحمل نظرة الانحياز، والمحرر الأدبي عين أخرى ولكنها محايدة.

ويرى الكاتب والإعلامي ناجي آل معيوف:

أن الاعتراف بالشيء حقيقة معرفته؛ لذا فأنا أرى أن الجهل بمقام المحرر الأدبي، وتجاهله بتعريف دوره؛ هما أهم سببين في انتشار بعض الأعمال الأدبية الضعيفة، أما بالنسبة لإهمال بعض دور النشر لعرض أصدارتها على محرر أدبي؛ فلا أقول لهم سوى أن لكل حرفة قيمة؛ والمحرر الأدبي هو قيمة إخراج إصدارتكم، بأحسن صورة إلى القارئ.

وأنا أنادي الكتاب المبتدئين والجدد دائماً بضرورة عرض إصدارتهم على محرر أدبي، وأحاول أن أوضح لهم حقيقة وظيفة المحرر الأدبي، وكيف أنه يمثل المترجم الدقيق والأنيق، لكل فكرة عائمة أو هائمة، ظاهرة أو غير ظاهرة.

كما أني أحب أن أشير إلى أن الجهل بمهام التحرير الأدبي؛ هو السبب الرئيس في تجنب احتراف، أو امتهان هذه الحرفة البديعة، من قبل أبناءنا وبناتنا، بالإضافة إلى قلة الهواة، وندرة المنارات الأكاديمية في هذا المجال.

وكم أتمنى أن أرى في المستقبل العديد من أبناءنا وبناتنا ممن يمتهنون هذه المهنة!؛ ويصبح لهم أسماءً لامعةً في هذا المجال، على مستوى العالم العربي والعالمي، ولكن لا سبيل إلى ذلك؛ حتى تضحي اللقمة حقاً شرعيا؛ لكل ذي موهبة سواء أكان مع أو ضد الفهم العام، وضد الإدراك الجمعي.

وتقول الكاتبة هياء الحوطي:

بالعكس ليس السبب في المحرر الأدبي؛ بل يرجع السبب الأول والأخير في دور النشر؛ لم يعطوا جزء للمحرر الأدبي؛ ربما كان أسطورةً في الكتابة، فلا تلقي دور النشر بالاً لأهميته.

ويؤكد الكاتب والإعلامي سليمان الجابري:

إن دور النشر تجهل قيمة المحرر الأدبي، وأثره في إخراج الإصدارات بصورة جيدة، ترتقي لمستوى طموح المبدع، وأمل القارئ.

One thought on “المحرر الأدبي بين الاهتمام والتهميش

  1. بل التهميش غالباً هو سيد الموقف لعوامل عده ابرزها خمول المجتمع وسطحية مايتم عرضه احياناً وارتباط المحررين الأدبيين بمناطق معينه ومواضيع محدده لا تدغدغ مسامع المتلقي !

    وكي اكون منطقيا اعتقد اننا مقبلون ع ثوره أدبيه وفكرية بحكم ان هناك وزارة مخصصه للثقافة ورؤية تدعم وتؤطر للأدب والثقافه ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *