الصِّدق في العمل الأدبي

الصِّدق  في العمل الأدبي 

مشاعل عمر بن جحلان*

 

تعدّ فكرة (الصِّدق في العمل الفنِّيّ) من أهم القضايا النَّقديّة قديمًا وحديثًا، وهي من مقاييس مُفاضلة الأدباء، فقد عدّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه زُهير بن أبي سلمى من أشعر الشُّعراء كونه لا يمدح الرجل إلا بما فيه (1).

ولعلّ البيت الشهير لحسَّان بن ثابت رضي الله عنه يدّلل على قيمة الصِّدق في معايير النَّقد العربيَّ القديم، حيث يقول:

“فَإِنَّ أَشْعَرَ بَيْتٍ أَنْتَ قَائِلُهُ      

   بَيْتٌ يُقَالُ إِذَا أَنْشَدْتُهُ: صَدَقَا”(2).

ويُقصد بالصِّدق الفنِّي “القُدرة على النَّفاذ إلى جوهر الموضوع والإحاطة بأصوله ومقوماته”(3)، حيث تبرز قيمة الصِّدق في العمل الأدبي باعتبار أنَّه وسيلة تعبير عن الإنسان ومشاعره وحياته، فمتى ما طابق تعبيره الأدبيّ الواقع بمصداقية؛ كان ذلك أدعى لمقدرة الأديب على وصف وتمثّل حياة الآخرين والتَّأثير فيهم، كما أنَّ الصِّدق دلالة أخلاقيَّة محمودة تُوحي بشرف الكلام وصدق الإبانة عن السَّريرة.

ومن النُّقاد المُحدَثين الذين اهتموا بفكرة الصِّدق في العمل الأدبي عباس محمود العقَّاد رائد مدرسة الدِّيوان، الذي تصدّى لشِعر أحمد شوقي مُنتقدًا فقدانه للمصداقيَّة في فنِّه وجنوحه إلى المبالغة في الصَّنعة، فهو -كما يرى العقاد- لا يصف نفسه ولا طبيعة المجتمع الذي يعيش فيه، وقد وازن العقَّاد بين شوقي والمعري في القصائد المتناولة لفلسفة الموت والحياة لإثبات وجهة نظره، كما اعتبر العقَّاد الشَّاعر البارودي (المزامن لشوقي) نموذجًا بارزًا في التَّعبير عن الشَّخصية بمصداقيَّة وشفافيَّة.

ويتفق بدوي طبانه مع العقَّاد في رؤيته النَّقديّة تجاه شعر شوقي في مُؤلَّفه الموسوم بِـ (التَّيارات المُعاصرة في النَّقد الأدبيَّ)، ذاك أنه يعدّ الصِّدق من أهم مسببات التَّأثر بالفنّ، وأنه أخير من الجمال، وأن شخصية الأديب تبرز في مصداقية تعبيره عن نفسه ومشاعره. (4)

ومن المقولات الرائجة في النَّقد الأدبيّ الحديث، قول: “الأدب هو الرجل”، أو “الفنّ هو الرجل” ويُقصد بذلك أن على الأديب تمثّل ذاته في نتاجه الأدبي إلى حدٍّ ما، فيُصبح بذلك عمله الأدبيّ مرآة لنفسه وعواطفه، وتظهر شخصيته جليَّة محققة للوحدة الأدبيَّة.

ومن الدِّراسات النَّقديّة التي تناولت تحليل الأعمال الأدبية بمعيار الصِّدق الفنِّي دراسة طه حسين لكتاب أحمد أمين (فيض الخاطر)، إذ جاءت دراسته على أساس استنباط معالم شخصية أمين من نتاجه الأدبي، باستخدام منهجية التحليل النَّفسيّ. كما وازن بين حافظ وشوقي بالنَّظر إلى طبيعتهما ومزاجهما وصفاتهما الشَّخصيَّة والمؤثرة في تشكيل شِعرهما. ولطه حسين دراسة أخرى على أساس سيكولوجي هي دراسة (الغزل العربي في صدر الإسلام) حيث التفت إلى تأثير الدين والقرآن، وكذا تأثير الحالة الاقتصاديَّة في نفوس أهل الحاضرة والبادية.

كلُّ تلك الدراسات مردّها إلى منهجية التَّحليل النَّفسي التي تُعِدّ النَّتاج الأدبي وثيقة نفسيّة تكشف عن شخصية الأديب وفكره وملابسات حياته، كما أنَّها في الوقت نفسه إثراء لتجارب المُتلقِّين الشُّعوريّة وغير الشُّعورية.

وممّا لا شك فيه أن خُلق الصِّدق من الأخلاق الحميدة التي حرص عليها الإسلام وأعلى من شأنها، ويجب على المرء تمثّل الصِّدق في أقواله وأفعاله، إلا أنّه من الصِّدق القول بأن عملية تقييم الصِّدق تابعة للمُتلقي بدرجة كبيرة، وتحكمها العاطفة، فهي كما يقول ريتشارد: “إن المصدر الحقيقي في اعتقادنا بحقيقة أو بشيء ما عقب قراءتنا لقصيدة من القصائد هو هذا الإحساس الذي يعقب عملية التَّكيف، وتنسيق الدوافع، وتحررها، وما تشعر به من شعور بالراحة والهدوء والنَّشاط الحُرِّ المطلق والإحساس بالقبول. وهذا الإحساس هو الذي يدفع الناس إلى تسمية هذه الحالة حالة اعتقاد أو تصديق”(5)، بالتَّالي يصبح من الصَّعب الجزم بمصداقية العمل الأدبي أو فقدانه للمصداقية إذ لا قانون مرجعي يحكمه بقدر ما هي أراء ذاتيَّة انطباعيَّة.

الأمر الآخر أن ملكة الشِّعر تحديدًا هبة من الله تعالى تتجلى في عبقريَّة الشَّاعر ومقدرته على التَّماس مع الطَّبيعة من حوله، ومع الآخرين، فقد يحصل أن يكتب الشَّاعر عن حالة لم يحياها، أو عن تجربة غيرية، ويأتي تعبيره بعاطفة جيَّاشة وكأنَّه خاض التجربة بنفسه، كما حين يكتب الرجل عن شعور امرأة، أو قد يكتب الغنيّ في وصف حال الفقير، وكثيرًا ما يحصل أن يتمثّل الشّعراء ما نشعر به ولا نستطيع البوح عنه، وهنا تكمُن ملكة الأدب في مقدرته على الغوص في عُمق الفكر الإنساني والولوج إلى مساحات داخليّة من الإحساس بالذَّات، وبالآخرين، وبالعالم الطبيعي من حولنا.

بالإضافة إلى ذلك، فإن المبالغة والانزياح سِمة دارجة في الكتابة الأدبيَّة لا يمكن إنكارها، وإن كانت أحيانًا منبوذة متى ما وصلت إلى حدِّ الإغراق والتنفير، إلا أنها في مُجملها قد تحوي بعض الأفكار الإبداعيّة التي تُحسب للأديب، كما قد تشمل صورًا جماليَّة، وليس بالضرورة أن تُعدّ كذبًا، فطبيعة نفس الأديب ذات درجة عالية ومرهفة من الإحساس قد تخول له المبالغة في الوصف أحيانًا باعتبار أن هذا هو شعوره الحقيقي، فهي ليست مبالغة في وصف شعوره بقدر ما هي مبالغة قياسًا للواقع.

ومع كل هذا فإن التزام الصِّدق فيما يُقال تجعل المُتلقِّي يُحسُّ بتجربة الأديب ويُشاركه شُعوره ومعرفته، لاسيما حين يكون العمل الأدبيّ تعبيرًا عمَّا يشعر به المُتلقِّي دون مقدرته على التَّعبير عنه، كما أن التزام الصِّدق يُكسب الأديب الثَّقة والتَّقدير من جمهور المُتلقِّين، وتجعله أكثر تجاوبًا مع عصره وملائمة للحياة من حوله.

ولا ينبغي النَّظر إلى الصِّدق الفنّي على أساس جعل العمل الأدبي بسيطًا خاليًا من العُمق والغوص في المعاني النَّادرة والمشاعر الفيَّاضة، وإنَّما المغزى هو تمثّل الحياة الحقيقيَّة بجودتها أو برداءتها تمثّلًا يكشف عن كنهها ويطابق صورتها.

 

الإحالات:

(1) يُنظر إلى: محمد زغلول سلام، تاريخ النقد العربي، المجلد 1، (القاهرة: دار المعارف، 1964) 75.
(2) القزويني، وابن يعقوب المغربي، وبهاء الدين السبكي، شروح التلخيص، المجلد 4، (بيروت: دار الكتب العلمية، 2015) 88.
(3) قصي فاضل الخطيب، الصِّدق الفني في شعر الغزل حتى نهاية القرن الثاني الهجري، (عمّان: دار الخليج للنشر، 2020) 22.
(4) يُنظر إلى: بدوي طبانه، التيارات المعاصرة في النقد الأدبي، ط3 (الرياض: دار المريخ، 1986) الصفحات من 300- 310.
(5) قصي فاضل الخطيب، مرجع سابق، 32- 33.

* كاتبة وناقدة – السعودية

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *