من أنت؟

 

الكاتب: شاهر النهاري

وبالطبع لن يوجه هذا السؤال لك في حياتك، بينما سيسأله الناس لأهلك ومحبيك بعد انتقالك للدار الآخرة!

وكحدث استباقي سأطرح السؤال عليكم أحبتي، لتتفكروا فيه بشفافية.

والهدف منه ليس دينياً بحتاً، فالدين علاقة روحية سرية بين الخالق والعبد، يعجز حتى العبد ذاته عن تقديرها، لأن لها مقاييس، أهمها رضى الخالق سبحانه وتعالى وتقبله لأفعال العبد، يعقبها مدى فائدة البشرية والمخلوقات بتلك الأعمال.

ولكن، دعونا هنا نتجول في فلك حياة الإنسان، وما يتركه من ذكر دنيوي بعد رحيله.

العظماء تركوا للتاريخ من خلفهم الكثير من الأعمالِ والمواقف والمناقب، التي لا زلنا نتذكرهم بها، فهذا غَيّر وجه التاريخ، وهذا قاد أمته للنصرِ، وهذا اكتشف نظرية لم يسبق للبشريةِ أن فكرت فيها، وهذا صنع مخترعاً اعتلت به البشرية عصوراً من الزمان، وهذا سطر بكتاباته من البديع ما أعجز، وهذا نقش، مسح، رسم، طمس، بنى، وهذا استهان وهذا سخر وهذا هد، وهذا فجر، وهذا لملم، وصان، وهذا أنار، وهذا أحرق، وهذا داوى، وهذا أمرض، وهذا سعى في توطين رحمة الإنسان، وهذا عذب وأفنى.

كلهم من المشهورين، سواء توافقنا أو اختلفنا على جدوى أعمالهم، أو أضرارها.

والتاريخ رغم تدخل السلطات فيه إلا أنه لا يعرف العاطفة، فيتذكرهم كما كانوا، ويكرر أسماءهم، كلما عنت مشاريعهم على الخواطرِ.

ولو تمعنا أكثر فسنجد أن هنالك طبقة أقل حضوراً من العظماء المشهورين، تظل محدودة بنطاق ضبابي بأن يعرفهم المحيط، الذي كانوا يعيشون فيه، ويذكرهم بمحدودية معنوية، ومكانية، وزمنية، لا تلبث أن تتوارى بذكرهم بعد زمن بسيط.

وتظل قيمة البسطاء في الغالب منسية جمعية في التاريخ، فلا تتميز أسماؤهم، ولا تبرز أحداثاً تخلدهم كأفراد، ولا يفرح أحدهم بسؤال: من أنت؟، كونه يظل جزءاً ضئيلاً مهمشا.

فعندما نسألك من أنت، واجه الحقيقة، وحدد مكانك بين تلك الطبقات الثلاث، وأخبرنا؛ هل أنت راض بمكانتك الإنسانية بعد الموت؟

كثير منكم، سيسأل، عن جدوى مثل هذه الفلسفة، والتي قد تسبب للبعض الإحباط، لمعرفتهم يقيناً بأنهم سيكونون طوال عمرهم من النوع البسيط المنسي ودون شك، ولكني أجزم بأن التلميذ عندما يعرف مسبقاً بما سيؤول إليه حاله بعد الاختبار، فإنه ربما ينشط ويجد، ويتحضر، وربما يسعى لتحقيق أحلاما في مخيلته، كان يعتبرها من الأوهام.

العمل الصالح ما يزال ممكناً، والفكر لا زال لديه الكثير ليعطيه، ومحاولات الخير والعمار لا تنتهي، إلا في القلوب الميتة.

لا تحدد لنفسك مكانا وتيأس أن تتحرك منه، فكم من عظيمٍ بدأ في عمرٍ متأخر، وكان له من التأثير أكثر مما توقع الجميع.

صدقوني، الوقت مهيأ لأي إنجاز مستقبلي يجعلنا ننتقل إلى طبقة أعلى، وكم من مُسن بدأ في دراسة كان يتمناها، وعاندته الظروف، ولكنه بإصراره تحصل عليها ولو متأخرا؛ وكم من مخترع فكر في اختراعه وهو يودع الحياة، وكم من عمل يُخلد الإنسان لا يحصل إلا في آخر أيام العمر.

فتش في جوفك، ولا تتهاون بخاطر قد يجعلك تقفز إلى مصاف الفئة المؤثرة، والتي تسكن كتب التاريخ.

سؤال بصيغة التنبيه، فلعله يفيد أحداً ممن لديهم آمال منسية بالخجل أو اليأس أو الكسل.

One thought on “من أنت؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *