قراءة فنية لجدارية كيث هارينغ

فاطمة الشريف –

قراءة فنية لجدارية ” كل العالم ” للرسام الأمريكي كيث هارينغ

اللوحة التشكيلية الآسرة هي تلك القطعة اللونية التي مُزجت من ألوان ورموز تحكي قصة يقف أمامها الكبير والصغير، المرأة والرجل؛ ليجد نفسه أمام عالم يتواصل معه عبر اللون والرمز، ويتبادل معه رسائل الفكر والمعنى والإحساس. إن هدف اللوحة الناجحة هو التواصل الإنساني لسبر المشاعر، وصقل التجارب البشرية، ونقل المعرفة والثقافة والتراث.

Keith Haring (1958 –1990)

كيث هارينغ الفنان التشكيلي الأمريكي الذي ابتكر لنفسه خط ولون خاص به؛ فنالت رسوماته تقدير دولياً؛ وانتشرت جدارياته، وحُولت العديد من شخصياتها إلى مجسمات جمالية في أنحاء الولايات الأمريكية والدول الأوربية.  كما راقت تلك الرسومات لذائقة الشباب، فاستُخدمت في قمصانهم وأدواتهم المكتبية.

يتحدث كيث هارينغ عن نفسه قائلا:

رسوماتي لا تحاول تقليد الحياة، بل هي صناعة مبتكرة للحياة … فأنا لا أستعمل الألوان والخطوط لمحاولة جعل رسوماتي شبيهة بالحياة”. ويؤكد في فلسفته الفنية “أن الفن للجميع”. من هذه المعتقد أنطلق هارينغ في رسوماته نحو التعبير والترميز، جاعلا الرجل هو المركز في معظم لوحاته. كما جعل الأطفال أحد رموز وعلامات لوحاته لتمثيل حس الفكاهة والبراءة.

 

من أحد أهم أعماله الجدارية: جدارية بيزا التي تسمى توتوموندو ThePisa’s Mural Tuttomondo

تقع جدارية توتوموندو التي تعني بالإيطالية كل العالم على جدار كامل من الكنيسية الرومانية الكاثوليكية بمقاس ١٨٠ متر مربع في مدينة بيتزا الإيطالية.

الموضوع الأساسي للجدارية هو السلام والتناغم في العالم، والذي يمكن قراءته من خلال الروابط والانقسامات بين ٣٠ شخصية تمثل إيقاعات الرقص الأفريقي؛ حيث تمثل كل شخصية جانبًا مختلفًا لمعاني السلام في العالم. وهي تقريباً على النحو التالي:

1. المقص البشري في الجهة اليمنى من أعلى الجدارية هو صورة يرمز إلىالتضامن البشري في هزيمة الثعبان رمز الشر؛ حيث يأكل رأس الشكل المجاور له.
2. ترمز المرأة التي بين ذراعيها طفل إلى معاني الأمومة والرحمة.
3. ترمز الحيوانات المنتشرة في أرجاء الجدارية (السمك الوطواط الطيور …) إلى علاقة الإنسان بالطبيعة.
4. الرجل الذي يشكل رمز اللانهائية مع جسده في الجهة اليسرى من أعلى الجدارية يرمز إلى دورة الحياة اللانهائية.
5. يتمركز الصليب في وسط اللوحة الجدارية عبر شخصيات أربعة؛ ليرمز إلى قيمة وأهمية الدين في حياة البشر.
6. يمثل التلفاز الانفتاح البشري على العالم.
7. ترمز اليد مع خمسة رجال إلى التعاون والعمل البشري.
8. شخصية الرجل الأصفر الذي يمشي تارة، ويجري تارة أخرى، ويحلّق عالياً تلخص فكرة السعي والتفاعل مع الآخرين.
9. ترمز الشخصيات الثلاث في الجهة اليمنى من أعلى الجدارية، التي تحمل القلب في أيديهم إلى المساواة ومكافحة العنصرية.

رسم هارينغ جدارية توتوموندو المشبعة بالألوان والرموز كمثيلاتها بألوان الإكليريك والتمبرا في الهواء الطلق على جدار في الهواء الطلق لتصبح معلم سياحي بارزا في مدينة بيزا؛ حيث رسم مخطط الجدارية في يوم واحد باللون الأسود العريض، وساعده في التلوين طلبة المدارس والمهتمين بالفن. لقد حرص كثيراً على اختيار الألوان الرقيقة، والتخفيف من الألوان العنيفة؛ حيث أجاد في اختيار الألوان المناسبة والمتوازنة في معظم أجزاء رموز الجدارية، مما جعللها أثر وقبول وارتياح وقوة جذب للمتذوق. كما يبدو الإحساس بالعمق الفراغيمريحا للناظر من خلال الخلفية البيضاء للجدارية، وتحديد شخصياتها الملونة باللون الأسود العريض، مما أحدث تناغم وربط بين الألوان المتقدمة والمتأخرة للجدارية، فكانت سمة بارزة لجدارية بيزا، وجميع جدارياته.  

أحب الجميع أعمال كيث هارينغ الفنية، وتعاطف الكل مع رسالته الإنسانية التي قدمها من خلال فنه المميز، ونشاطه المجتمعي، ومرضه القاتل.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *