الصوالين الأدبية ما بين القديم والحديث

الصوالين الأدبية ما بين القديم والحديث

الصوالين الأدبية وعي مجتمعي قديم من صنع المرأة

إعداد: دكتورة إبتسام جسور

أصل كلمة صالون ذات أصول لاتينية، تعني المكان المخصص لاستقبال كبار الشخصيات، والمهمين من الزوار (Salon)، أما الصوالين الأدبية فهي مكان يجتمع فيه المثقفون، والأدباء، والفنانون، والشعراء؛ فقد عرفت الصوالين الأدبية قديماً؛ فكان أول صالون أدبي عند العرب هو صالون سكينة بنت الحسين رضي الله عنها؛ فكانت تستقبل الأدباء والمثقفين والحكماء من الرجال، في صالونها في بيتها، من كل صوب؛ تعرض عليها كل ما يشغل المسلمين وقتها من قضايا؛ فكانت تدلي بدلوها فيها بالحكمة، وكان يأتي إليها الأدباء، والمثقفون، وأهل الراي، وكانوا يحكمونها في الأقوال والأحكام، وكانت تبدي رأيها بحكمة وتبصر، من داخل دارها بالمدينة.

الملاحظ ظهور دور المرأة القوي والمحوري في الصوالين الأدبية؛ وربما كان السبب لأن المرأة حرمت من المشاركة الثقافية، والسياسية ، والفكرية المباشرة، فكانت تستشار وتشارك من داخل دارها وصالونها، ويأتي إليها من يطلب حكمتها، ورأيها النقدي، وكانت تبدي رأيها من داخل صالونها.

كما ظهر أيضا في مدينة قرطبة بالأندلس في القرن الحادي عشر الميلادي صالون ولادة بنت المستكفي، وكان من أشهر الصوالين الأدبية آنذاك؛ فقد جمع لفيف من كبار الشعراء، والأدباء، والمثقفين، وكانت ولادة تتمتع بجمال آخاذ، ومعرفة بفنون الأدب؛ فألهمت بذلك الوزير الشاعر بن زيدون؛ فكتب أروع القصائد التي هي من عيون الشعر العربي، منها النونية الشهيرة.

أما في الغرب فظهرت الصوالين الأدبية في فرنسا في القرن السابع عشر الميلادي، وكان يقمن عليها سيدات مجتمع، اتصفن بالذكاء، والجمال، والثقافة، وكانت تجمع ألوان من المتع الحسية والفكرية، من أدب، وثقافة، وفنون، وأصبحت معرضاً للموضات، وتبادل الآراء، وكل جديد، ومن الأدب الرفيع، إلى مناقشة قواعد الإملاء.

انتقلت حمى الصالوالين الأدبية الفرنسية إلى الدول العربية في العصر الحديث؛ تحديداً في القاهرة حيث ظهر أول صالون في قصر الأميرة (نازلي فاضل) بنت الأمير مصطفى فاضل، وكان يتردد عليها كبار المصريين والأوربيين، منهم الإمام محمد عبده، وقاسم أمين، وسعد زغلول، وغيرهم، ممن ساهموا في تغيير الحياة الثقافية والاجتماعية في مصر.

وبالمقابل ظهر في حلب ديار الشام صالون ماريانا مراش، التي تنحدر من أسرة اشتهرت بالأدب والثقافة والعلم (1848-1919)؛ فكانت ماريانا هي أول سورية برزت في مجال الأدب، والشعر، والصحافة، في العصر الحديث؛ فقد كانت تكتب منذ صباها في بعض المجلات اللبنانية، مثل المقتطف والجنان، وكانت تجمع بين الثقافة العربية والفرنسية.

كما يعد صالون مي زيادة (1886-1941) من أشهر الصوالين العربية، التي حفلت بلفيف من مشاهير الأدب والثقافة، وكانت تجيد العديد من اللغات، فجاء أول ديوان شعر لها (أزاهير الحلم) باللغة الفرنسية.

بدأ صالون مي زيادة بمنزلها بحي عدلي في عام 1911م، ثم انتقل الى الطابق الذي أهدته لها صحيفة الأهرام، واستمر حتى نهاية الثلاثينات، وكانت تستقبل ضيوفها كل يوم ثلاثاء، حيث كانت تزين الصالون باللوحات، والأثاث الفخم، وهناك العديد من كبار الشخصيات يرتادون الصالون، منهم مصطفى صادق الرافعي، ومصطفى محمود العقاد، وحافظ ابراهيم، وأحمد شوقي، وعبدالقادر المازني، وغيرهم.

اعتمد صالون مي زيادة على جمال وأنوثة، وعقل لصاحبة الصالون؛ وبمرور العمر، وذبول زهرة الشباب، انتهى صالون مي زيادة، وانفض من حوله مرتاديه.

تقول شاعرة الإمارات كلثم عبد الله عضو مؤسس برابطة أدبيات الإمارات منذ عام 1990، وأمينة السر سابقا وقت التأسيس، شاعرة وكاتبة صحفية، عضو مجلس أمناء هيئة المرأة العالمية للتنمية والسلام، مسؤولة ملف التوازن بين الجنسين، وتكافؤ الفرص في الشرق الأوسط، ممثلة نادي القلم لاتحاد الكتاب النمساوي في دولة الإمارات:

أنه حاليا برغم اتجاه المجتمع بكلياته نحو الفضاءات الإسفيرية؛ إلا أننا نجد ظاهرة الصوالين الأدبية اتخذت موقعها المميز، وازدادت انتشارا؛ فأصبحت تهتم بالشؤون الثقافية، إضافة للسياسية، وتساهم في بلورة الرأي العام، وتنويره، وتعزيز وتفعيل أدوار الفرد للجماعة، وتصدير الرسالة الحضارية والثقافية، والتعريف بها في خضم الثقافات المتباينة.

في المملكة العربية السعودية ساهمت حركة الصوالين الأدبية في تقديم المرأة السعودية للساحة الثقافية، من الأديبات، والمثقفات، والشاعرات، كما كانت نواة أساسية لولوج المرأة ساحة المؤسسات الثقافية الرسمية، تضم هذه الصوالين والتي تحول بعضها إلى منتديات ثقافية، الأكاديميات، والشاعرات، والمفكرات، والأديبات، ومن كل ألوان الفنون والثقافة.

وتعلق الشاعرة والكاتبة السودانية إبتسام حسن عباس صاحبة صالون أدبي بالرياض قائلةً:

وجود الصوالين الأدبية النسائية بدولنا العربية قديم، والآن لبست بعض الصوالين حلة المنتديات الثقافية، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر أسماء بعض الصوالين العربية الحالية، وجلهن لسيدات مثال صالون سارة الخثلان، وصالون المرأة السودانية الأدبي.

نخلص إلى الإجماع بأن الصوالين الأدبية فكرةً وتاسيساً هي من إبداعات المرأة؛ فالنساء هن اللاتي أسسن هذه الصوالين الأدبية منذ قديم الزمان، وأن النساء العربيات هن من ابتدرن ظاهرة الصوالين الأدبية، التي ما زالت تثري الساحة الثقافية، وواكبت العصر وصنعت لها صوالين صممت خصيصا؛ لتواكب العصر الرقمي؛ فأنشئت العديد من الصفحات والمواقع لها، حملت توثيقاً لكل مناسباتها وروادها.

التحية لحواء العرب، ونون النسوة في كل مكان، وأذكر على سبيل المثال صالون عنود نجد في إحدي فعاليته بالقاهرة؛ حيث يمثل جسر تواصل ثقافي، وله دور توعوي، وثقافي، وغيره الكثير من الصالونات بالمملكة العربية السعودية .

وتظل الصوالين الأدبية ظاهرة جمالية أدبية عريقة، تعود من جديد بقوة بألوان زاهية، تحمل عبق الماضي، وشذى الحاضر.

وتقول رائدة الأعمال والكاتبة السعودية نوره آل عائض:

في إطار المساهمة للعمل على تحقيق رؤية وطن؛ لخلق مجتمع حيوي أطلقنا مبادرة ” ديوانية المعرفة “، التي تختص برفع مستوى الوعي الجمعي لدى نساء المجتمع؛ لتنمية وترسيخ مفهوم العمل التعاوني والتطوعي؛ ولتنشيط مسارات تنموية مختلفة، تلبي احتياجات شريحة كبيرة من سيدات المجتمع؛ لتحسين جودة الحياة، وذلك من خلال لقاءات شهرية، ركزت فيها على استقطاب كفاءات متخصصة بمجالات مختلفة؛ للمشاركة في أهداف المبادرة.

الديوانية تعنى بالأدب والثقافة، والتدريب وتطوير الذات؛ بما يخدم المجتمع، والمرأة.

ويعقب الكاتب والاعلامي السوداني صلاح غريبة قائلاً:

أن الصوالين الأدبية في ظل الانفتاح العالمي، والتواصل الواسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والمواقع الأخرى؛ أدى الى سرعة انتشارها، وأن تحتل من جديد مواقع الصدارة، بل أن تجد مكانها المناسب، وتنقل ثقافات مختلفة، وتعرف بثقافة الآخر، وقد اكتسبت طابع جديد في معظمها؛ حيث أصبحت تناسب الزمان والمكان، وتعزز الهوية، وتعرف بالحضارة، خاصةً من جيل إلى جيل، ومن مكان لآخر.

 

ويقول القاص والروائي جمال الدين علي الحاج قائلاً:
لا شك أن الإبداع الإنساني منذ تفجره و تدفقه وجريانه يشحذ العقول ويهذب النفوس ويزيل الشح و القحط لتسمو معاني الفضيلة. وتتشارك البشرية معاني الخير والسلام والجمال وهو كمنجز لابد له أن يخدم قضية الإنسان الفكرية.. الشغف لكشف غموض الحياة. والنفس والروح وأسرار الكون. 
تعتبر الصوالين الأدبية أحد أهم المواعين التي تغترف من ذاك النبع; وهي من أقدم التراث الفني الذي عمل على صقل الموهبة والإرتقاء بالذوق العام وبث الوعي وزيادة التنوير والمعرفة في المجتمعات المتحضرة. وهي ظاهرة قديمة برز دورها في الحضارات القديمة كمسرح مصغر يختص بالمجتمعات الأرستقراطية لعرض الفنون والمواهب والمناقشات الفكرية والشعرية. و تطور دورها مع انفتاح الإنسان وذوبان طبقات المجتمع لتواكب النهضة التعليمية الكبيرة وبرز لها دور آخر غير المسامرة والمجالسة مع تلك الأجيال التي نالت تعليم منظم وكانت تطلعاتها تصبو نحو آفاق أرحب لاسيما في الألفية السابقة وأشواق الشعوب للتحرر من المستعمر ومحاربة الجهل والعادات الضارة والدخيلة على المجتمع. فانتشرت الصوالين الأدبية الرجالية والنسائية في كثير من المدن العربية و التي كانت تستضيف الأدباء والمفكرين والعقول الشابة المحرك لبوصلة الفكر والثقافة في المجتمع. هذا الدور مع بداية الألفية الجديدة والطفرة الكبيرة في عالم التكنولوجيا وثورة المعلوماتية التي اجتاحت العالم الواقعي ونقلته بجناح شبكي إلى عوالم إفتراضية هلامية.. وإنفصام عرى الأجيال هذا الدور تراجع  بعض الشيء وباتت شبه جلسات صفوية منغلقة على نفسها وربما عادت سيرتها الأولى كمجالس للقياء والمسامرة وتزكية وقت الفراغ.. ثمة إشراقات هنا وهناك.. ربما لإكتشاف مجسات الوعي المجتمعي أن الزبد يذهب جفاء وما ينفع الناس يمكث في الأرض لذا يجب أن تعود وبقوة مع حاضنات الثقافة الأخري. الأندية والجمعيات الثقافية لتلعب دورها الرسالي والتوعوي في احتضان الشباب بالخصوص أن هناك تحديات وقضايا كبيرة. صراع الهوية والاستلاب الثقافي و الغلو والتطرف والأرهاب بأنواعه الفكرية والعقائدية والجسدية. إن زرع بذور الثقة في نفوس الشباب وإبتكار برامج تستوعب طموح الطاقات الشبابية و تخاطب قضاياها الملحة وفتح المجال لهم لينهلوا من تجارب الأجيال السابقة هو الخيط السحري الذي يجب على القائمين أخذه ونظم  عقده الفريد ليزين جيد الوطن من جديد.. 
وتحدثت الكاتبة السعودية سهير مهدي قائلة:
تميزت العصور القديمة بانتشار الصالونات الادبية، وكانت تزهر بروائع الفنون الأدبية والشعر والنثر ،وامتدت لتصل الي عصرنا هذا، ورغم تقدم التكنولوجيا  إلا أن النوادي الأدبية مازالت تحتفظ برونقها ورسالتها ، في نشر كل ماهو جديد وتبادل مهارات بين الشعراء والادباء ، وأجمل مافيها تلك الصداقات التي تعم بالفائدة ، وترتقي بنا لعصر مزدهر واشيد بالذكر صالون ميس ، وروعته يدعونا للفخر والتطلع لماهو جديد ومنتظر.
بينما عقب الكاتب والروائي السعودي علي ماجد بقوله:
الصالون الأدبي كان يشمل كوكبة من أدباء البلد بحيث يفيد كلا منهم الاخر. كان الخبير يساعد الجديد بالتقدم و الانتشار 
على سبيل المثال 
مجلة روز اليوسف كانت تعتمد على توصيات صالونات الأدباء و منها وصل الشاعر السوري نزار قباني الى الأضواء . منتقى الثلاثاء للأديبة مي زيادة كان صالونها منبر للأدباء وكان صالونها معبر أساسي لكل أديب حتى ينتشر.
الان أفل نجم الصالونات وأصبحت مهملة لانها لا تفيد الأديب للاسف في الوصول لأهدافه فدور النشر أصبحت هي صاحبة اليد العليا و الجرائد والصحف اصبح لها صالونها الخاص و محتكرة منهم فمن يريد الوصول لتلك الصحيفة فعليه الاعتماد على نفسه ويتصل بهم وهكذا يصل للمستوي الذي يطمح اليه.
يفترض بالصالونات الأدبية ان تكون إيجابية و ذات وجة نقد بناءه لكن للاسف بسبب الاهمال العام للثقافة في الوطن العربي اصيبوا بالإحباط وتحول الاحباط لنقد سلبي لمن يكتب بينهم لذا ابتعد الكثير من الكتاب الجدد عنهم ونسقوا مع دور النشر والمشاهير للوصول للجماهير واضمحل  دور الصالونات الأدبية كثيرا.

2 thoughts on “الصوالين الأدبية ما بين القديم والحديث

  1. ما شاء الله لا قوة الا بالله هذه فعلا حقيقه نراها انه رغم تقدم التكنولوجيا إلا أن النوادي الأدبية مازالت تحتفظ برونقها ورسالتها…….
    جزاكم الله خيرا واحسن إليكم سعادة الأستاذ الفاضله السيده ابتسام البقمي. نفع الله بكم وبعلمكم

  2. مقال جميل جدا . و قد كنت اود الى لفت الانتباه حيث ان الكاتبة من رائدات الصالونات الأدبية التي ذخرت و لا زالت بالعديد من الأدباء و الكتاب العرب في منطقة الرياض . صالونها الذي يحمل اسم صالون المرأة السودانية الأدبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *