في انتظار الباص

قصة قصيرة  

 للقاص  إبراهيم الألمعي

حين تبدأ العصافير ترفرف على أطرافي، بعد ليلة قضيتُها وحيدةً أمام سكون الشارع إلا من حركة قليلة غير منتظمة، وأصوات النوافذُ وهي تُغلَقُ على كثيرٍ من الخيبات، واللحظات السعيدة، يتوافدُ الناسُ إلى موقف الباص، ضجرتُ كثيرًا عندما وضعوا موقف الباص إلى جواري، يا لسوء حظي كل هذا الرصيف الممتد، ثم لا يجدون له مكانًا آخر، كلُّ الذين يجتمعون حولي مغمورين بهمومهم ينفثون دخان سجائرهم فيختلط برائحتهم العَطِنَة، كلما اتكأ عليَّ أحدهم شعرتُ بأنه يسكبُ في جسدي شيئًا من همومه، ثم يرحل وقد أورثني بعض تعاسته.

على جلدي يطفئون سجائرهم كما يفعل المحققون، يبلغ النكد ببعضهم أن يتسلى بتجربة مطرقته أو منشاره في جسدي، فيما ينحت بعضهم اسمه على جلدي، فتبقى ندبة موجعة تحمل اسمه وتاريخ يومه التعيس الذي لا يختلف عن سائر أيامه، فيوثِّق لتعاسته وألمي معًا. يخطر لأحدهم أن يغرز مسمارًا في جنبي، ودون أن يشعر بأني أتألم يُقرِّر انتزاعه، وأنا أتساءل: بما أنَّه سينزعه فلماذا غرزه أصلاً؟!

يحدث أن يقف تحت ظلي حبيبان يتوشوشان فتتدلى أغصاني تنصت لكلمات الحب، وحين ينصرفان يبقى عطرهما، وهمسات الحب، وتبدو أوراقي أكثر اخضرارًا، وأنتظر عودتهما فلا يأتيان، ويأتي آخرون تملأ رائحة عرقهم المكان، ويبهت لون أوراقي، وتزداد الندبات على جسدي، وربما عاد الحبيبان، وقد نفدتْ كلمات الحبِّ وتبدَّدتْ رائحة العطر، وعلا وجهيهما الفتور.​

​​​​​​​

3 thoughts on “في انتظار الباص

  1. نص لامس عقلي بطرحه لقضية هامة في يومياتنا…لحظات الإنتظار، وضحاياه، وعدوى المشاعر، وندرة الإيجابية. سلم يراعك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *