مفهوم البلاغة وسماتها


إبراهيم بن منصور التركي – جامعة القصيم

يمكن القول بأن البلاغة بوصفها نشاطا إنسانيا وطريقةً من طرائق التعبير الإنساني موجودة منذ القدم، منذ وجود الإنسان على ظهر هذه الأرض، وذلك أنّ البلاغة ممارسةٌ قد استعملها الإنسان منذ أن خلقه الله بوصفها أداةً للتخاطب ووسيلةً للتفاهم والتواصل مع الآخرين، وعلى هذا فالبلاغة باعتبارها ممارسةً هي سلوك إنساني فطري بدأ مع خلق الإنسان، وإلى هذا يذهب أحد الباحثين مؤكدا أن البلاغة قد بدأت مع بداية الحياة الإنسانية، فحيثما احتاج الإنسان إلى التعبير عن ذاته وتواصله مع الآخرين فثمة البلاغة([1]).

أما عن نشأة البلاغة بوصفها علماً يَدرس خصائص التعبير الإنساني وسبل تجويده فقد نشأ في الحضارة اليونانية قبل ميلاد المسيح عليه السلام بستة قرون تقريباً، حيث برزت الحاجة آنذاك لتعليم البلاغة وتعلّمها([2]).

لقد كان النظام القضائي عند اليونانيين لا يجيز للفرد أن يوكّل أحدًا ليترافع عنه، وإنما كان على صاحب القضية أن يدافع هو عن نفسه، وقد حدث في ذلك الوقت أمر جلل عندما تولى الحكم في صقليه حاكم ظالم اغتصب الأراضي من الناس، ثم جاء مِن بعده مَن أراد أن يعيد هذه الأراضي إلى أصحابها، فاختصم الناس كلٌّ يدّعي أحقيته في الأرض، فاقتضت الحاجة أن يذهبوا إلى المحكمة للتقاضي وإثبات المالك الحقيقي للأرض، وبحكم أنّ النظام القضائي لا يسمح للشخص أن يوكل أحدا لكي يترافع عنه فقد أصبح لزاماً على الفرد منهم أن يقوم بنفسه بإقناع القاضي بحقه، ولذلك نشأت مجموعة من معلمي البلاغة الذين حاولوا تعليم الناس كيفية استعمال البلاغة في إقناع القاضي بعدالة قضيته، وسُمّيَ هؤلاء المعلمون بــــ(السفسطائيين) وكانوا بذلك من أوائل معلمي البلاغة في التاريخ الإنساني، (هنا –أيضا- نشأ الحجاج؛ لأنّ الإقناع يتطلب حجة ليقنع المقابل) وبذا أصبح علم البلاغة حاجة ملحة في ذلك العصر، حيث أصبح له معلّمون يدرّسون قواعد البلاغة وقوانينها، وتلاميذ يقبلون على هذا العلم لتعلّمه والتضلّع من معينه، وبناء على هذا يمكن القول بأن السفسطائيين هم من أوائل من اشتغل بتعليم البلاغة([3]).

ولكن السفسطائيين انشغلوا بتعليم البلاغة والإقناع سواء أكان صاحبُ القضية على حق أم على باطل، ومن هنا جاء على ما يبدو الارتباط بين لفظ (السفسطة) ومعنى الإقناع بالجدل والتلاعب اللفظي بغية تشويه الحقائق. هذا الموقف السلبي الذي تحول إليه بعض السفسطائيين في اتخاذ البلاغة وسيلة لإبطال الحق وإحقاق الباطل جعل البلاغة تأخذ سمعة سيئة في ذلك الوقت؛ حتى قيل إنّ أفلاطون قد وقف ضد البلاغة ورفضها، ولكن يبدو والله تعالى أعلم أن أفلاطون قد رفص الاستخدام السيئ للبلاغة والممارسة الخاطئة التي قام بها أولئك السفسطائيون، دون أن يكون موقفه رفضاً لتعليم البلاغة الصحيحة والنافعة.

وقد تجلّى هذا الموقف بشكل عملي عند أرسطو (تلميذ أفلاطون) الذي يُعدّ أبا البلاغة وفارسها الأول، حيث يعود إليه الفضل في تناول كثير من مسائل البلاغة وقضاياها في كتابيه: (فن الشعر) و(فن الخطابة).

 تعريفات البلاغة:

اختلفت تعريفات البلاغة على مدار التاريخ وباختلاف الثقافات الإنسانية، بل أحياناً داخل الثقافة الواحدة قد تتعدد تعريفات البلاغة وتتنوع. ويمكن الوقوف هنا عند أهم وأشهر ثلاثة تعريفات في تاريخ علم البلاغة، وهي تعريفها في التراث اليوناني عند أرسطو، وتعريفها في التراث العربي، وتعريفها في الدراسات البلاغية المعاصرة.

  • حيث يعرّفها أرسطو بأنها “معرفة وسائل الإقناع الممكنة في المواقف المختلفة”([4]).
  • وفي التراث العربي يرد تعريفها عند كثير من باحثي البلاغة بأنها: “مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته”[5].
  • وتدور كتب البلاغة المعاصرة حول تعريفات عدة يمكن أن يجمعها ما يذكره أحد الباحثين من أن البلاغة هي: “الاستخدام الإنساني للرموز بقصد التواصل” ([6])

وعلى الرغم من التباين الكبير بين هذه التعريفات إلا أنه يمكن استخلاص عدد من السمات المشتركة بينها، هذه السمات هي أن:

  • البلاغة تدرس النشاط الإنساني فقط، فما لم يكن من صنع الإنسان أو عمله فليس داخلاً ضمن الدراسة البلاغية، فالكون يمتلئ بأشكال التعبير المختلفة، كما هو موجود عند الحيوانات مثلا، ويمتلئ بأشكال الجمال المختلفة كما هو موجود في الطبيعة مثلا، ولكن كل هذه الأمور لا تدخل ضمن الدراسة البلاغية لأنها تقتصر على دراسة ما كان صادراً عن الإنسان فقط. وهذه السمة واضحة في التعريفات الثلاثة السابقة جميعاً.
  • البلاغة ذات طبيعة تداولية، فهي تهتم بالسياق والحال والمقام، وتعريف أرسطو يركز على السياق في قوله في (المواقف المختلفة) وهذا يدل على أهمية المقام في البلاغة، ويظهر هذا الاهتمام أيضاً في تعريف البلاغة العربية التي تركّز على (مقتضى الحال)، وهو أيضاً حاضر في البلاغة المعاصرة التي تؤكد على أن البلاغة ذات طبيعة مقامية، وأن للمقام أهمية كبرى في صناعة الفعل البلاغي وتأثيره.
  • البلاغة عملية اتصالية تواصلية، فالبلاغة تستحضر أطراف الاتصال الثلاثة: المرسل والرسالة والمستقبل، وتختلف الأشكال البلاغية في التركيز على هذه الأطراف الثلاثة، فبعضها قد يركّز أكثر على المرسل أو المستقبل أو الرسالة، على أنه لابد من التأكيد على أن وجود المستقبِل (المخاطب أو الجمهور) يعدّ ركناً رئيساً في التصورات البلاغية، فكل فعل بلاغي متوجّه إلى جمهور، فرداً كان أو جماعةً، ذاتياً كان أو غيرياً.
  • البلاغة ممارسة علمية تُبنى على عدد من المعايير والقوانين المنضبطة؛ ولذا دُرست عند اليونانيين وعند العرب باعتبارها علما، ومن ثمّ كان هدف دراسة البلاغة الوصول إلى كيفية استثمار البلاغة في تحقيق الكفاءة الإبلاغية التواصلية عن طريق دراسة هذه القوانين العلمية وتدريسها.
  • ميدان دراسة البلاغة هو التعبير الإنساني، حيث تدرس أشكال التعبير الإنساني، وكيف يمكن أن يؤدي هذا التعبير أعلى درجات الكفاءة في إيصال الرسالة المطلوبة للمتلقي. سواء أكان هذا التعبير نصاً أدبياً كالشعر، أم تعبيراً لغوياً كالخطبة، أو تعبيراً رمزياً كاللوحة الفنية. وهذا النوع الأخير (التعبير الرمزي) قد اهتمت به الدراسات البلاغية المعاصرة.
  • البلاغة ذات طبيعة وظيفية حيث تأتي لتؤدي غاية محددة، ويظهر ذلك في التعريف الأول الذي يؤكد على أن وظيفة البلاغة تتجلى في الإقناع عند اليونانيين، في حين نجد أنّ البلاغة في التراث العربي تأتي لقصد (المطابقة)، أي كيف نصوغ تعبيرا إنسانيا يتطابق مع ما يتطلبه حال السامع أو المستقبل. أما التعريف الثالث فقد أكد على وظيفة (التواصل) فغاية البلاغة في هذا التصور هي تحقيق التواصل الإنساني من خلال مجموعة من الأشكال والقواعد والقوانين التي يمكن الاستفادة منها في تحقيق هذا الهدف.
  • السمة السابقة أكدت على أن البلاغة خلال تاريخها الطويل ركّزت على الغايات، ولكنها أيضاً لم تغفل الوسائل، حيث استحضرت دراسة الوسائل التي تكفل تحقق هذه الغايات، وحضور الوسائل واضح في التعريفات السابقة، حيث يؤكد تعريف أرسطو على (وسائل الإقناع الممكنة)، ويؤكد التعريف العربي على أن المطابقة تتم من خلال وسائل تعبيرية معينة، وهو ما يظهر كذلك في التعريف المعاصر، حيث إن التواصل الإنساني لكي يتحقق بكفاءة عالية، فإن على البليغ أن يستعمل وسائل معينة تكفل له تحقيق هذه الغاية، وهذا يعني أن البلاغة على مدار تاريخها الإنساني هي بلاغة وسائل وغايات في الوقت نفسه.

تلك هي أبرز السمات التي يمكن استخلاصها من تعريفات البلاغة وسبل دراستها عبر تاريخها الإنساني الطويل، وإن شئنا أن نخلص من هذه السمات والتعريفات إلى تعريف يمكن أن يكون جامعاً مانعاً فإنه يمكن القول بأن علم البلاغة: هو (الدراسة العلمية لسبل نجاح أو إخفاق التعبير الإنساني في تحقيق هدفه التأثيري المنشود).

…………………………….. 

 

([1])  The History and Theory of Rhetoric: An Introduction, James A. Herrick, p 27.

([2])  The History and Theory of Rhetoric: An Introduction, James A. Herrick, p 28.

([3])  The Essential Guide to Rhetoric, William Keith, BedfordSt, Martin’s, 2008, p 5.

  ([4])Look: Aristotle’s Rhetoric: Philosophical Essays, Alexander Nehamas, David J. Furley, Princeton University Press. 1994, p 180.

وهذا التعريف في نظري هو أفضل وأوضح من التعريف الذي ذكره عبدالرحمن بدوي بأنها “قوة تتكلف الإقناع الممكن في كل واحد من الأمور المفردة” الخطابة ، أرسطاطاليس، حققه وعلق عليه: عبدالرحمن بدوي، وكالة المطبوعات الكويت، 1979م ، ص9.

[5] الإيضاح في علوم البلاغة، الخطيب القزويني، ص20.

([6])   Contemporary Perspectives on Rhetoric, Sonja Foss and others, p 1.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *