حديث النوافذ.. ذكريات ورؤى

سلوى الأنصاري

خلف تلك النوافذ تعيش الكثير من الحكايا، وتهيم العديد من المشاعر داخل تلك البيوت المغلقة، وخلف تلك النوافذ المغلقة منها والمواربة ذكريات جميلة، وأهازيج، وقصص، ومواقف مثيرة، آلام تبددت خلفها وأصبحت أشلاء وهزمها أصحابها.
ولكن!! 
 تظل تلك النوافذ تحتفظ بالكثير والكثير من المشاعر وكأن لها آذان تسمع وعيون مختبئة في نتوءات الخشب المتهالك، تراقب من حولها في كل لحظة، وتتجرع الألم الذي يظل جاثيًا بداخلها ويثقل على كاهلها مع مرور الأيام فتتصدع تارة وترممها المواقف الجميلة تارةً أخرى، تظل تراقب العاشقين والعابرين، والمرضى والمسافرين، وتمتص ذكرياتهم كلما بللتها قطرات المطر. 
أخبرتني إحدى نوافذ الفنان التشكيلي فيصل الخديدي في معرضه “حديث النوافذ” الذي أقيم بجاليري الفن النقي بمدينة الرياض دون أن تذكر لي اسمًا أو مكانًا أو زمانًا فأنشدت قائلة:
تَضَرَّعَتْ..
للهِ في دُعائها
وبالرَّجا
تَدَثَّرَتْ..
أَلقتْ همومَ الكونِ
في دُموعِها
وأوترتْ..
تَضَرَّعَتْ..
صلَّتْ كثيرًا
إنَّها للهِ قد تَبَتَّلَتْ..
ناجتْ إلهَ الكونِ
ربِّ الصبرُ
منِّي قد نَفَدْ..
والهمُّ 
في الأعماقِ قد هَدَّ الجَسدْ….
 لكنها لم تكمل القصيدة وسكتت؛ لتترك  المجال لغيرها من تلك النوافذ المثقلة بالكثير من المشاعر والحكايا التي جسدها لنا الفنان التشكيلي فيصل الخديدي بكل براعة فجعلنا نتأمل تارة وننصت تارةً أخرى لتلك الأحاديث التي كانت تتمتم بها تلك النوافذ، كانت تجربة فريدة من فنان مبدع، اشتغل على توليف هذه الخامات المستهلكة ليبرز جمالها فأبدع، أبهر الجميع عندما عمل على تجميد الحدث من خلال الأطر وكأنه يؤكد لنا أن خلف جميع النوافذ حكايا مختلفة وطموحات وآمال منها ما ظل مختبئًا خلفها ومنها ما انطلق نحو الأفق مودعًا تلك الذكريات العالقة في ثقوبها، لم يكتفِ بذلك! فقد كان لقطع الأخشاب نصيبًا من إبداع فنانا وكأن لسان فنه يخبرنا أن خلف تلك النوافذ ‏عاش أطفالٌ يقرأون كتاب الله ويتعلمونه على قطع خشبية فاختارها بعناية وعسجدها بحروف من الخط العربي موضحًا لنا قيمتها ومعناها الثمين.
حقبة جميلة عبر عنها بإيحاء جميل مكتفيًا بخامات البيئة التي جمعها بكل عناية فمنح تلك القطع الحيوية بتلك الحروف الذهبية التي زادتها روعةً وجمالًا.
لم يكن حديث النوافذ حديثًا عابرًا فحسب! وإنما كان حديثًا أثار مشاعر الجميع فتفتق من بين ثنايا تلك النوافذ جمال المعرفة والفن الأصيل.

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

One Response

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: