الرواية العربية إلى أين؟

بقلم: خالد العنزي*

 

مع الانتشار الواسع للمكتبات و الاهتمام الحديث بمعارض الكتب فإنك كثيرا ما تلاحظ أو تلمح و أنت تتجول بين ممرات هذه المكتبات و المعارض الكثير من الروايات الحديثة ذات العناوين الشيقة و التي سرعان ما تجذبك إليها رغم سماعك للمرة الأولى بهذا الكاتب أو المؤلف، و تحت سطوة العنوان أو التصميم و شغفك الأدبي تشتري هذه الرواية أو الكتاب و تقلب صفحاته سريعًا حتى تشعر أنك أمام رواية دسمة شيقة وما أن تبدأ بقراءتها بتمعن وفهم تكتشف أنك خدعت بهراء أدبي لا أكثر، ولربما تضمنت الكثير من الأفكار التحررية المشبوهة، فتقف كقارئ حائرًا تتساءل عن مستوى الراوية العربية الركيك الذي يغزو الأسواق و شبكات التواصل الاجتماعي و إلى أين سيؤول مصير الرواية العربية ؟
إذًا لنسأل أنفسنا .. إلى أين الرواية العربية ؟
كما نلاحظ فإن الرواية هي أكثر الفنون الأدبية انتشارًا في عصرنا الحالي و تتصدر قائمة الكتب الأكثر مبيعاً . وكان فن الرواية في الأصل قد نشأ في أوروبا وعرفه الغرب أولاً، ومن ثم تعرف إليه العرب إثر الاستعمار للأقطار الشرقية واتصالهم بأوروبا والاحتكاك بالأدب الغربي، وكان من روادها رفاعة الطهطاوي وحافظ إبراهيم الذيّن يُسجل لهم أنهم كانوا من أوائل من كتب في هذا الفن إلى جانب فرح أنطون و حسين هيكل و الذي تعد روايته-زينب- البداية الحقيقية للرواية العربية.
وهكذا تأثرت الرواية العربية المعاصرة لحدٍ كبير بالروايات الغربية و لكن هذا التأثر لا يعني أن الرواية العربية لم تتخذ شكلاً روائياً خاصًا بها، فهي قد ارتبطت غالباً في بداياتها بالأوضاع السياسية و الاجتماعية و غيرهما في الوطن العربي ، حيث ساهم ظهورها في تشكيل و صقل الوعي و الفكر العربي أمثال روايات نجيب محفوظ والمنفلوطي وجورجي زيدان، أيضاً تناولت الكثير من القضايا التاريخية والدينية أو الاجتماعية فكان لها عظيم الأثر على حياة الناس وتغيير ثقافاتهم وزيادة انفتاحهم على الغرب.
كما أن العالم العربي شهد في الآونة الأخيرة اهتماماً كبيراً بفن الرواية، سواء كان ذلك الاهتمام على صعيد النتاج الأدبي للرواية أو على اتساع شريحة القراء واهتمامهم بهذا الجنس الأدبي!
ولكن ما نلاحظه اليوم أن الرواية العربية مع ما تشهده من ثورة في الكتابة و حماساً و نشاطاً لدى الشباب الكتُّاب لم تعد تقوم بدورها المألوف في صناعة الوعي واليقظة، فأصبحت تخلو من الإبداع وتناول القضايا الحقيقة غالباً، فتجد نفسك أمام حشوٍ أو كتاب فكري اعتمد كاتبه على مرجعيات متعددة أو سرد قصصٍ واقعية كما هي دون أن يضفي عليها لمسة جمالية أدبية مصدرها الإلهام، ويعود السبب في ذلك أن معظم من يعتبرون أنفسهم من كتّاب الرواية قد يهملون الكثير من الملامح الفنية الخاصة بالرواية، أيضاً هناك رغبة لدى الشباب العربي للعيش في واقع خيالي بعيداً عن صعوبة الواقع المعاش ولو لبرهة من الزمن، أو الرغبة في إرضاء الاخرين لنشر أفكارهم والانسياق لما يفرضونه من زخم، بينما فحوى عمله يفتقر إلى الطريقة المثلى للتعبير و حسن الصياغة، مما أدى إلى حدوث تراكم كمي و وفرة روائية باتت تغزو المكتبات دون النظر لمحتواها النوعي والمعرفي والأدبي و هذا أثر وبشكل كبير على القليل الجيد من الروايات بما لا نستطيع أن نعتبره ازدهاراً و تقدماً في الرواية العربية بسبب ضعف الأسلوب و الطرح غالباً، إضافة إلى أن اهتمام الكتّاب الكبير بالأسلوب الروائي يرجع غالباً إلى ما يشهده العالم العربي من صراعات و كبت لحرية الرأي و التعبير من قبل السلطات فيلجأ الكاتب للتعبير عن مكنوناته بطريقة إيحائية أو لا تتعدى كون روايته سرداً لحياته الشخصية خالطاً بين الرواية والسيرة الذاتية غير مدرك لخطأ ما وقع به، ولو أردنا حقاً أن نسلط الضوء على محتوى أغلب الروايات العربية المنشورة حالياً فإن موضوعاتها تنحصر بالغرائز الإنسانية أو العشق المذموم و العلاقات المحرمة و كأن تلك الموضوعات باتت وسيلة لجذب القراء و مراهقي الثقافة دون الاهتمام بالعمل الإبداعي حتى أصبح تداول هذه المواضيع الروائية شيئاً مقبولاً لا تستهجنه القلوب ،إلا أن هناك الكثير من الروايات الحديثة حافظت و بشكل كبير على شكل الرواية القديم و التزمت بملامحها الفنية .
لذا فعلى كاتب الرواية أن يعي بأن كل عنصر من عناصر الرواية يمثل نسيجاً جمالياً لا تكتمل الرواية إلا بتكامل عناصر هذا النسيج وأن كل التفاصيل الفنية والأسلوبية التي تحتاجها الرواية إن أحسن توظيفها ستمثل نقطة قوة أو قد تكون عيباً إن تجاهلها وأتى بغير المراد، كما تحتاج الرواية لكي تُصنف فناً أدبياً ذو قيمة لبناء خيالي خصب لكي يستطيع الكاتب إيصال فكرته على أن يراعي ألا تتحول هذه الفكرة لوعظِ مباشر.
اليوم، نحن بحاجة لضبط صارم للكتّاب ودور النشر وإرجاع رواياتهم للجنة تحكيم تنظر جيداً في الكم النوعي للروايات وحاجة المجتمع العربي لهذا النوع، فلا يعقل أن يقوم أحد الروائيين المعاصرين بإصدار ما يقارب خمسة روايات في غضون ثلاث سنوات!

كاتب كويتي*

 

One thought on “الرواية العربية إلى أين؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *