شعرية اللون في لوحات الأمير خالد الفيصل

شعرية اللون في لوحات الأمير خالد الفيصل

د. عصام عبدالله العسيري*

يتقاطع الشعر واللون “الصوت والنور” في منطقة العاطفة والإحساس، فأصول الفنون السمعية والمرئية واحدة، وتجمعهما الفلسفة بما فيها من رؤى ملهمة، وكلاهما يعملان على التعبير وابتكار النصوص والإبداع في السرد والبوح بالتصوّرات والخيالات والرموز والأحلام، سواءً كانت الوسيلة حروف وكلمات وألحان صوتية أو أشكال وألوان وظلال وأنغام بصرية.  لذا، نجد عدد من الفنانين التشكيليين يأملوا بكلمات وقصائد تعبّر عن صورة أعمالهم الفنية وتترجم مضامينها ومعانيها ومشاعرها للجمهور، كذلك يأمل الشعراء بصور توضّح وتترجم معاني قصائدهم وتجسّدها للقارئ بصريًا، وعند اجتماع والتقاء وتقاطع أي نظامين ينتج عن ذلك شفرة “كود”.
مثلما يبرع أمير الريشة والقلم الفنان والشاعر سمو الأمير خالد الفيصل “دايم السيف” في إمكانياته اللغوية بنظم حروفه وتطويع كلماته “فالألفاظ خدم المعاني” للتعبير عما يخلج في وجدانه من مشاعر وانفعالات وعواطف أو عما يدور في عقله من أفكار أو خيالات أو ما يمر عليه من مثيرات الأحلام، ألغاز وشفرات لا مشروحة لفظيًا وعصية على الترجمة لغويًا،  كلمات الشعر الرنانة تُسمع كأعمدة موزونة وبها قافيه ولها بحر، كذلك يبرع رسامنا في تطويع مواده لرسم موضوعه وتكوين أشكاله واختيار رموزه وألوانه، معتبرًا أصباغ اللون كمادة تعبير بلغة بصرية قادرة على تنظيم فوضى الأفكار وتوتر المشاعر، ويتعامل مع اللون كوسيلة بوح ورسالة للمتلقين، فالإشارات في اللغتين تتابع في الصوت وتُسمع زمانيًا، وإشارات الصور العلاماتية تترابط عناصرها وتظهر مكانيًا، ولكل عنصر من المفردات التي تبنى “المنظومة النصية السمعية أو المرئية” يحمل دوال لها مدلولات تعطي المتلقي الدلالات والمضامين العامة للعمل الفني موضوعيًا.
هنا يجمع فناننا وشاعرنا سمو الأمير خالد الفيصل لغتا الريشة والقلم أدوات ينطق ويخاطب بها بفصاحة وبلاغة، فتظهر روائع النص والبيان في التركيب والتصريف والإيقاع والمجاز والاستعارة والتشبيه والترادف والسجع والطباق والجناس والمقابلة، فالبيان والخطاب واللوحة والتمثال لا تقوم بالألفاظ وحدها حروفًا وكلمات وألوان وخامات فقط، بل بتأليف تلك العناصر والمفردات والمكونات وترتيبها وتنسيقها وتنظيمها داخل بُنية نصيّة يجوز تفكيكها لقراءتها وإعادة فهمها وفق رؤية جديدة، كدور إبداعي للمتلقي القارئ في سياق مقابل أو يوازي إبداع الرسام والشاعر -عمليات تفاعل بين المُنتِج  والمستهلك-، يُفيدنا هذا التفاعل والتثاقف في عملية تحليل النص وفهم الخطاب نظرية جاكبسون في (أدب الأدب) ونظريات فيلسوف إيطاليا المعاصر إمبرتو إيكو في مواضيع السيميائية  و(بلاغة الصورة) و(معنى المعنى) لتشارلز كاي أوقدن.
يخاطب الفنان الأمير خالد الفيصل في لوحاته من خلال قيم الشكل واللون  كإشارات بصرية”وسيلة غير لسانية” صورها مفتوحة التأويل سهلة التوصيل لكثرة ما توحي بالمعاني وتحث العقل للتفكير لما تشكّله من سلسلة متحركة من المدلولات المتضمّنة كما يرى رولان بارت، مستفيدًا من تلك الشفرات في بناء عمله الفني، أنابيب الألوان الزيتية تصطف أمامه كأصابع البيانو فكلمة Play  بالإنجليزية تجمع الرسام واللاعب والعازف والمسرحي والمؤدي والمداعب بفرشاته يدمج الألوان مع بعض كيميائا ليكتشف طاقاتها الفيزيائية وتأثيراتها النفسية. تنبثق من تلك الألوان وما يتبعها من عمليات التفتيح والتغميق عمليات عزف بصرية “لوحات تشكيلية” مراعيا الأسس الجمالية التي تتمثّل للمتلقي في مبادئ التناسب والانسجام والتوازن والحركة والإيقاع والوحدة والتنوع والثراء، والتي سوف تظهر عند تحليل اللون في اللوحات تقنيا.
للتعريف بمسيرة الأمير خالد الفيصل التشكيلية ومنها تسطع أنوار الريادة الفنية والثقافية حيث أنه سليل عائلة مالكة منذ القرن الثامن عشر، وهو من مواليد مكة المكرمة 1940م وترعرع بالحجاز وتخرّج من جامعة أكسفورد 1961 تخصص سياسة واقتصاد ومنها بدأ يمارس فن رسم الطبيعة والوجوه والأشياء كهاوٍ للفنون الجميلة ذات الأصول الفلسفية المشتركة. يعود له الفضل في تأسيس الرئاسة العامة للرياضة و رعاية الشباب عام 1971، وتدشين مقر النادي الأدبي وجمعية الثقافة وقرية المفتاحة، وبناء ساحة شعبية ومسرح في أبها منذ 1980، دعم ورعاية وافتتاح عشرات المعارض التشكيلية والمسابقات والجوائز الفنية والشعرية، وتأسيس كراسي وبرامج الوسطية، الاعتدال، القدوة الحسنة، نحو العالم الأول، التميز والإبداع، الفكر العربي، مجلة الفيصل، التراث الإسلامي، ….الخ طيلة السبعينات حتى يومنا الحالي.
• رسم 193 لوحة وأقام 14 معرضًا تشكيليًا في 10 مدن وعواصم داخلية وخارجية منها: المعرض التشكيلي الأول بعنوان (لوحات فنية) 1406هـ الرياض مركز الخزامى، 53 لوحة زيت وقواش افتتاح الأمير سلطان بن عبدالعزيز، معرض (الجهاد في فلسطين وأفغانستان) 1409هـ 68 لوحة، معرض (ألوان وحروف) 1415هـ جدة والرياض 17 لوحة، معرض أمريكا 1997، الرباط 1999، بريطانيا 2001 مع الأمير تشارلز، 2005 البرتغال وفرنسا، معرض (أديم الوطن) 1438هـ 31  لوحة من الطبيعة، معرض 2018 جدة رتز كارلتون، وله عشرات الأمسيات وعدة دواوين شعرية بها مئات القصائد وكنوز الفكر والكلام (موقع الفيصلية الإلكتروني).
• حصل خلال مسيرته الطويلة بالإنجاز والنجاح على عدة أوسمة ودروع وهدايا وطنية وخليجية وعربية وإسلامية وعالمية لأنشطته وجهوده المتنوعة في مجالات الفنون والثقافة والإدارة والفكر.
بإخضاع عيّنة هادفة عدد 17 لوحة للدراسة والبحث من مجمل لوحات الفنان توازي 9% تقريبًا ما هو متاحًا على الانترنت للتحليل التقني لأنظمة الصبغة والألوان والتحليل الجمالي النظري للدلالات السيميائية النفسية الناتجة عن عنصر اللون في العينة، بدراسة ذلك وتفحّصه بالملاحظة العينية رُصدت النتائج التالية:-
1. يمارس أمير الريشة والقلم الأمير خالد الفيصل الرسم بوعي ويتفنّق في عنصر اللون وقيمه ويتألق في جاذبية تنويعه وتدريجه مثلما يُأنّق الكلام في فن الشعر، وتنتمي لوحاته لاتجاهات فن حديثة بعد الكلاسيكية، اتجاهات فن الزمن الجميل الذي وصل ذروته في أوروبا القرون الثامن والتاسع عشر وبداية العشرين، طرز وأساليب وحركات فنية تفانت في رسم الطبيعة واختيار موضوعات شاعرية “رومانسية” وواقعية كاللوحات التي بها نساء، وخيالية وسريالية وتعبيرات لونية جريئة كمواضيع الفكر والشعر والشعراء، ورسم الطبيعة بمكوناتها المختلفة كلوحات مناظر الأرض والسماء والجبال والبحر، كما رسم البيئة المكان الوطن كما في لوحات مناظر من مدن وقرى السعودية، وهناك حضور للتراث العربي ورسم الشخصيات الرمزية المؤثرة فيه كوالده وجده وأعمامه الملوك أيقونات الشعب السعودي الوطنية، علاوة على ما يبدعه من مواضيع من داخل وجدانه آمال وآلام وخيالات عقله وأحلامه كمصادر إلهام لأعماله.
2. يستلهم الفنان إبداعاته ومواضيعه الفنية من أربعة مصادر أساسية هي: الطبيعة الأم وعناصر الأرض، من الوطن البيئة المكان، ومن التاريخ التراث والشخصيات المؤثرة في حياته وقضاياه المجتمعية والوطنية، ومن ذاتيته الوجدانية كإنسان له أفكاره مشاعره آماله آلامه أحلامه خياله.
3. تتطور لوحاته التشكيلية في تجربته الطويلة لعدة اتجاهات ومدارس فنية حديثة في نزعتها التقريرية متأثرًا بأعمال عظماء رسامي الطبيعة الذين اشتهروا في فرسنا وأوروبا أواخر القرن الثامن وطيلة التاسع عشر مثل جون كونستابل، ثيودور روسو، جين ميليه، كميل كورو، توماس كوك، فِردرِك إدوين، وجماعة الباربيزون التأثيرية وما بعدها  مثل أعمال  عظماء الفن الحديث مثل كلود مونيه، رينوار، فان جوخ وبقية أهم الرسامين من مختلف المدارس الفنية الأكاديمية وحركات جمالية رصينة نُظّر لها فلسفيًا مثل: الرومانسية، الواقعيةـ التأثيرية الانطباعية، وما بعدها، التعبيرية، السريالية، وهناك عملان للفنان جريئان لونيا لبورتريها متميزان رسم فيها الملك عبدالله والملك سلمان تعتبر نقلة أسلوبية في تجربة الفنان.
4. يُعد الفنان الأمير خالد الفيصل من الفنانين السعوديين الروّاد “الرعيل الأول” الذين لهم الفضل في نشر ثقافة الفن التشكيلي ودعمه وتحديثه كما وضح في سيرته الفنية.
5.  يجيد الأمير التواصل البصري الشكلي والتعبير باللون مع المتلقي؛ حيث يمزج المواد الصبغيّة بصفاتها ودرجاتها ونقاءها وإشعاعها اللوني بطريقة يجمع بها أفكار العقل ومشاعر القلب وتراث المجتمع، ويقارب الفرق بين طبيعة ومنطقية الواقع مع غرائبيات الخيال، مراعيًا قواعد هندسة الصورة ومبادئ تكوين العمل الفني ونظرية دافنشي للألوان العميقة وأصول الرسم في قواعد التناسب والمنظور والتظليل، ولديه مهارة عالية في جماليات التدرّج والتناغم اللوني، ويتجنّب تضمين لوحاته الزخارف اللونية والتفاصيل الخطيّة الغزيرة.
6. يُؤكّد الفنان على المبادئ الجمالية البصرية ويجيد تفعيل القيم التشكيلية في بناء العلاقات الثنائية بين العناصر والمفردات كالوحدة مع التنوع في اللون، التباين “التضاد” مع الانسجام “التقارب” اللوني، الاتزان مع الإيقاع اللوني، الألوان الحارة “متقدمة أمامية” مع الألوان الباردة “متأخرة خلفية”، ويعالج الألوان والأصباغ على سطح الكانفاس عمومًا بمهاراته الفنية وبراعته التصميمية “التشكيلية” والتي  يُحقق فيها مبادئ وقيم جماليات التناسب وضبط التناغم وتنظيم الترابط الشكلي والتنسيق اللوني بين الأشكال وكافة العناصر، والتي يظهر من خلال هذه القدرات البنائية التشكيلية “الهيوليّة” نظامه الأسلوبي الذي يُميّز لوحاته ويحقق فيها الفرادة عن تجارب بقية الفنانين.
7. ضربات الفرشاة الزيتية الخشنة من يد الفنان ضربات  فرشاي كثيفة باللون المدروس على البِليتة والثري بتكوينه المادي والمحمّل نفسيًا بالدلالات المعنوية، ويساعده في التعبير مسار حركة تسير الألوان بجرأة وحرية وحدسية، محققة التناغم وأبعادًا تعبيرية ناعمة، خطوط جسورة تتناسب مع أبعاد العمل وتشريح العناصر وثنايا الثياب، وتضيف اختياراته اللونية طابعًا مثاليًا للطبيعة وعناصرها والبيئة ومفرداتها والشخصيات ونفسياتها، وكأنه يلوّن العالم أحيانا بموضوعية كما يراه وأحيانًا يلوّن الأشياء بصورة ذاتية كما يعرفها ويشعر بها وجدانيًا، ويلجأ لحيل الاهتزازات اللونية في تكامل الألوان، والخطوط الخارجية والظلال في لوحاته ليست بالضرورة باللون الأسود، ويستخدم الأبيض والألوان الشاحبة والفاتحة لتوضيح مسار أشعة الضوء في الخلفيات وانعكاساتها على العناصر.
8. للون دلالات ومعانٍ نفسية متعددة، يمكن حصرها من خلال العينة المحددة، فأتت المعاني حسب حضور دالّها اللوني مساحيًا إحصائيًا في العينة المدروسة كالتالي:
أ.  الألوان الباردة (الأبيض، السماوي، الأزرق) يستخدمها الفنان في رسم وتلوين وتغطية مساحات واسعة في فضاءات الخلفيات ولون السحب والسماء وآخر ما في الأفق من غيوم، وبعض من الملابس الفاتحة، ولإظهار انعكاس الأنوار على الأشكال، وللدلالة على معاني الطهارة، النظافة، الصفاء، النقاء، التسامح والسلام في عموم العمل.
ب. الألوان الدافئة (الأوكر “الترابي”، الخضراء، البنفسجية) يستخدمها الفنان في رسم وتلوين مساحات الأرض والعشب والنباتات، وفي الخلفيات للتعبير عن سحر لحظات الغروب وكتل الغيوم وفضاء السماء وشفق الشمس، وللتعبير عن معاني النمو، الأمل، الحياة، الخصوبة، العطاء، الخير، النعيم، الجنة، الثقة، التفاؤل والحلم والرقة على مجمل اللوحة.
ج. الألوان الساخنة (الأصفر، البرتقالي، الأحمر) يستخدمها الفنان في رسم وتلوين الخلفيات تعبيريًا وبعض الأشكال والأرضيات طبيعيًا، ونفسيا للدلالة على معاني لون النهار وضوء الشمس والوضوح، لون تربة الأرض الصحراوية رمال كالذهب، والبرتقاليات توحي للناظر بالسعة والدفء، والأحمر يوحي للمتلقي بمعاني القوة والنشاط والحيوية، كما للأوان الساخنة تفضيلاً لدى الفنان حيث يتعامل معها كألوان جاذبة للنظر نحو العمل وملفتة للانتباه لعناصره الداخلية.
د. الألوان المحايدة (الأبيض، الرماديات، الأسود) يتعامل مع هذه التباينات التناقضات كالموجب والسالب من خلال نغمات سلّم القيم الظلية، والتي يبرع الفنان في تدرجاتها وتناغماتها. للألوان الداكنة حضور يستخدمها الفنان لوظيفة التعميق والتظليل وتضفي مشاهد ومعاني العتمة والظلام، الأسرار، الأبهة والعظمة والوقار والغموض.

ختامًا:

من خلال التحليل الشكلي والسيميائي للوحات الأمير خالد الفيصل واستعراض تجربة التشكيلية يؤمل التالي من توصيات:
1.  عمل المزيد من الدراسات الجمالية والبحوث النقدية والعلمية على المبدعين السعوديين من مختلف المجالات الثقافية والفنية والإدارية ومنهم سمو الأمير خالد؛ لاكتشاف نقاط القوة والتفوق والتميز في إبداعاتهم ومسيرتهم العملية وتعليمها للأجيال القادمة.
2. استمرار رعاية الفنون البصرية من الشخصيات الاجتماعية والجهات والهيئات الوطنية في برامج دعم الفنانين واستديوهاتهم وإقامة معارضهم داخليًا وخارجيًا وتمويل أبحاثهم وتجاربهم الجمالية ونشرها في منصات الحوث العالمية، فالفن له مردود صناعي معرفي ثقافي إبداعي يعزز مكانة المجتمع الاقتصادية، كما أنه أحد صور التواصل الإنساني الحضاري مع شعوب الأمم الأخرى.
3. يُرجي دعم واستمرار جامعة الفيصل التي تدير أعمال الأمير خالد الفنية، ومؤسسة الفيصلية للأبحاث والتراث ومركز الفكر العربي ومهرجان عكاظ وجائزة مكة للتميز والإبداع والتفوّق والاعتدال والوسطية والقدوة ونحو العالم الأول …. إلخ، وكافة المشاريع المهمة التي يرعاها سموّه فهي مكتسبات مهمة للوطن والإنسانية.

*باحث فنون وتصميم، فنان وناقد تشكيلي

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: