تبتُّل

قصة قصيرة

 

للقاص خالد اليوسف*

 

تسلل الاطمئنان إلى مشاعره بعد أن انغمس في صلاته، يدرك أن صلاة التهجد خلف هذا الإمام لن تكون عادية، ولم يترك عشرات المساجد التي يمر بها في طريقه من بيته إلى هذا المسجد، إلا حرصاً منه للوصول إلى قمة الإيمان في شهر الصيام، يقطع خشوعه بين لحظة وأخرى تقلب بصره فيما حوله من سجاد مثير بتطريزه الفاتن، وبعض النمنمات الجبسية على حيطان المسجد الكبير، إلا أنه سرعان ماتهز حواسه آيات الله التي يسمعها فتخشع لذكر الله وينسى كل ماحوله.

فجأة أحس بحركة غريبة ممن يصطف إلى جانبه الأيمن، كلما نهض من سجوده بتثاقل حرك يديه ذات اليمين وذات الشمال، ممسكاً بشيء تحت ملابسه، فساوره القلق، خصوصاً بعد أن اختلس النظر إلى هيئته، وهي مثيرة له، يلبس ثيابا قصيره، وذو لحية طويلة مع عارضين في وجهه، ويخلو رأسه من عقال فوق غترته البيضاء؛ الخوف تسلل إلى أطرافه!

تأخر في سجوده للركعة الثانية حتى رآه ساجداً أمامه، حين همّ بالسجود انتبه لمن يقف إلى يساره، وقد رآه شبيهاً لمن يصطف إلى يمينه! سجد على وجل وفقدان للخشوع الذي سعى إليه، دقت ذاكرته على مشاهد الانفجارات التي حصلت في عدد من الجوامع، وتأكد في باطنه أن التفجير الجديد سيكون في هذا المسجد، انهارت قواه، وسيطرت الحال على مشاعره وحواسه فغفل عن صلاته، حلق بعيدا عنها، وسرح مع حياته ومماته، آثار الدمار في الجامع الكبير، والصور تلتقط من جميع الزوايا، تظهر بقايا الأدخنة وماخلفه التفجير، ينتقل باطنه لأولاده الخمسة، بيته الجديد وهو في مراحل بنائه الأخيرة، عمله، منجزاته، طموحاته التي لم ينته منها، تسويفه وتأجيله لكل شيء يحلم فيه، بتر تحليقه سماعه لتهليل الرجل وهو يمسك بكتفه قائلاً:
– يارجل انهض انهض! ما الذي أصابك؟ اذكر الله!
ثم يجره إليه ليجلسه، والوشوشة في أذنيه تضيف كلمات أخرى…
– ساعدني يارجل  لن أستطيع إكمال صلاتي واقفاً، بعد أن انبتر مشد بطني المترهل، وأنت شاب تصغرني.. هيا أحضر الكرسي لي!
يجلس بتثاقل، ينظر إليه وأثر الخوف على وجهه، ثم تخرج منه كلمات متقطعة:
* أهذا بطنك؟ أم . أم . حزام ناسف؟ آه .. آه تقول حزام يشد بطنك! يا الله ماذا فعلت بنفسي؟

* قاص وروائي سعودي 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *