صراعُ ثالوث الأثافي على شفير الفناء

بقلم: ياسر المعلا*

 

في الغالب يبعثُ الأرق – رغم اختلاف مستوياته- أحاسيسًا مُبهمة، لطالما رغبنا في تحويرها إلى كلمات منطوقة تعبّر عمّا يعتلجُ بشراسةٍ بين طيّات أضلعنا، فنحاولُ عبثًا أن نجعلها تتفجّر كينابيعٍ كانت تموجُ بأعماقنا دون العثور على ثقبٍ تنبجسُ منه الكلمات. رغم تصوّرنا المُسبق بأن لدينا قُدرة في جمع شتات الأفكار بفعل الأرق، إلى حد شعورنا بنشوةٍ غريبة، كأنها حيلة لا واعية، تُحاك في خفايا بعيدة المدى، نُشاهدُ على إثرها أهلّة العبارات عند خروجها من ديجور الطرقات العريضة التي تتسكّع بداخلها المعاني فتجعلنا نثق بقدراتنا اللغويّة في تهذيب تلك الأحاسيس التي تنمو بأصلٍ يضرب بجذوره في بُقعةٍ سحيقة، لا يعيها العقلُ بنوعيه، رغم أن المرآة المودعة بجانب أبعد نقطة في صندوق العقل، تعكس الصّورة بملامحٍ يُمكن فهمها وتفسيرها ومعالجة معلوماتها بطريقةٍ فيزيائيّة بين مراكز الدماغ الرئيسيّة، إلا أن سرعة تدافع الأفكار، تُشوّه الانعكاس، فتنعدم الرؤية تمامًا، ونشعر بهذه العمليّة المعقدة، فيدفعنا الخوف من الاستسلام إلى محاولة السّفر بالكلمات في رحلةٍ لا يشوبها أي انتظارٍ في المحطات المُتاحة لنا -ظنًا منا أنه بمقدورنا أن نُصيّر تلك الأهلّة إلى بدور تامّة، تسرُّ قلوب السّهارى، أولئك الذين كان لهم خيار البحث عمّا يتلاءم مع مشاعرهم بين سطور القصائد والحكايات، لمجرد العثور على ما يُفسّر تراكم الأفكار السّوداويّة، و حالة ضمور الأمل، فهذا هو العزاء الذي يحافظُ على بقايا جزيئات الرغبة في مواصلة الحياة، رغم حالة التأرجح المستمرة بين حافة الجنون، واختيار الموت لنيل الرّاحة المزعومة، بعد الفناء. و ثقتنا هذه تُهيّءُ لنا العبور من أضيق الممرات لكننا و بدون وعي نصطدمُ بحاجز شعورنا بالغُربة التامّة عن ذواتنا .. فتُحار الأفكار مما يجعلُها في حالة تباطؤٍ بشكلٍ تدريجي، إلا أنها لا تلبثُ في طور هدوئها سوى ثوانٍ معدودة، فتستعيد نشاطها وتُكمل نشاط العرض المتواصل بسرعةٍ هائلة، دون ارتباطٍ بين هذه الأفكار، تزيد من وطأة الأذى للعقل، مما يدفعُنا إلى تسديدِ صرخةٍ فتتعثر كل حلقات الوصل بين الكلمات و المعاني فنشعُر حينها بعجزٍ أشبه ما يكون بسدٍ عظيم يحتجزُ خلفه محيطًا لو فاض لجعلنا نغرَقُ و نُغرِق من كان لديه أي صلةٍ بحياتنا. حينها، و بكل الوسائل المُمكنة التي نستطيع أن نتكئُ عليها و نعوّل على صمودها .. بأن نصمت!

فيكون هذا هو الخيار الوحيد والمتاح أمامنا .. فنشعر بعجزنا مرةً ثانية وثالثة وعاشرة، فلا يكون لنا حول ولا قوّة إلا بالصّمت .. نُدثّر أدمغتنا بمعطفه الحارق، دون الوصول إلى فقدان الوعي؛ لأن الصّمتَ وحده، هو الشيء الذي يجعلنا نتماسك و نفرُّ من ارتباكنا على حافّة الانهيار.

وهنا تضمنُ لنا خيباتُ الأمل المتكررة أن تُضاعف من أسوجة القيود التي تتراكم بعضها فوق بعض تُشعرنا بأنها أغلال فولاذيّة لا يمكن صهرها على الإطلاق، و ليس بوسعنا في كل مرة إعادة رسم الملامح من جديد على أملِ التحرّر من قيد الصّمت المُرعب، أو البحث عن المرآة المسؤولة عن مساعدة العقل بتقديم انعكاس قابل للتفسير والفهم. و رغم محاولاتنا البائسة التي لا نستطيع بواسطتها أن نوقف من اندفاع جريانها الأبديّ (الأفكار غير المترابطة والمتسارعة بجنون)نحو اللامعقول، لأننا في الواقع ندركُ ما لا يُدركه الآخرون حول عبثيّة هذه المحاولات الخرساء.

وهذا ما يجعلنا في حالة صراعٍ لا تنتهي “بين معول الصّمت الذي يجعلُ كل كلمةٍ ريّا تموت، و يسحقها للقضاء عليها في مُزدحم الألفاظ، و بين المعاني التي يُمكنها أن تبعثُ حياةً جديدة في أفئدة الأحاسيس الموؤودة قسرًا بسوطِ القلق الرّهيب. و بين ترقّبنا بكل حسرةٍ لاحتضار الدلالات. و بالرغم من هذا النزاع القائم بين أركان المشاعر وحيّز اللغة بسقفه الزّجاجي، و نِتفُ الأفكار المشتَّتة التي تُعرض بسرعةٍ جنونيّة على العقل، بشكلٍ غير منطقي؛ إلا أن القلبَ يسير بتؤدةٍ نحو ضوءٍ يجعلُ النفسَ في صيرورةٍ تسير على خُطى نور الفأل الحسن، وهذا ما يُبقي على الروح ترفرفُ كرايةٍ بيضاء على قمّة جبلٍ أنهكته الرياح العاتية، فهي إلى التّلفِ أقرب.

فمن كان يدّعي أرقًا دون أن يشعر بكل الأضرار الناجمة منه، فإنه -وبدون أدنى شكٍ- يريد أن يمحي هذه المفردة من حصيلته اللغوية وخزائنه الفكرية، اتّسعت في رحاب عقله أم ضاقت بها أنسجة دماغه المتورّمة من فرط التفكير الذي لا ينتهي فتيلُه و لا تخمدُ براكينه.

تلك الكليمات التي زججت بها في خاصرة الصّمت، بعد أن سجا الليلُ بظلامٍ لا ينتهي مداده و ليس له ضياء صبحٍ يطوي هذه الخيبات التي لا تُشبه في اتّساع رقعتها و صلابة شوكتها إلا طعم الموت نفسه، والذي يُمكن أن يُقارن بسكرات الجحيم على سفح جبلٍ في جهنّم، و ثالثة الأثافي هي الأرق، بجانب الصّمت الذي تمتطي صهوته الإرادة الهشّة في محاولة المنازلة الفرديّة، التي لا يمكن أن تتم على أرض العقل، بأيّ حالٍ من الأحوال.

كاتب سعودي*

 

8 thoughts on “صراعُ ثالوث الأثافي على شفير الفناء

  1. مقال جميل ورائع يحمل في طياته الأمل والتفاؤل ويعكس في مضمونه سعة الخيال وبعد الأفق….😂
    تقبل تحيات ابو مهند
    🌹🌹🌹🌹🌹

  2. لا جديد أخي ياسر فالابداع منك وفيك وأجدني أبحر في عالم من أرق الكتابة الجميل والذي أبدعت في صنعه وأجدت في تقديمه لنا 👏👏

  3. يعجز قلمي عن إطراء ما خطته أناملك الماسية ، و أقف مشدوها بين يدي كاتب مبتدئ و قد امتطى صهوة عتاولة الكتاب من أول تحبير ، فقد جعلت من الكلمات دمى تتقاذفها خواطرك و سطرتها أيما تسطير . لكني أعلم أن هذا الإبداع لم يأت عبثا إنما هو وليد الكفاح و الصبر و نهمك و عشقك للقراءة و الاطلاع .
    ما أسعدني بك يا ابن أخي !

  4. سلمت أناملك على كل حرف خطته
    على كل كلمة رسمتها
    لتقبل عذري اخي ياسر
    فلم اجد الحروف التي تليق بسمو قلمك
    التي قد تلملم ردا يناسب روعة ما قدمته.
    ثالوث الاثافي ،،

  5. مُبدع حبيبنا ياسر .. ومتألق بأسلوبٍ شيقٍ ساحرٍ يشُدُني من أول كلمةٍ إلى أخر كلمة ، وبعدها أجدُ نفسي مشدوهاُ أما نصٍ يترجمني حتى وأنا غارقٌ في الصمت .. يُعريني بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى .
    تقبل مروري سيدي 🎩

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *