تكوين

 

قصة قصيرة
عبدالكريم الساعدي *

 

كنتُ كتلة من طين حري، أوشكت على التحجر، مرمية فوق طاولة صغيرة، قرب نافذة ترتدي ستارة حمراء، تطلّ على حديقة منزل باذخ بالهدوء والسكينة، أشياء تجاورني، شفرات، قطعة خشبية مسطّحة، قطعة بلاستيكية مستطيلة بحجم قبضة اليد، تتوسطها شمعة بيضاء لم ينطفئ فتيلها بعد، آنية من فخار لأزهار صناعية، تتّكئ عليها صورة لفتى وسيم، يرتدي معطفاً أسوداً، ترتسم على محياه ملامح الحزن، عيناه ترقبان جفافي، تحاصران وجودي بالدمع، أخلع عباءة صمتي، أسأله:
– من أنت؟
– لم يُحِرْ جواباً.
الشك يشهر عريه، أحتسي قلقي، خدر الإهمال، جحيم وحدتي، أنزف ما تبقى من بلل، أقبع في ظلام الوحشة، أحلّق في فضاء التذكّر، يا ترى من يكون؟ تبعثرني ريح النسيان، تسكنني الحيرة، ألثم خدّ الأمل، لعلّه ينطق ذات يوم؛ فيبدّد جنون فضولي. في الصباح يوقظني صرير الباب، تدخل امرأة جميلة، تفيض عذوبة ورقّة، يسبقها عطرها، تتجه نحو النافذة، تفتحها، تلتفت نحو الصورة، تمسح ما تعلّق من غبار بها، تبتسم في وجه الفتى الوسيم، تقبّله، تحدّثه همساً، تمتدّ يدها نحوي، تغمرني بدفئها، تسكب قليلاً من الماء عليّ، يخيّل إلي أستحمّ بين أناملها، تكوّرني، تستقطع بعضاً منّي، تطوّقني بعينيها، تشكّلني كيفما تشاء، تصنع عنقي، رأسي، وبلمسة سحرية تغرز شفرتها في جزء من رأسي، تحدّق في الصورة، تظهر عيناي، تلونهما، تلمسهما، تبرقان بالضياء، أتشكّل كومة من أحلام، تعيد النظر إليه، تصوغ جسدي ثانية، أنفاً حادّاً، شفتين ممتلئتين، تحتضنان نصف ابتسامة، تقبّلهما بشغف، أتوهّج بنبيذ شفتيها، تمسح قطرات العرق من فوق جبينها، أتعرّق، تدثّرني بأنفاسها اللاهثة، بعطرها؛ فتدركني نشوة التكوين، تضعني إلى جانب الصورة، تخرج فرحة.
أسأله:
– من أنت؟
لم يُحِرْ جواباً.
أحدّق في المرآة، في الصورة، يتعرّى شكّي، قلقي، أراه خلف دموعي صامتاً، أدنو منه، أبتسم، ضوء الشمعة يعكس ظلاً واحداً:
– كنتُ أنا!

* قاص وروائي من العراق 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *