الإدمان طريق الملكة الأدبية

محمد البشير الإبراهيمي*

أكرر النصيحة لأدبائنا الكسالى، وأجعل هذه النصيحة غسولًا للجورب ورجله، أن لا يقنعوا من الأدب بما يلقاهم منه في أيام الطلب في الكتب المقررة، فإن ذلك القدر النزر يربي ملكة، ولا يصقل ذهنًا، ولا يكون أديبًا، إنما يربي الملكات الأدبية الصحيحة ويقومها- الإدمان، إدمان القراءة المتأنية المتدبرة لكتب الأدب الحرة الأصيلة، والاستكثار من حفظ الشعر واللغات والأمثال، ومعرفة مواردها ومضاربها، والتنبه لمواقع استعمالها من كلام البلغاء، من شعراء وخطباء وكتاب، ثم ترويض القرائح والألسنة والأقلام على المحاذاة؛ ذلك أدنى أن تستحكم الملكة، وتنقاد القريحة فتجري الأقلام على سداد، ويمدها الفكر من تلك المعاني بأمداد، وتوضع الكلمات في الجمل، في موضع اللآلئ من العقد، وما جاء حسن العقد منظومًا، إلا من حسنه منثورًا، ثم تكون الحكم والأمثال والنكت كفواصل الجمان في العقود الثمان” الخالصة للأدباء الناشئين أن يوفوا حظهم من قراءة الكتب العامرة التي تقوى بها الملكة، ويفحل الطبع وتزكو الثمرة، فإني أرى في كثير مما أقرأ هذه الأيام من الآثار الأدبية لناشئتنا أعراضًا تشبه أعراض فقر الدم في الأجسام: نحول واصفرار ” اللغة الحقيقية هي أشعار العرب وأحاديثهم وخطبهم ومحاوراتهم، وأما كتب الأدب: كتب الجاحظ والمبرد وابن قتيبة وكتب المحاضرات من مثل: عيون الأخبار ومحاضرات الأدباء والعقد الفريد ولباب الآداب للأمير أسامة بن منقذ وكتب النقد: ككتابي قدامة بن جعفر على صغر حجمهما والصناعتين للعسكري والعمدة لابن رشيق حتى تنتهي إلى المحيط الهادي: الأغاني وما أدراك ما الأغاني. محال أن تكمل ملكة في الأدب لمن لم يقرأ هذه الكتب كلها قراءة تأنٍ ودرس، ويحفظ لكل شاعر مجل جاهلي أو إسلامي أشرف شعره وأجزله، ثم يأتي كمال الأدب طبقات الشعراء وموازينهم وخصائصهم، وأن يعرف من السير والأخبار ما يحلي به أدبه نظمًا أو نثرًا، فإن الأدب بدون هذه النكت كالطعام بلا ملح، وما سمعت قطعة من الشعر لأديب ولا قرأت له قطعة نثرية إلا عرفت منها ما قرأ من الكتب.

( الإبراهيمي: من علماء اللغة و الأدب في الجزائر، ت 1965)

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: