الموروثُ الثَّقافيُّ في السِّينما السُّعوديَّة

د. حسن النِّعمي

الموروث الثَّقافيُّ شكلٌ من أشكال الحضارة الإنسانيَّة؛ الَّتي تشترك المجتمعات البشريَّة في تقاسم مجدها وتفاصيلها؛ ولذلك فهي إرثٌ إنسانيٌّ كبيرٌ، والموروثات الثَّقافيَّة منها ما هو ماديٌّ كالآثار، ومنها ما هو خاصٌّ بثقافةٍ معيَّنةٍ كالطُّرز المعماريَّة في مكانٍ معيَّنٍ، ومنها ما شائعٌ وحقُّ للبشريَّة، كالأهرامات أو مدائن صالح أو غيرهما، ومنها ما هو معنويٌّ كالآداب والفنون، وهي آدابٌ وفنون عابرةٌ للتَّاريخ والحضارات مهما كانت خصوصيَّتها، وفي معجم الفولكلور العالميّ؛ الَّذي أنتجه الدِّكتور حسن الشَّامي في جامعة إنديانا، قصةٌ توازي وجود الحكايات الشَّعبيَّة بالحبكة ذاتها في أكثر من حضارةٍ، فالحكاية الَّتي قد توجد في بلاد الصِّين قد نجد لها نظيراً في وادي النيل أو حوض الأمازون، والحكاية ليس بمن أنتجها أوَّلاً، بل كيف انتشرت رغم صعوبة التَّواصل، وهذا يؤكِّد أنَّ اليقين الأهمَّ أنَّ الإنسان خلق للتَّواصل ولم يخلق للعزلة..

كيف تعاملت السِّينما مع الموروثات الثَّقافيَّة؟

في السِّينما العالميَّة والعربيَّة شواهد كثيرةٌ تقدِّم صورةً ما عن ثقافة البلاد الَّتي تنتمي إليها، فالسِّينما الأمريكيَّة قدَّمت الغرب الأمريكيَّ حتَّى تضخَّم في السِّينما وتجاوز واقعه، وفي السِّينما المصريَّة رصدٌ لتفاصيل الحياة اليوميَّة، وإيقاع الحياة، وبنية الآثار؛ حتَّى غلب الطَّابع التَّرويجيُّ فيها على صناعة الفيلم الجماليَّة.  

وفي الحقيقة لا أحد يجادل في أهميَّة المحتوى الثَّقافيِّ في السِّينما، لكنَّ السُّؤال بأيِّ معنىً وأيٍّ كيفيَّةٍ؟ نعرف أنَّ أبرز التَّوظيفات تأتي من خلال مواضعات المكان، فالمكان بطبعه دالَّةٌ سيميائيَّةٌ تشي بأنماط الثَّقافة، وتختزل ملخَّص طبيعة الوجود الإنسانيِّ في بيئةٍ معيَّنةٍ، وتوظيف المكان في أيِّ لونٍ من ألوان الفنون لا يخلو من اتِّجاهين؛ أوَّلهما: أن يكون المكان حاضناً للأحداث، والثَّاني أن يكون المكان منتجاً للأحداث، ففي الحالة الأولى، المكان حاضناً للأحداث، يكون المكان مجرَّد خلفيَّةٍ للأحداث، وهنا يفتقد المكان خصوصيَّته، ويصبح منفصلاً عن الأحداث، ويمكن استبداله بأيِّ مكانٍ آخر؛ إذ لا أصالة للمكان هنا، لأنَّه يُستدعى لغرضٍ غير جماليٍّ، ترويجيٍّ في الغالب، أو مجرَّد مكانٍ تقوم فيه الأحداث ولا تنتسب إليه، فلو كانت الأحداث في الصَّحراء مثلاً ولا علاقة للأحداث بالصَّحراء يصبح حضور الصَّحراء عبئاً على الأحداث أو القصَّة، وهذا يقع فيه الكثير ممَّن تكون لديه الرَّغبة في تقديم صورةِ المكان على حساب الأحداث، أو يكون مدفوعاً بالولاء للمكان، لكن مع عجزٍ فنيٍّ؛ لأنَّ الأمر ليس مجرَّد استدعاءٍ، بل ضرورة بناء الأحداث من رحم المكان، وهذا ما يحقِّقه الاتِّجاه الثَّاني في كون المكان منتجاً للأحداث، وهنا تصبح سمات المكان وشواهده البيئيّة والثَّقافيَّة جزءاً من مكوِّنات الأحداث، فاستدعاء قريةٍ تراثيَّةٍ في نصٍّ سينمائيٍّ يجب أن يكون جزءاً من القصَّة وليس مجرَّد خلفيَّةٍ لها، بل يصبح الموروث الثَّقافيُّ في بيئة المكان جزءاً أصيلاً من نسيج الأحداث، سوى ذلك تحضر الصُّورة في جوٍّ مناقضٍ للأحداث.

وصناعة السِّينما السُّعوديَّة واعدةٌ، وهي في بيئةٍ غنيَّةٍ بالآثار الطَّبيعيَّة، والمجمَّعات المكانيَّة القديمة. وأي تصوُّر أنَّ السِّينما يمكن أن تعيش وتزدهر بعيداً عن الاهتمام بالموروث الثَّقافيِّ ضربٌ من العبث، فكلُّ سينما عالميَّةٍ أو عربيَّةٍ تميَّزت باستيعابها لمكوِّناتها الثَّقافيَّة، لكن وفقاً للشَّرط الجماليِّ وهو ملائمة الأحداث لبيئة المكان.

والنَّص السِّينمائيُّ السُّعوديُّ مازال وليداً، وهو المسؤول أوَّلاً عن إنتاج الحكاية في قالبٍ ثقافيٍّ. على أنَّني سأشترط ألَّا تكون الغاية في أيِّ فنٍّ خدمةً لأيِّ غرضٍ مسبقٍ، فالقصديَّة في الفنِّ تقتله، وصناعة الأفكار فنٌّ، وإنتاجها صناعةٌ، بمعنى أن نفكِّر بفنٍّ، وننتج بأدواتٍ تحقِّق هذا الفنَّ، وليس العكس، وهذا هو دأب الفنون الجماعيَّة مثل السِّينما.

وصناعة الفنِّ السِّينمائيِّ تختلف كثيراً عن غيرها؛ لأنَّها تقوم على الفعل الجمعيِّ في اختيار مواقع التَّصوير، وبيئات العمل، وهنا تظهر مسؤوليَّة المخرج في ملائمة المكان المنتج للثَّقافة مع طبيعة الأحداث، ويتلوه المصوِّر في إبراز جماليَّات المكان المؤدِّية للصِّلة بين القصَّة ومشاهدات الكاميرا، والسُّؤال: ماذا يهمُّ المتلقي في الشَّريط السِّينمائيِّ؟ هل تهمُّه معالم الثَّقافة، أم القصَّة، أم كيفيَّة عرضها؟ ثلاثة أسئلةٍ جوهريَّةٍ لا بدَّ أن يسألها صنَّاع الفيلم السِّينمائيِّ.

وكلُّ الفنون، وليست السِّينما فقط، صناعةٌ جماليَّةٌ تعتمد على العرض وليس الإخبار كما يقول البنيويُّون. ومن هنا فإنَّ القيمة الثَّقافيَّة في السِّينما لا يجب أن تكون دعائيَّةً سطحيَّةً ومباشرةً، بل جزءاً من تكوين الفيلم الجماليِّ.

والتَّفكير في توظيف الموروث الثَّقافي في السِّينما السُّعودية يستند على موروثٍ ضاربٍ في القدم، عميقٍ ومتنوعٍ، من تاروت إلى الأخدود، إلى مدائن صالح، إلى أنماط العيش القديم؛ الَّتي تقبع في زوايا النِّسيان، والخلفيَّة الثَّقافيَّة تعطي للسِّينما تميُّزاً استثنائيَّاً، مع شرط تقديمها في سياقٍ جماليٍّ وليس دعائيَّاً.

  • ناقد وقاص من السعودية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *