“الذات و القلم” لماهر الرحيلي رؤى ومنطلقات -1

(“الذات و القلم” لماهر الرحيلي رؤى ومنطلقات) الجزء الأول

أ.د. محمد الشنطي

 

الذات و القلم مشروع  بحثي متكامل؛ فالأدب السعودي هو المحور الرئيس، وفي هذا الإطار تأتي معالجة الفنون الأدبية المختلفة و في مقدمتها  الرواية، وفي هذا السياق جاء أدب الطفل ليتصدّر المشهد، و هو أجدر بالدراسة لأنه الأصل في بناء الإنسان، والرواية كبرى الفنون السردية  وعمادها بناء الرؤية  المنبثقة من التفاصيل التشكيلية الجمالية؛ ثم تتلوها  القصة القصيرة التي تعبر عن اللحظات الفاصلة المتوترة وما تتركه من آثار على بناء الشخصية، و تمثل إضافة و تنمية لخبراتها المتراكمة، وفي دائرة السرد غطّى الكاتب مساحة مهمة، ولامس هما يشغل الروائي ويمثل  مساحة واسعة  من  انشغالاته  الإبداعية قبل كتابته للرواية و بعدها وهو نقد الرواية معبرا عن وعيه بتشكيل هذا الفن الأدبي المتجدد.

أما الشعر وهو حجر الزاوية  في الإبداع العربي بعامة، و الإبداع السعودي بخاصة ؛ فقد نال نصيب الأسد في هذا الكتاب و مشروعه النقدي الذي قارب مسائل موضوعية بالغة الأهمية: البعد الإنساني والبعد الوجداني  والاجتماعي والغربة ومجتمع الشباب  والزواج وتقدم السن، والبعد التاريخي ممثلا في التراث؛ ولم يغفل الجانب الفني؛ بل أولى الأداء الجمالي أهمية كبيرة، فبعض الموضوعات بطبيعته لا يمكن أن تعالج  بمعزل عن التشكيل الجمالي ، مثل  السخرية و تشكلات الشعر العربي في تويتر واستلهام المكان والتراث ونقد الرواية.

المنهج و المنهجية:

ربما بدا هذا العنوان ملتبس الدلالة، ولكني أرت أن أنوه إلى أن المنهج الذي يتضمن الفلسفة والإجراءات التطبيقية في معالجة المادة العلمية يختلف عن المنهجية التي تتمثل في ترتيب محاور البحث فأبوابا وفصولا ومباحث، ويشترط فيها أن تكون متلائمة لخصوصية الموضوع ومنسجمة مع طبيعته .

وقد اعتمد المؤلف أسلوبا منظّما في صياغة منهجية كل بحث من أبحاثه بما يناسب طبيعة الموضوع؛ ففي مقاربته لرواية (إجازة الشمس) لعلي المجنوني، وهي رواية في أدب الأطفال عرّف بكاتبها، وهو نهج متبع في الدراسات الأدبية الجامعية؛ إذ لابد من الوقوف عند المفاهيم التي يتضمنها العنوان وتوضيحها، ثم عمد إلى مسألة غاية في الأهمية خصوصا في أدب الأطفال؛ إذ ناقش هوية العمل السردي الذي تناوله وصنّفه وبين نوعه ومكانته وتوقف عند المصطلح المراوغ الذي يعتمد في تصنيف الفنون السردية، وهذه مسألة نظرية تأسيسية بالغة الأهمية و أحسب أنها تعد من ملامح الأصالة في مثل هذه الدراسات، ثم تحدث عن المضامين، وهذا يتعلق بالجانب المعرفي الذي يهدف إلى تلبية الحاجة التعليمية، وهو ما يميز أدب الأطفال عن إبداعات الكبار؛ فالبعد التعليمي التربوي جوهر هذا الأدب، ويمثل إحدى خصوصياته بينما يعد ثغرة في أدب الكبار.

الإحصاء:

وقد عمد إلى الإحصاء، وهو مقوّم مهم من مقومات العلمية في الأبحاث يكسبها ملمحا مهما من ملامح الدقة المطلوبة، ثم تحدث عن المقومات التقليدية لفن القصة وتوقف عند الحبكة التي هي جوهر المبنى الحكائي الذي يمنح القصة هويتها الفنية، و قد تحدث عن عناصرها البنائية من (مقدمة و عرض و خاتمة) وربما اختلفنا معه في هذه العناصر، فقد عدّ من مقومات الحبكة الصراع و التشويق بدلا من العرض، ولعلهما من خصائص الأداء في الحبكة و ليس من عناصرها فيما أرى ، وفي الأمر سعة، فلو وصف المقدمة بالتقديم (أسلوب صياغة المقدمة)  ووصف الخاتمة ب ( بلحظة التنوير) لاستقام الأمر وانحسرت مساحة الخلاف، وكانت الأقسام  متماثلة، على أية حال تلك وجهة نظر لا تقلل من أهمية وعي المؤلف بمفهوم الحبكة على الوجه المقصود بوصفها مصطلحا علميا، واللافت في البحث دقته في المعالجة الخاصة بالأسلوب واللغة و إصابة المفصل في بيان خصائصهما كما ينظر إليها من زاوية نقد أدب الأطفال .

الإخراج :النص الموازي

يعتبر الإخراج أحد العناصر المهمة في النص الموازي، ووفي أدب الأطفال بخاصة يحتل مكانة مهمة لأنه من المؤثرات المباشرة في وعي الطفل ومما يؤثر في تكوين ذوقه الأدبي و الجمالي بعامة.

ومقاربته للإخراج الفني في هذه الرواية دليل على الوعي التام بأهمية هذا الجانب في أدب الأطفال و استكماله لمختلف الجوانب، فضلا عن تتبعه الدقيق لنتائج الدراسة التي وزعت توزيعا دقيقا على مختلف العناصر التي تشكّلت منها خطة الدراسة ؛ وكان موضوعيا في إيراده للفجوات الفنية التي عانت منها الرواية، مثل: عدم تحديد الفئة العمرية وعدم مناسبة الغلاف وانتقاده لنوع الورق الذي طبعت عليه الرواية.

     

القصة القصيرة جدا:  

وكان طبيعيا أن ينتقل من الرواية إلى نوع سردي آخر لافت في جدته شكلا وموضوعا في دراسته الموسومة بـ (البعد الإنساني في القصة السعودية القصيرة جدا – مجموعة حلم لحسن الشحرة أنموذجا) ولعله في اختياره للجانب الإنساني أصاب هدفا مهما، فحدد مدخل الدراسة بأهم ظاهرة في هذه المجموعة من شأنها أن تقود إلى مختلف الظواهر الأخرى عبر الدوائر الثلاث التي رسمها، و قد أحسن صنعا في عدم تلبّثه طويلا أمام المضامين ووقوفه على أهم عنصر في القصة القصيرة جدا وهو اللغة ؛ فهي أقرب إلى فن التوقيعات في اختزالها للموقف و تعويلها على إيحاءات الكلمات و التراكيب، لذلك نجده يراعي خصوصية هذا الفن فلا يستعرض العناصر التقليدية للبناء القصصي؛ بل يصطفي منها ما يمكن أن ينسجم مع طبيعة هذا الفن ، ولذلك كان  في رسمه لخطة الدراسة شديد اليقظة لطبيعة القصة القصيرة جدا فقد وقف عند العناوين، وهي جزء رئيس في هذا الفن ،  وقام بتصنيفه بما يميط اللثام عن طبيعة البنية القصصية؛ العنوان التفسيري يكشف عن بنية حكمية تستثمر شكل الحكمة في إيجازها وكثافتها، ثم العنوان الساخر، و لست أدري عما إذا كان وصف العنوان بالمفارق أكثر انسجاما مع الجانب الفني، و العنوان الوصفي، ولعل هذا النمط يتقاطع مع التفسيري  والتشويقي والتصويري ، وهذه تصنيفات تميط اللثام عن بعد جمالي مهم يشكل خصيصة مائزة من خصائص القصة القصيرة جدا ، وكذلك الخاتمة  المفارقة والمبالغة، ولعل في هذا الوصف شيء من القلق لأن البتر – هنا –  يشير إلى النتيجة الطبيعية لطول اليد (السرقة) وهو ما يتسع لمدى أبعد مما هو معروف؛ فهي نهاية صادمة تنويرية ليس فيها مبالغة بقدر ما فيها من صدمة مقصودة.

التناصّ

لعل ابرز الوقفات كان عند ظاهرة التناص بأنواعه :  خصوصا التناص القرآني، وواضح من التحليل أنه يومئ إلى آليات متعددة من التناص: اقتباس و امتصاص وتحويل وتمثل وإيماء واستيحاء وتداع ، وفي إشارات تدل على سعة ثقافة الباحث يومئ إلى تناص إنجيلي  وشعري  وحكمي ومع الأغاني و الدعايات والإعلانات  فضلا عن التناص مع الحديث الشريف، ويشير إلى ظاهرة فنية من أهم مقومات الشعرية وهي التكثيف، والمقصود بها في هذا المقام يختلف عن المفهوم الذي ذهب إليها بعض الأسلوبيين ، وقد انتقى الشخصيات من بين مقومات القصة ليعالجها معالجة بعيدة عن الطريقة التقليدية،وقد توصل الباحث إلى جملة من النتائج التي تستحق الوقوف عندها لأنها موثقة بالشواهد والإحصاءات .

منصّات التواصل واصطفاء الموضوعات البحثية

في مقارباته الأدبية اختار منطلقاته بعناية؛ فقد تلمس في مواقع التواصل الاجتماعي من الأدباء من هو جدير بالتعريف لقيمة إنسانية أو فنية كما فعل  في دراسته الموسومة (ظاهرة الحزن في أدب عمرو العامري – بواعثها النفسية و سماتها الفنية) و هنا تكمن الجدة و الرؤية المتميزة ، فهو لا يتناول فنا بعينه بل يستكشف أبعادا مختلفة في كتاباته مقالة و قصة وسيرة , وقد تدرّج في المقاربة من العام إلى الخاص إذا استثنينا وقوفه عند سيرة الكاتب التي كان لا بد من الوقوف عندها لصلتها الوثيقة بالأطروحة الرئيسة؛ فقد تحدث عن عاطفة الحزن أولا و وقف على مسألة مهمة، فلعله رأى فيها بعدا جديرا بالملاحظة، وهو بروز عاطفة الحزن في النثر بينما المعتاد أن تكون العواطف ألصق بالشعر، ثم انتقل من هذه القضية العامة إلى القضية الخاصة المتعلقة ببواعث الحزن عند العامري، و ربما رأى أن ينتقل من الباعث الأعمق والأكثر تأثيرا، وهو تجارب الحب المريرة إلى الطفولة القاسية ، وهي التي تليها في عمق التأثير، و إن كانت الأولى بالتقديم زمنيا، ثم الاغتراب ؛ فعالج الغربة المكانية ثم النفسية، والغربة الثقافية التي تتجلى في نفوره من سلوك قومه بعد عودته من رحلته، ثم انتقل إلى ما هو أكثر خصوصية وهو عدم الإنجاب، ولا مس جانبا مهما في بواعث أحزانه يتجلى في إلحاح الآخرين على مقاربة هذه المسألة وخصوصا أقرب الناس إليهم، و يأتي الإحساس بالزمن و ما يثيره من قلق عميق ليؤطر البواعث كلها؛ فمنهجه في المعالجة يتسق مع شعور الكاتب ودرجة التصاعد في مسيرته.

وحين لجأ إلى معالجة الأثر الفني بدأ بالفن الأكثر مباشرة في التناول، وهو فن المقالة التي اتكأت على السيرة الذاتية، ثم المقالة التي تتقاطع مع القصة القصيرة، ثم المذكرات، ثم الخاطرة، ثم البحث في الأسطورة، ثم الرواية، وهذا التطور يبدو منطقيا؛ إذ بلغ مرحلة من النضج الفني خلع فيها مشاعره على شخصيات الرواية، فمن الإملاء إلى الإيحاء،  وهذه يتسق مع منطقية المنهج، ولعله عمد إلى الترتيب الزمني في المعالجة وقوفا عند التنوع في الرؤى عبر أجناس أدبية مختلفة.

أما الأثر الفني الثاني فيتمثل في حضور المخاطب و ودّية الخطاب؛ وهذه الظاهرة ذات علاقة باجتذاب القارئ وتشويقه للقراءة عبر استئناسه و استمالته، والخروج من المنطق التقليدي في كتابة المقال؛ وأما في مقاربته للصورة فهو يعمد إلى خصوصية النهج الذي سلكه الكاتب فعلى الرغم من أن الحزن فيما يرى لا يتيح لصاحبه فرصة تشكيل الصورة الفنية لاحظ أن الصورة الممتدة تشمل النص بكامله، و قد أخّر الحديث عن العتبات ليقدم تفصيلا إحصائيا يدعم به ما لاحظه من استقراء لنصوصه من ظواهر فنية دالة على الحزن.

و لعل التوصية التي أتبعها لنتائج بحثه بالدعوة إلى دراسة الأديب العامر تعكس رؤيته لضرورة تكثيف الدراسات في الأدب السعودي والاهتمام بمن يستحقون الدراسة، وهو توجيه ربما قصد به الباحثين من طلبة الدراسات العليا الذين يعانون من الحيرة عند بحثهم عن موضوعات لأطروحاتهم.

ظواهر موضوعية

وتبدو ظاهرة الحزن مدخلا لدراسة الظواهر الأخرى في فن الشعر ، مثل  الغربة وهي قرين الحزن، فدراسته الموسومة ب(ظاهرة الغربة في شعر  عبد المحسن حليت مسلم- دواعيها و ظواهرها الفنية)  تومئ إلى أن الناقد يولي البعد النفسي و الاجتماعي اهتماما كبيرا في مشروعه البحثي الذي ينهض على رؤية واضحة اتخذت من الأدب السعودي محورا أساسا لها، وهو فضلا عن ذلك يريد انصاف شاعر مدني لم ينل النصيب الذي يستحق من اهتمام النقاد، ويؤكد أن دراسة الظواهر النفسية من الأهمية بمكان؛ لها جذورها في تراثنا النقدي القديم والمعاصر منذ بدايات النهضة الأدبية في كتب عمالقة الأدب العربي الحديث، وبالتالي فهو ذو رؤية تنطلق من تصور واضح لما يدرسه من نصوص إبداعية، وهو لا يبالغ فيما سينهض به من قراءة نقدية واعية لهذه الظاهرة في شعر الحليت؛ بل يهدف إلى التنبيه إلى ضرورة درسه، مثل هذا الشاعر الذي يستحق الاهتمام بقراءته والبحث في شعره، ويعمد في التعريف بالغربة إلى التماس الأبعاد المهمة التي تنطوي عليها دراسة الغربة في شعر الحلّيت، ولا يكتفي بمجرد استعراض المعنى و تقصّيه دون استقراء جوانبه و تحليله واستثمار أبعاده في رسم منهجية البحث، ويعمد إلى تأصيل مفاهيمه في التراث  الديني والأدبي والاجتماعي؛ ولعله توسع كثيرا في هذا المجال، ولكنه يوجّه الدارسين إلى مسألة غاية في الأهمية وهي ضرورة الاستقصاء و التتبع  في البحث العلمي، وخصوصا فيما يتعلق بتأصيل الظواهر، وفي تعريفه بالشاعر يضع نصب عينيه ألا يكون مجرد راوٍ لتفاصيل حياته؛ بل يلامس المفاصل المهمة التي لها علاقة مباشرة بالبحث، وفي حديث عن دواعي الغربة لا يسلك سبيل الانتقال من العام إلى الخاص وإنما يقوم بترتيب الدواعي وفقا لدرجة الداعي و حجم تأثيره ويظل ملتزما بمبدأ أساس في المنهج الذي يتبعه وهو استنتاج هذه الدواعي من نصوصه و الوقوف عندها و تحليلها، أما الظواهر الفنية فهو يتعامل معها وفق ترتيب خاص يبدأ بالظاهرة الأقرب إدراكا و ملاحظة، فخطاب غير العاقل مثلا أمر لافت لأنه ظاهرة مثيرة للاهتمام تفاجئ المتلقي، فضلا عن أصالتها كظاهرة جمالية واضحة في تراثنا ,على النحو الذي خاطب به امرؤ القيس الليل، وقد قام المؤلف بحصر المخاطبين و تتبع سبب ذلك و أثره حينما أشار إلى أن مخاطبته غير العاقل تنبئ عن فتور علاقته بالناس وتمثّل بعدا اغترابيا لافتا، وهذا درس للشادين في مضمار البحث و توجيه إلى ضرورة استقراء الظاهرة، وعدم الاكتفاء بالإشارة إليها أو إحصائها فحسب،  كذلك ربط الظاهرة الجمالية برؤية الشاعر و موقفه في الحياة ، واستكشاف العلاقة بين الظاهرة الجمالية و الموضوعية ملمح مهم واستراتيجي في العملية النقدية ،ومن الملامح المهمة في هذه الدراسة الالتفات إلى ظاهرة أسلوبية ذات قيمة، وهي المعارضة للشعراء الآخرين ،الأمر الذي قاد الناقد إلى تعقّب هذه الظاهرة وشواهدها النصية، وقد وصف الشاعر بانقطاعه إلى الماضي عن الحاضر، وهو الملمح البارز في شعوره بالغربة.

السخرية (جدل الموضوعي و الفني)

وفي تناوله لظاهرة السخرية في الشعر السعودي بوصفها ظاهرة فنية موضوعية أشار إلى أنه أراد أن يسدّ خلّة بادية في الدراسات التي تناولت الأدب السعودي، وهي الاقتصار على دراسة هذه الظاهرة في نصوص شعراء الرعيل الأول، فقد أراد أن ينبّه إلى أنهذه الظاهرة ممتدة بأشكال مختلفة لدى الأجيال اللاحقة.

وإذا كان من أهم شروط الدراسة التي  تدل على أصالة البحث وقوع الباحث على ظاهرة لم تنل حظها من الدراسة و سبق الباحث إليها، و قد عمد المؤلف  إلى جمع مادته التي لم يلتفت إلى ظاهرة السخرية فيها أحد من الدارسين وحرص على تمثيلها للاتجاهات كافة ، وهذا توجيه بالغ الأهمية؛ فعند دراسة أي ظاهرة لا بد من استيفاء نماذجها واصطفاء ما يمثل تياراتها المختلفة من نصوص، وكما هو مألوف منهجيا انتقل الشاعر من النظر إلى التطبيق؛ و من العام إلى الخاص فعرّف بالمفاهيم النظرية وتتبع نماذج منها في الشعر العربي في مختلف أطواره، وانتقل من تتبع الظاهرة بإيجاز من الشعر العربي إلى تتبع الظاهرة في الأدب السعودي تتبعا تاريخيا فنيا لافتا، وعمد إلى الإحصاء المفضي إلى استنتاج الظواهر في مختلف أبعاده، وما يلفتنا في إحصاءاته دقّتها و ما استنبط منها من خصائص موضوعية و أسلوبية، وما تنمّ عنه من حس تاريخي و نقدي يقظ، فهو يتكلم عن جيل رائد من الشعراء في هذا المجال، ويميز بين نتاجاته و إنجازاته لدى محمد حسن عواد وحمزة شحاتة، مشيرا إلى أن السخرية عندهما لم تشكّل ظاهرة فنية، ولعلّه يود أن يقول أنها مجرد تباشير وإرهاصات، ثم ينتقل إلى طور الريادة الحقيقية لدى القنديل وحسين سرحان وحسن الصيرفي، ثم ينتقل إلى حسن السبع الذي شكل ظاهرة جديدة متفرّدة فأفرد ديوانا كاملا لقصائده الساخرة.

تتبع منحنى الرسم البياني الذي مال إلى الهبوط في تناوله لهذه الظاهرة لدى ناصر الزهراني و خليل الفزيع، وقد أحصى خمسة وعشرين شاعرا تناولتهم دراسته ، وانتقل من الأعلام إلى المضامين فقام بتصنيفها، وفي معالجته للمضامين أورد نصوصا كثيرة لشعراء من مختلف الاتجاهات و التيارات، وانتقل من الظواهر الموضوعية إلى الجمالية، وبدأ بدراسة اللغة لأنه يدرك بحسه النقدي اليقظ أن المفارقة اللغوية من أهم مصادر السخرية، ولم يلجأ إلى التقسيم التقليدي الروتيني المألوف في كثير من الدراسات، وهذا ما ينبغي الالتفات إليه، وهو أن لكل دراسة مداخلها،وأولوياتها ونظامها، وقد وثّق الصلة بين الظواهر الفنية ودورها في تعزيز هذه الظاهرة، ولامس البعد النفسي حينما استكشف آفاق المفارقة بين السخرية  و المعاناة.

قضية الشباب والأدب الملتزم

وإلى ظاهرة أخرى حيوية وهي الشباب بوصفهم يمثلون مستقبل المجتمع  تميط اللثام عن رؤية الناقد للإبداع الملتزم بقضايا المجتمع، وهذه قضية جدلية يصطف فيها إلى جانب الالتزام؛ ولكنه يشترط توفر الشعريّة وصدق التجربة بإشارته إلى مراعاة المقام والنفوس؛ لكن اللافت حقا اطّلاع الباحث على مئتي ديوان من دواوين الشعر السعودي، وهذا ينبه إلى مسألة غاية في الأهمية، وهي أن هذا الكم الوفير من النصوص يصلح لبحث موسع في أكثر من أطروحة دكتوراه، والجدير بالملاحظة دقة الباحث بتنبيهه إلى أنه إنما يتناول موضوع الشباب من زاوية محددة بوصفهم أملا؛ وأنه عثر على سبع و أربعين قصيدة تتناول هذا المفهوم؛ أما الجوانب الأخرى المتعلقة بالشباب فلها شأن آخر، وقد أشار إلى استنتاج مهم وهو أن الاهتمام بهذه القضية كان آخره قصيدة لغازي القصيبي في حرب الخليج، وبنى على ذلك استنتاجا آخر مفاده أن هذا الموضوع يشغل الأذهان في فترات التأسيس وبناء الدول.

استلهام التراث

ظاهرة أخرى تقف على التخوم الفاصلة بين الموضوع و الفن، في دراسته الموسومة (أثر التراث العربي في شعر أسامة عبد الرحمن – دراسة نقدية) فثمة إشارة إلى أن التراث و توظيفه واستيحاءَه والتناص معه من السمات العامة في الشعر السعودي عامة؛ وقد اختار أسامة عبد الرحمن بوصفه الأبرز تمثيلا في شعره لهذه الظاهرة، وقد حدد منهجيته ابتداء حين أوضح خطوات الدراسة، فبدأ بالشخصيات، وهي الأبرز؛ وقد صنّفها إلى ست من حيث الصفة الغالبة، ومن الناحية التاريخية  والحقيقة والخيال والمحورية والتعدد، و من ثَم دواعي الاستدعاء وتقصّي أساليب التعبير من ترميز وإيحاء ومبالغة و تشبيه و مفارقة وقناع, وقد أفاد من ذلك باحثون في هذا المجال، وقد قام بعملية جرد إحصائية في جداول كدأبه في مثل هذه البحوث، حيث يعمد إلى تحضير مادته جيدا وتحديد نطاقها .

و بعد الشخصيات – وهي العنصر الأكثر غنى و حيوية – تأتي الأحداث التاريخية وما تنطوي عليه من استحضار لدلالة هذه الأحداث ومفارقاتها وإيحاءاتها والمعالم الطبيعية التي شكلت فضاءات مكانية تختزن دلالات تاريخية عميقة والمعالم الإنشائية التي نهض بها منشئوها و تنطوي على معان بالغة الثراء، وقد تجاوز الباحث الجدل حول وصف النصوص المقدسة بالتراث وأفرد لها عنوانا خاصا بالمقاربة (نصوص القرآن الكريم و التراث الأدبي) وتقصّى استثمارها في مختلف مفاصل القصيدة عند أسامة عبد الرحمن،ثم ختم بالتراث الأدبي شعرا ونثرا متدرجا حسب الأهمية في إثراء المعنى والكثافة في الاستعمال .

تحميل الدراسة 

                                                                           

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *