الأكثر مشاهدة

أدلتي على إجادة الشاعر سحيم عبد بني الحسحاس لغة التقرايت كثيرًا ما تحدثت عن ربط …

لغة التقرايت

منذ 3 أشهر

14

0

أدلتي على إجادة الشاعر

سحيم عبد بني الحسحاس لغة التقرايت

كثيرًا ما تحدثت عن ربط التقرايت بالعربية، أما اليوم فإني أربط الشاعر سحيم عبد بني الحسحاس بالتقرايت.

نبذة عن سحيم:

يكنى أبا عبدالله، وقيل في اسمه: حية، وسحيم، تصغير ترخيم الأصحم، بمعنى الأسود. قُتل في حدود الأربعين كما في الفوات، ولكنهم قد أطبقوا على أن مقتله كان في زمن عثمان، أي قبل 35 من الهجرة، وكان يرتضخ لكنة أعجمية. كان ينشد ويقول: “أحسنكُ والله” يريد أحسنت. كان قد أدرك النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتمثل النبي بشيء من شعره، يُروى أنه تمثل بقوله، إذ أخرج ابن سعد وابن أبي حاتم عن الحسن أنه صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا البيت: كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا. فقال أبو بكر: أشهد أنك رسول الله ما علمك الشعر وما ينبغي لك. انتهى.

يقال أن سيدنا عمر -رضي الله عنه- سمعهُ ينشد:
ولقد تحدر من جبين فتاتكم      عرقٌ على ظهر الفراش وطيب
فقال له: إنَّك مقتول!

نقل ابن حجر في الإصابة خبرًا غريبًا في مقتله، أن امرأة من بني الحسحاس أسرها بعض اليهود، فاستخلصها لنفسه، وجعلها في حصن له، فبلغ ذلك سحيمًا، فأخذته الغيرة، فما زال يتحيل حتى تسور على اليهودي حصنه فقتله، وخلص المرأة وأوصلها إلى قومها، فلقيته يومًا فقالت له: يا سحيم، والله لوددت أني قدرت على مكافأتك على تخليصي من اليهودي، فقال لها: والله إنك لقادرة على ذلك، وعرض لها بنفسها فاستحيت وذهبت، ثم لقيته أخرى وعرض لها بذلك، فأطاعته، وهويها وطفق يتغزل فيها، وكان اسمها سمية، ففطنوا له فقتلوه خشية العار عليهم بسبب سمية.

ومن غزله الذي قتل بسببه قوله:

وماشية مثل القطاة اتبعتها
من الستر نخشى أهلها أن تكلما

فقالت له يا (ويح غيرك) إنني
سمعت كلامًا بينهم يقطر الدما

فنفَّض ثوبيه ونظّر حوله
ولم يخش هذا الليل أن يتصرما

ومما قاله وهو يقتل:

إن تقتلوني فقد أسخنت أعينكم
وقد أتيت حرامًا ما تظنونا

وقد ضمنت إلى الأحشاء جارية
عذب مقبلها مما تصونونا

وقال:
شدوا وثاق الحبل لا يفلتنكم
إن الحياة من الممات قريبُ

فلقد تحدَّر من جبين فتاتكم
عرقُ على ظهر الفراش وطيبُ

إلى الأدلة:

1-

يُقال عن الشاعر سحيم عبد بني الحسحاس، أنه كان يرتضخ لكنة أعجمية،
(أي أنه يخلط العربية بغيرها من الكلام)،

كان ينشد ويقول: “أحسنكُ الله” يريد أحسنتُ.

أقول: وقلب التاء إلى كاف لغة من لغات العرب، باليمن، وإن القبائل الناطقة بالتقرايت، تلك اللغة التي تماثل اللغة الحميرية التي عاصرت زمان الملكة بلقيس، والموجودة كتابتاتها المسمارية في حجارة اليمن، بذات الأحرف التي تتخذ قبائل بني عامر، وسائر القبائل الناطقة بالتقرايت تتخذها أوسة وعلامات في أعناق الإبل، وأفخاذ الخيل والحمير، وآذان الأغنام والضأن.

وإن هذه القبائل تقلب التاء كافا فتقول:
فجرك، وطبطك،
بمعنى: فجرت، أي خرجت،
طبطكُ أي ضبطت، بمعنى أمسكت،

فتقلب التاء كافًا، ويلاحظ كذلك قلب الضاد طاء في “طبطكُ”.

وهذا ما كان عليه الشاعر سحيم في قوله أحسنك، ولم يكن راطنا، وإنما مدركا للغة عربية يجهلها من عاصروه.

أين الدليل على أنهم كانوا يجهلونها؟

الشواهد في ذلك كثيرة، نورد منها مقولة صاحب جمهرة اللغة، أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي عن كلمة (الدِّحَنَة) :

“الأرض المرتفعة، لغة يمانية جاء بها أبو مالك ولم يعرفها أصحابنا”،

والدحن عندنا في لغتنا هي السلامة والأمن، وهي غير بعيدة من المعنى الذي ساقه أبو مالك، ذلك أن طبيعة اليمن الجبلية تتطلب بناء المنازل في الأماكن المرتفعة رجاء السلامة من كوارث السيول، مما يعني بلوغ السلامة،

و”دحنة” الفعل عندنا تعني سَلِم، والمصدر منها “دَحَنْ” أي سلامة، وتأتي على ذات الصيغة معرفةً أي “دَحَن” فيقول الرجل لصاحبه “دحن لهبك” أي ليهبك السلامة، ويقال: في ختام الحديث: “ودحنك وسلامتك” أي هذا، وليؤمنك الله، ويكتب لك السلامة.

2-
يقول سحيم:

أخذت برجليها وصوَّبت رأسها

وسبسبت فيها اليزأني المحمرج

يقول الشارح لديوان سحيم:

“ولا أعرف المحمرج”
وأنا يبات علي فايد أقول أنا أعرف ما المحمرج، لأني أجيد لغة سحيم،
والمحمرج هو المحمرق عندي وعند قومي الناطقين بالتقرايت، تحول الجيم إلى القاف والمحمرق تعني المكدر، وهو إنَّما يصفُ ماءَ مَنيِّه.

3-
يقول سحيم:

فياليتني من غير بلوى تصيبني

أكون لأجمال ابن أيمن راعيا

وأجمال أجمول لغة عندنا لجمع الجمل، وتطلق على الإبل عمومًا.

وعندنا قرية أبو جمل في شرق السودان، مساكن أهلي، وينطقها من لا يدرك “قمل” قُمَل. وهذا جهل بإنسان المنطقة وثقافته.

4-
وأما دليل الرابع فهو جملة اشتهر بها ناطقو التقرايت، وفيها يقول الشاعر:

وماشية مثل القطاة اتبعتها

من الستر نخشى أهلها أن تكلما

فقالت له يا (ويح غيرك) إنني

سمعت كلامًا بينهم يقطر الدما

وردت هذه العبارة في غير شعر سحيم، ولكن قل ورودها، وبرأيي أنها خاصة بأولئك الناطقين بلغة اليمن القديمة، وربما استعارها منهم بعض قريش.

وأما استشهادي فهو قوله (ويح غيرك)، وتقال عندنا الناطقين بالتقرايت (أبايكا) أي عدوك. و(ويح غيرك) تعني الويل لغيرك لا لك.

*كاتب من السودان

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود