الطفولة… ذاكرة لا تشيخ !! قراءة (عتباتية) في المجموعة القصصية (منديلها الأصفر)

 

د. يوسف حسن العارف

استهلال:

بين يدي مجموعة قصصية حديثة الصدور عن نادي الأحساء الأدبي في العام 1438هـ/2017م للقاصة والأديبة كفى عسيري وهذه المجموعة الثانية لها بعد أن أصدرت (حالية اللبن) عام 1436هـ = 2013م.

هذه المجموعة الجديدة – التي نتداخل معها نقدياً – موسومة بـ (منديلها الأصفر)، وهي تضم واحداً وعشرين قصة قصيرة، وثمانية قصص قصيرة جداً ق.ق.ج، جاءت (سبعة) منها مجتمعة في آخر المجموعة ص ص 94-100، و(واحدة) ضمن القصص القصيرة ص 66 وهي بدون عنوان إلا ما جاء في نهاية القصة (سعد مِعْلَف) الذي ليس له دلالة أو ارتباط بالقصة كما سنرى بعد قليل.

*     *    *

* وقفة مع العتبات العنوانية:

تفاجؤك العتبة العنوانية التي تزدان بصورة لطفلة جميلة على وجه الغلاف الأول الذي يحمل العنوان/ منديلها الأصفر (مجموعة قصصية) واسم المؤلفة/ كفى عسيري، ومعلومات النشر، تجذبك الطفلة بصورتها البريئة وبَسْمتَها الجميلة، ولباسها العسيري التراثي، وهي واقفة بجوار باب تقليدي وفي يدها الزنبيل و(امخسفه)، أو الطفشة، وتتزين كفّاها بالحناء والخواتيم والحلي الفضية.

وتتكرر الصورة الأنيقة للطفلة على صفحة الغلاف الأخير، ولكن بشكل ألطف وأجمل فهنا تعتمر على رأسها منديلاً أصفراً، يوحي للقارئ بعنوان المجموعة القصصية!! ولها بسمة طفولية آسرة، ونظرة مستقبلية حالمة، وتضع كفيها – المُزيَّنة بالخواتيم والحلي – على صخرة كتبت عليها الأديبة/ القاصة إحدى كلماتها الافتتاحية:

” قيل لي:

مم تخشين على أحلام الطفولة؟

قلت:

من ذاكرة تشيخ وتمحوها(1)

إن هذه العتبة العنوانية التي تشير إلى البعد القروي من خلال صورة الطفلة وما حولها، تتأكد على الصفحة الداخلية التي تعرفنا على اسم الطفلة (غلا جلاله)، والمصور: علي ثابت. ولكي نفكك هذه العتبة الواقعية لجأنا إلى (جوجل) لنعرف أن الطفلة (غلا جلاله) ناشطة فنياً من خلال مشاركتها في أناشيد وغناء وشيلات طفولية واستعراضات راقصة، ومشتركة في فرقة أطفال مسرحية، تابعة لجمعية الثقافة والفنون في أبها(2). وأما (علي ثابت) فهو أحد المصورين المحترفين في المنطقة(3).

إن العبارة الافتتاحية التي جعلتها القاصة ملازمة للطفلة على صفحة الغلاف الأخيرة تتماس تماماً مع واقع الطفلة وأحلامها وآمالها كما أخبرنا عنها جوجل!!

وإذا وصلنا إلى العتبات المصاحبة نجد عتبة الإهداء حيث تهدي القاصة/ كفى عسيري هذه المجموعة: إلى النساء الكادحات/ في مشرق الأرض..

وهنا لنا وقفة: فالإهداء للنساء الكادحات وفي هذا إشارة إلى أن مضامين ومحتويات النصوص القصصية سيكون لها حضور من خلال النساء الكادحات وهو ما سنعرفه فيما بعد!!. لكن الوقفة الأهم هنا، هي تساؤل لماذا في مشرق الأرض فقط؟! أين باقي الجهات مثلاً؟!.. لكن النقطتين (..) في آخر الإهداء تدل على الاستئناف لباقي النواحي والجهات ربما!! وسنرى في المتن القصصي مدى تلاؤم هذه العتبة مع المضامين والبطولات.

ثم نجد العتبات المفتاحية، وهي عبارات تختارها القاصة لتكوِّن منها فواصل علاماتية قبل كل مجموعة من النصوص القصصية. وقد بدأت هذه الافتتاحيات بما يدل ويشير على المنديل الأصفر، الذي جاء في العتبة العنوانية الرئيسة/ عنوان المجموعة!! حيث أوردت القاصة جزءاً من نص شعري للشاعر محمد زايد الألمعي يقول فيه:

كــلام حبيبتي ســــــكر        وعيناها عسيرية

     وفي منديلها الأصفــــر        نما قمر وجوريه

وما تحته خط إشارة إلى البعد القروي الذي تحتضنه هذه المجموعة القصصية، وإشارة إلى صورة الطفلة (غلا آل جلاله) ومنديلها الأصفر وهذا يذكرني بما قاله الشاعر إبراهيم طالع الألمعي في قصيدته سهيل اميماني:

«فهزي إليك

بجذع الوفاءِ

يساقطه منديلك الأصفر»

(المجموعة الشعرية – أغاريد التهامي ص 187).

وهذا يشير إلى أن (المنديل الأصفر) غدا علامة مائزة في التراث العسيري يتنامى خلال النصوص الشعرية والسردية والفنون التشكيلية وغيرها، حتى غدا حقاً مشاعاً ورمزية دالة على الجمال والصِّبا والأنوثة عند البنات العذراوات المنتظرات للزواج، وإذا ما تحقق لهن استبدلنه باللون الأسود (كما يقول أحمد التيهاني في مقالته بجريدة الوطن (8/5/1435هـ = 12/3/2014م). وكذلك يتشكل هذا (المنديل الأصفر) دالاً ورامزاً إلى البعد القروي الذي يمثل ميزة لافتة في هذه المجموعة القصصية.

 

* السمات القروية في المجموعة:

ومن عتبة العنوان الرئيسة (المنديل الأصفر)، تحصل التحولات الدلالية بحيث يشير هذا المعطى الدلالي إلى البعد القروي الذي يمثل ميزة لافتة في هذه المجموعة القصصية (كما أشرت قبل قليل)، ولذلك نجد السمات القروية تأخذ أبعاداً متعددة فيها ما يتعلق باللهجة المحكية في القرى العسيرية مثل: سمعتش، امزواده،امحنا، امغنم. وفيها المفردات والكلمات التي لا تستخدم إلا في القرية وبين أهل الجنوب مثل: المدسم، الزريبة، القعادة، تسرح، التلام، نتقرع، القف، الجرين، الوزاب.

وفيها الحيوانات والطيور والأشجار، مثل: الثور، الغنم، الشياه، العصافير، القمح، الحنا، العرعر، الريحان، الوزاب، الحبق، الشذاب.

وفيها ما يتعلق بالعادات والتقاليد، مثل: المنديل الأصفر، الكرتة، الفطارة، الجيارة، الوزرة، الحرث، البلاد، الرعية.

وهنا وبين هذه المفردات القروية التي توظفها القاصة في نصوصها وفضاءاتها الإبداعية، تتجلى صورة من صور المعالم والسمات القروية الدالة على بيئة معروفة وأماكن ليست غريبة على سمع القارئ والمتلقي.

*     *    *

* النسوية والأنوثة المسيطرة:

ومن العلامات والسمات البارزة في هذه المجموعة القصصية هي النسوية أو الأنثوية المسيطرة على بطولات وموضوعات النصوص القصصية، فإضافة إلى الكاتبة/ المؤلفة التي تحمل نون النسوة فكراً وإبداعاً، نرى عتبة الإهداء متوجهة بها إلى (النساء الكادحات في مشرق الأرض..)، كما نجد الشخصيات النسائية الأنثوية تشكل ملمحاً بارزاً في كثير من القصص حيث تكون البطولة من نصيبهن.

فمن (21) قصة – وهي مجموعة القصص القصيرة في هذه المجموعة – نجد (14) قصة بطولتها تنحاز للأنثى، المرأة(4).

ومن جماليات وتقنيات البطولة في هذه القصص أن المبدعة المؤلفة تذكر اسم الشخصية تارة، أو تسمها بوصف ما، دون ذكر الاسم.

ومن الأسماء والشخصيات الواردة: نجد صفيَّة، وفاطمة وحليمة، فقط. بينما نجد ما يدل على الأنثى من أوصاف أو ضمائر في بقية القصص، وهي الطالبات والمعلمة والمديرة، المثقفة القارئة، نسوة القرية، الجارة في الطابق الثالث، قاطفة الحناء وحفيدتها، الحالمة بالطب، الفتاة الأنيقة، المصابة بالزهايمر، والقروية وصناعة المزهريات العطرية، المعلمة التي أقرضت خطيبها الداعشي، الزوجة المفترضة للسفر، الملهمة!!.

ومن خلال هذه الأوصاف، نستنتج إحدى الدلالات والرمزيات الثقافوية للمجتمع النسوي الذي ترصده وتستقي منه أحداث قصصها، ففيهن الطالبات والمعلمات والمثقفات والقارئات، وفيهن المزارعات والأنيقات والحالمات بالطب. أي أننا أمام خليط من مجتمع  فيه كل هؤلاء النسوة (الكادحات) – كما جاء في عتبة الإهداء -!!.

*     *    *

* الجماليات اللغوية والأسلوبية:

وفي هذا الإطار يَسْعَد القارئ والناقد بما يحسه ويحرك مشاعره من الجماليات المتنوعة والمتعددة في هذه المجموعة القصصية، ففيها الجماليات اللغوية، وفيها البلاغية والأسلوبية، وفيها تقنية الكلمات المفتاحية التي تقوم بدور التلخيص أو الاختصار لمضامين القصص البعدية، أو توجيه نظر القارئ إلى إحدى القيم الثقافية التي ترغب القاصة إبرازها والتأكيد عليها.

وقد وقفنا على أربع كلمات مفتاحية الاثنتين الأولين منقولة عن أدباء آخرين(1) والاثنين الآخرين من إبداعات القاصة وأفكارها ومقولاتها(2). وتمتاز هذه الكلمات بالشعرية المتناهية، فالأوليتان أبياتاً شعرية لشاعرين عسيريين يمتازان بالنصوص الشعرية اللافتة، ولذلك اختارتهما القاصة. أما الأخريتان فهما كلمات نثرية في لغة شاعرية دوزنتها القاصة بقلمها الأدبي الناثر في حلل من الشعرية الفاتنة.

والجمالي هنا – أن الكلمة الافتتاحية الواردة في ص 7 وهي بيتين من الشعر للشاعر العسيري محمد زايد الألمعي تتماهيان وتشيران إلى النص القصصي الذي جاء بعدها بعنوان منديلها الأصفر، حيث يتناصان لغوياً وأسلوبياً وقد أشرت إلى ذلك في بداية حديثنا عن العتبات ص 130.

وكذلك الكلمة الافتتاحية الواردة في ص 55، وهي عبارة نثرية عن أحلام الطفولة وكيف تشيخ الذاكرة وتمحوها، لتجد بعدها قصة بعنوان (زهايمر) وهو إحدى مراحل الشيخوخة ومحو الذاكرة، وقصة بعنوان (حلم القروية) والطفل المنغولي في قصة (قتلة).

ومن الجماليات أيضاً، النهايات المدهشة وغير المتوقعة والمفتوحة للنصوص القصصية، فالأديبة القاصة تريد أن تشرك قارئها في بناء وتنامي القصة، وتخيل النهايات المتوقعة للنص. ونجد هذه التِّقانة الأسلوبية في كثير من قصص المجموعة مثل: قصة الرغيف ص 12، قصة ترويض ص 22، البرميل الأسود ص 42، حاجة ص 52، ولكي يدرك القارئ/ الناقد قيمة هذه النهايات المدهشة والمفتوحة لابد من إيراد النص كاملاً – وهذا ما لا تستوعبه هذه المساحة من الدراسة المختصرة – ولذلك نحيل إليه في متن المجموعة القصصية!!

ومن الجماليات – أخيراً – الـ (ق.ق.ج) التي أوردتها القاصة في آخر المجموعة ص ص 94-100، ونضيف إليها ما جاء في الصفحة 66. حيث نجد فيها قدرة القاصة على استلهام شروط كتابة هذا الفن القصصي الرشيق عبر أدواتها وتقنياتها وجمالياتها المحصورة في عنصري الإدهاش والعجائبية والتكثيف اللغوي الموجز، مع توفر سمات وعلامات القصة من شخصيات وحبكة وزمكانية وذلك في خلق نوع جديد من العلاقات المضمرة والحيوية!!

تقول في إحدى نصوصها القصيرة جداً بعنوان (حريق):

«فنجان القهوة الذي كان يجمعهما كل مساء في شرفة

المنزل، جمعهما في قبرين متجاورين…».

 

* ختــــام:

… وبعد: فلقد عشنا في الصفحات السابقة مع إحدى بنات الوطن كاتبة وقاصة ومبدعة، تداخلنا مع طروحاتها، وقدمنا عنها مقابسات أولية مع هذه المجموعة القصصية التي وجدتها صورة من صور الأدب النسوي، ومعبرة عن مكابدات وكدح النساء في مشارق الأرض ومغاربها.. وكل جهاتها. ولهذا فهن مستحقات لهذا الإهداء الذي وجهته الكاتبة/ المؤلفة/ القاصة لهن!! عبر صورة طفولية حقيقية لإحدى بنات الجنوب (غلا جلاله) بمنديلها الأصفر، وزيها التراثي وجمالها الطفولي، وطلتها البريئة، وعذوبة ابتسامتها الساحرة!!

……………………………………………..

 

جدة 19/8/1440هـ

 

 

(1)  انظر صفحة الغلاف الأخيرة، المجموعة، ص 55.

(2)  انظر الشبكة العنكبوتية، قناة اليوتيوب الطفلة غلا آل جلالة.

(3)  ولم أعثر على أي تعريف موسع عنه.

(4)  انظر القصص: صاحبة المنديل الأصفر ص 8، حب ص 17، ترويض ص 22، صفقة ص 31، صبخة ص 36، انعتاق ص 39، البرميل الأسود ص 42، أضغاث أحلام ص 49، حاجة ص 56، زهايمر ص 56، حلم القروية ص 61، القص ص 71، استنفار ص 88، الملهمة ص 91.

(1)  انظر، ص 7، ص 21.

(2)  وانظر، ص 48، ص 55.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *