الأكثر مشاهدة

في قلب كل منا طفل مهما كبرنا يحبه، ويحن إليه، يتمنى أن يعود ذلك الطفل يوماً ويعي …

محطات لا تهدأ (الطفولة)

منذ شهر واحد

10

0

في قلب كل منا طفل مهما كبرنا يحبه، ويحن إليه، يتمنى أن يعود ذلك الطفل يوماً ويعيش تفاصيل يومه وحياته ببراءتها، وعفويتها، وطهرها، وصدقها..

طفولتنا وإن اختلفت في تفاصيلها المعيشية والحياتية إلا أنها تلتقي في البراءة وتتفق في النقاء..

هذا الطفل الذي يسكن قلبك وتحن إليه كلما تقدمت في العمر هو روح بداياتك الأولى منذ الصرخة الأولى التي أعلنت فيها وجودك وسمعت فيها أنين أمك وحملتك بين ذراعيها وألقمتك ثديها بكل حب وحنان..

منذ أن سمعت صوت الأذان لأول مرة في أُذنيك فَسرَتْ طمأنينة ” الله أكبر” في عروقك منذ أن اختاروا اسمك وملابسك وكل سُبل الراحة لك..

مهما كانت تلك التفاصيل بسيطة و متواضعة أو مكلفة وغالية.. فهي بالنسبة لك ماديات لا تعيها ولا تفهمها في طفولتك !!

كل ما تريده من أبويك هو اشباع الحاجيات الأساسية: الغذاء والمأوى والملبس والدواء..، وقبلها الحب والحنان والعطف والاهتمام والاحتواء ..

مهما كتبنا عن طفولتنا فهي عالم نجهل الكثير منه، إلا أنه لدى بعض الأطفال عالم كئيب، مخيف، مزعج، مدمر، عالم صنعته الأقدار والظروف، عالم أُنتزعت منه الإنسانية، وغابت منه الرحمة، عالم كان الطفل فيه ضحية غياب أحد أبويه إما لموتٍ، أو انفصالٍ، أو سفرٍ أو مرض..

كمٌ من الحرمان لا يشعر به إلا من عانى منه وذاق قسوته؛ ما ذنب هؤلاء الأطفال الذين طلّق والدهم أمهم، وتزوج بأخرى، وترك لها تربيتهم وهي شابة جميلة غرتها الحياة والجمال والحب والدلال من زوجها لتسقي هؤلاء الأطفال الصغار الويلات ليل نهار ضرب وتعنيف وقسوة وغلظة، بلا شفقة ولا رحمة، هذا الأب الحاضر الغائب من الصباح إلى المساء مشغولٌ بتجارته، يخرج وهم يغطون في نومهم، ويعود وهم نائمون، لا يعرف عنهم غير ما تقول له زوجته، لم يكلّف نفسه السؤال عنهم وعن أحوالهم..

أتذكر جيداً تلكما الطفلتين الجميلتين وأخيهما حين تسمح لهم الظروف بفتح الباب للنظر إلى أبناء الجيران وهم يلعبون..

من خلف هذا الباب تعرفت عليهم وبادلتهم الحديث، كنت حينها طفلة ذات ٨ أعوام.. سمعت حكايتهم وشعرت بمرارة وقسوة حياتهم وغربة أيامهم .. تعنيف وضرب وقسوة وتعذيب لا يعرفون اللعب ولا المرح والشعور بالأمان، يستيقظون على صوت زوجة أبيهم القاسية تأمرهم بالقيام بشؤون المنزل من تنظيف وغسل وكنس ..

كانت حليمة أكبر إخوتها ،عمرها ٩ سنوات ثم أخوها عبدالله عمره ٨ سنوات وأختهم الصغرى زهرة في عمر ٦ سنوات ..كلفتهم بأعمال ومسؤوليات أكبر من قدرتهم وتحملهم، لم ترحم صغر سنهم ولا ضعف أجسادهم. حليمة تطهو الطعام وتنظف المطبخ وعبدالله يحضر احتياجات المنزل من البقالة ويقوم بكيّ الملابس..، وزهره تكنس الدار وترتبه..

مازلت أذكر ذلك اليوم الذي قررتْ فيه منع حليمة من الذهاب إلى المدرسة، وضربتها بكل قسوة وجبروت لأنها نامت من التعب ولم تغسل الصحون..، وحرضت والدها عليها ليحرمها من الذهاب إلى المدرسة. تمادت تلك السيدة في ظلمها لأبناء زوجها مستغلةً غيابه وانشغاله، لم ترحم طفولتهم ولا إنسانيتهم ولا ضعفهم وصغر سنهم ..

في تلك الليلة الشديدة البرودة طلبت من عبدالله أن يكوي فستانها؛ الطفل ابن الثمانية أعوام غفت عينه وهو يكوي فاحترق الفستان؛ فما كان منها إلا أن أخذت المكواة وألصقته في فخذه وحرقته بلا رحمة!، تألم الصغير وبكى وحضنته أُخته وأخذت تبكي معه في هذه الليلة القارسة البرودة، عاد الأب مجهداً ونام في حين ابنه يئن من الألم وأخواته يبكين إلى جواره.. وزوجة الأب القاسية تمثل دور الحمل الوديع وتطمئن أباهم بأنهم في أحسن حال وقد خلدوا للنوم..

لكن حال عبدالله ساءت كثيراً وارتفعت حرارته، وبقيت حليمة تنتظر والدها فجراُ أمام باب غرفته حتى خرج لأداء الصلاة لتخبره بما حدث لأخيها عبدالله.. والذي هرول إليه مسرعاً ليستطلع الأمر ليجده يتألم وحرارته مرتفعة حمله مسرعاً به إلى المستشفى كان حرقهُ شديدًا وملتهبًا جداً حاول الطبيب معالجته والعمل على خفض الحرارة.. في هذه الأثناء أخذ الأب يلوم نفسه على تفريطه في حق أبنائه وعدم تفقُدهِ لأحوالهم..، بقي عبدالله في المستشفى يخضع للعلاج عدة أيام في حين قرر أن يطلق زوجته القاسية ..

هذا القرار المتأخر كفيلٌ بتدمير نفسياتهم وحرمانهم من الشعور بالأمان، كفيلٌ بأن يخلّف عندهم عقدة لا يمحوها الزمن.. ألم، وقهر، وظلم، وتعذيب، وضرب. أي قسوةٍ تلك تحملتها أجسادهم الغضة ..

محطة من محطات الحياة القاسية بين هذه السطور رسالة إلى الآباء والأمهات: خيار الطلاق ضحاياه فلذات أكبادكم فرفقاً بهم..

وقد وصف الشاعر أبو القاسم الشّابّي الطفولة في هذه الأبيات:

للهِ مَا أَحْلى الطُّفولَةَ

إنَّها حلمُ الحياةْ

عهدٌ كَمَعْسولِ الرُّؤَى

مَا بينَ أجنحَةِ السُّبَاتْ

ترنو إلى الدُّنيا ومَا فيها

بعينٍ باسِمَة

وتَسيرُ في عَدَواتِ وَادِيها

بنَفْسٍ حَالمة

إنَّ الطّفولةَ تهتَزُّ في قَلْبِ الرَّبيعْ

ريَّانةٌ مِنْ رَيِّقِ الأَنْداءِ

في الفَجْرِ الوَديعْ

غنَّت لها الدُّنيا

أَغاني حبِّها وحُبُورِهَا

فَتَأَوَّدَتْ نَشوى

بأَحلامِ الحَياةِ وَنُورِهَا

إنَّ الطُّفولَةَ حِقْبَةٌ شعريَّةٌ

بشُعُورِها وَدُمُوعها

وسُرُورها وَطُمُوحِهَا وغُرُورِها

لمْ تمشِ في دنيا الكآبَةِ

والتَّعاسَةِ والعَذابْ

فترى على أضوائِها

مَا في الحَقيقَةِ مِنْ كِذَابْ.

 

*كاتبة سعودية

 @fhaa1437

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود