السيرة الشعرية الغيرية (عمرية النحوي أنموذجا 1من 3)

السيرة الشعرية الغيرية

(عمرية النحوي أنموذجا 1 من 3)

                                           د. مصطفى الضبع*

 

الشاعر:

علي النحوي شاعر سعودي من طبقة الموهبين القادرين على قيادة اللغة وإدارة النص الشعري بما يؤكد الموهبة، ويثري التجربة الشعرية لشاعر يليق به أن يكون في طبقة متميزة من شعراء العربية، قال عنه الشاعر جاسم الصحيح: الشاعر علي النحوي.. المقدّمةُ مكانُهُ من كلِّ شيء ” ([1]).

القصيدة :

  • قصيدة عمر

كثيرة هي القصائد التي يكتبها الشعراء عن الشخصيات الإنسانية، وتمثل الكتابة عن الإنسان قطاعا كبيرا في القصيدة العربية منحصرة في ثلاثة أغراض: المديح – الرثاء – الهجاء – الغزل، يختص الأول بالخلفاء والولاة، والثاني أقرب للإنسانية في مقاربته لمن هم دون الفئة الأولى وفي مقاربته للراحلين من البشر، ويختص الثالث بالصراع مع الأحياء منهم، فيما يختص الأخير بالمرأة وخطابها الشعري المفرود على مساحة كبرى من الشعرية الإنسانية عربيا وعالميا.

وكثيرة هي القصائد التي كتبت عن شخصيات عربية بعينها دون أن تكون خطابا من المديح لحاكم أو مسؤول أو مؤسسة بالمعنى العصري للمفهوم، وكثيرة هي القصائد التي وقفت على شخصية البطل العربي عمر المختار ([2])، ويمكننا رصد مساحة شعرية محددة تقف على أشهر القصائد، ومنها:

  • قصيدة أحمد شوقي (1868- 1932) وجاءت في (40 بيتا من البحر الكامل)، ومطلعها:

رَكَزوا رُفاتَكَ في الرِمالِ لِواءَ       يَستَنهِضُ الوادي صَباحَ مَساءَ

  • خليل مطران (1871-1949)، وجاءت في (35 بيتا من البحر البسيط)، ومطلعها:

أَبَيْتَ وَالسَّيْفُ يَعْلُو الرَّأْسَ تَسْلِيماً       وَجُدْتَ بِالرُّوحِ جُودَ الحُرِّ إنْ ضِيمَا

  • قصيدة الشاعر صالح السويسي القيرواني (1887- 1941)، وجاءت في (10 أبيات من البحر البسيط) مطلعها:

اِفتح جِنانَك يا رضوانُ مُغتَنِماً        أُنسا فَذا عُمَرُ المُختارُ قَد قَدِما

قصيدة النحوي

في سياق استيحاء الشعر العربي شخصية عمر المختار جاءت قصيدة الشاعر علي النحوي ” عمر “([3]) ،  كاشفا بداية عن نوستالجيا الإنسان المغايرة لنوستالجيا المكان والزمان ، ففي نوستالجيا المكان يتقدم المكان الموصوف عبر الأحداث في ارتباطها بالشخصية ، وفي نوستالجيا الشخصية تتمحور الصور حول الإنسان عبر أحداثه ، وصراعاته ، وتقاطعات رؤيته للعالم مع رؤى الآخرين مما يجعل من الشخصية

تكتسب قصيدة النحوي  أهميتها من عدة زوايا:

  • كونها تطرح نموذجا إنسانيا عربيا خالصا تفتقده الساحة العربية في زمن تتبدل فيه الرجال وتتغير المبادئ وتضعف الهمم وتفتقر الأجيال إلى القدوة.
  • مرور الأمة العربية والإسلامية بلحظة فاصلة من خلال زاوية محددة: تغير مفهوم الجهاد (خلخلة المفهوم بين الطرح الغربي الواصف للمفهوم بالإرهاب ، وتأثير هذا الطرح على الرؤية العربية للجهاد ، إضافة على ذلك ترسيخ فعل البعض الدموي للمفهوم الغربي وفق لعبة سياسية أقرب للمؤامرة الغربية منها لواقع إنساني يفرض ماهو مخالف للمنطق الإنساني ).
  • حاجة الحياة العربية لنموذج المواجهة في الصراع مع الغرب المستعمر، ففيما ضنت الحياة العربية بالنموذج المختاري لم يتوقف الاستعمار مما يكشف عن خلل في توازن القوى بين العرب والغرب.
  • كونها تمثل – بامتياز – نموذجا لقصيدة مابعد الكولونيالية إقرارا بأن المفهوم ليس وقفا على الرواية وأن النظرية النقدية مابعد الكلونيالية تحقق امتدادها في الشعر إضافة للرواية، وأن الشاعر علي النحوي في مقاربته الشخصية وإعادة إنتاجها يكون مدفوعا بدافعين أساسيين مختلفين: أولهما إيجابي يتمثل في نموذج عمر المختار نفسه بوصفه شخصية تفرض سلطتها الإنسانية على الشاعر ، وثانيهما سلبي يتمثل في رؤية الشاعر للعروبة وما يعتورها من مساحات ضعف أو عبورها واحدة من لحظاتها الحرجة ، وهو ما يجعل النحوي المواطن العربي قبل النحوي الشاعر مدفوعا للبحث عن خروج من الأزمة وفق رؤية المثقف ذي البصيرة النافذة .
  • استنهاض الذاكرة الشعرية عودة إلى قصائد منسية دبجها شعراء العربية في الحديث عن عمر المختار.
  • كون الشاعر مسبوقا بعدد من الشعراء يمثل نوعا من التحدي، فماذا سيقول بعد شوقي وخليل مطران وقصائد الاثنين تمثل علامات في التجربة الشعرية لكل من الشاعرين.
  • كونها قصيدة تضيف للشعرية العربية نموذجا عمريا ينضاف إلى نموذج عمر بن الخطاب الشعري بما يمثله من سلطة شعرية ([4]).
  • كونها تمثل استعادة لمفهوم البطولة الإنسانية القائم على الوطنية محاولة لإزاحة المفهوم السائد/ الزائف للبطولة في العصر الحديث (بطولة الرياضيين أو المطربين أو الفنانين من الممثلين).

لست معنيا بالمقارنة بين القصائد أو المفاضلة بينها فلكل منها سياقه، وملابساته وخطابه المغاير، وإنما مايعنيني هو ذلك الخيط الممتد من الاستصفاء، استصفاء الشاعر شخصية ذات طبيعة خاصة أو بعبارة أدق ذات طبيعة نادرة تكون الحياة العربية في أمس الحاجة لاستعادة استثمارها إيقاظا للوعي الوطني وحس الانتماء للعروبة والثقافة العربية والإسلامية.

يستهل النحوي قصيدته باللحظة الدرامية الأكبر في سيرة المختار، لحظة الإعدام مشيرا حالة من صراع القوى بين البطل والمحتل لكنه يرجح كفة البطل عبر علامتين أولاهما قبل الحدث: قدر الله، وثانيتهما علامة شعرية يستثمر الشاعر طاقتها الدلالية : أفعل التفضيل (أطول ) بوصفها علامة الخلود للبطل الذي لم تنمح

“عمر 1

منْ عمرِ منْ شنقوكَ عمرُكَ أطولُ فاللهُ قدّرَ أنْ تظلَّ ويرحلوا !! واللهُ أعطاكَ الخلودَ فما انبنى لكَ في القلوبِ سوى المحبّةِ منزلُ!!

ياسيّدَ الصحراءِ ياأسدَ الوغى خيلٌ بروحِكَ بالحميّةِ تصهلُ وشكيمةٌ لو أنّها امتدّتْ إلى شوسِ الرجالِ لأرعدتْ وتزلزلوا !!”

   (يتبع )


 

 

 

[1] – جاسم الصحيح : الشاعر علي النحوي ، جريدة المدينة – الأربعاء 16 فبراير 2011،

                                        https://www.al-madina.com/article/70609

[2] – عُمر بن مختار بن عُمر المنفي الهلالي (  20 أغسطس 1858 – 16 سبتمبر 1931)، الشهير بعمر المُختار، متعدد الألقاب: شيخ الشهداء- شيخ المجاهدين -أسد الصحراء.

[3] – نشر الشاعر قصيدته على صفحته على تويتر في الثاني عشر من ديسمبر 2018: https://twitter.com/alnhwi2/status/1072635316505321473

[4] – تعد شخصية عمر بن الخطاب رضي الله بمثابة المرجعية لشخصية عمر المختار بوصفه سميا للخليفة العادل ، وتمثل عمرية حافظ إبراهيم  عمرية حافظ إبراهيم (183 بيتا في عشرين مقطعا متفاوت العدد)،  كما  تتخذ شخصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه أشكالا مختلفة للحضور في الذاكرة العربية، كما تمثل شخصية عمر نموذجا إنسانيا له عمقه في الشعرية العربية، منتجة حالة شعرية تتشكل عبر شبكة العلاقات القائمة بين شخصيات تتشابه في الاسم دون المخالفة في كونها نموذجا للاقتداء، وتمثل شخصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه النموذج صاحب السلطة على الوعي الشعري العربي بل الوعي العربي بكامله عبر العصور العربية المتوالية وقد رسخ الشعراء النموذج العمري عبر رصد مساحات من حياة الشخصية الأشهر في الثقافة العربية على مستوى الثقافة الشعبية الشفاهية أو الثقافة المكتوبة وتكاد المقولة المنسوبة له ” لو عثرت بغلة في العراق ” تأخذ شكل الأسطورة ذات الحضور الدائم في الوعي العربي (انظر: مصطفى الضبع: مقولة عمر قراءة أسطورية ، دراسة قيد النشر).

 


* أستاذ البلاغة والنقد بكلية الآداب جامعة عبد الرحمن بن فيصل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *