الأكثر مشاهدة

*لا أعترف بي شاعرًا وألجأ إلى القصيدة لأرتاح * لا أحب المتنبي لهذا السبب * أسوأ …

الشاعر أحمد التيهاني: شعرنا بعيدٌ عن المجتمع، و العمل الإعلامي يُعاني الجحود

منذ شهر واحد

59

1

*لا أعترف بي شاعرًا وألجأ إلى القصيدة لأرتاح
* لا أحب المتنبي لهذا السبب
* أسوأ مافي العمل الإعلامي الجحود
* لم تعد الجامعات الخيار الأمثل لخريجي الثانوية، وعلى الجامعات نفسها ابتكار البدائل

حوار_عائشة عسيري

أكاديمي وإعلامي وشاعر، وكاتب في عددٍ من الصحف والمجلات، وإن صح القول فهو ( مجموعة إنسان)، يتنقل بنا بفصاحة وقوة بيان في قصائده، بين مفردات العربية الفصحى التي هو أستاذ جامعي لها، وبين كلمات عسيرية عاميةٍ يطعم بها بعض روائعه الشعرية، فتزيد القارئ معرفةً ببيئة وموروث هذا الشاعر ومنطقته، كقصيدته ( حقرة).
سيرة الدكتور أحمد التيهاني الحافلة بالمنجزات والتميز هي خير من يُعرف عنه، ويعبر عن ذاته.
ويطيب لمجلة فرقد الإبداعية أن تأخذ قراءها الأعزاء في رحلةٍ ماتعة، للاطلاع على سيرة ضيف هذا العدد، سعادة الدكتور/ أحمد بن عبد الله التيهاني، عضو هيئة التدريس بقسم اللغة العربية وآدابها بكلية العلوم الإنسانية في جامعة الملك خالد.

 

* لم أقبل التلوّن لتحقيق آمالي

1_من هو الدكتور أحمد التيهاني؟

_ ريفيٌّ أبهويٌّ كانت له آمالٌ، وكانت له طموحات، لكنه كان يسير إليها عبر طريق مستقيمة، وثابتة، ولم يكن يعلم أنّه يجب عليه أن يتعرّج ويتلوّن كي يصل إلى آماله وطموحاته الفردية والجمعية، وحين علم، لم يستطع؛ لأنّ قيود الثبات على الطريق المستقيمة قد أحكمت عليه وثاقها.
• يحمل درجة الدكتوراه في الأدب والنقد بتقدير ممتاز، من قسم الأدب بكلية اللغة العربية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عن أطروحة بعنوان: “الشعر في عسير من عام 1351 إلى عام 1430هـ”.
• والماجستير في الأدب العربي القديم من قسم الأدب كلية اللغة العربية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سنة 1423هـ، عن أطروحة بعنوان: “الحياة الاقتصادية في الشعر العربي حتى نهاية عصر بني أُمية: دراسة موضوعية وفنية”.
• عضو هيئة التدريس بقسم اللغة العربية وآدابها بكلية العلوم الإنسانية في جامعة الملك خالد.
• عمل رئيسًا لقسم اللغة العربية وآدابها بكلية العلوم الإنسانية في جامعة الملك خالد عبر ثلاث سنوات.
• عمل مستشارًا بوكالة جامعة الملك خالد للشؤون التعليميّة والأكاديمية.
• عمل عضوًا بمجلس إدارة نادي أبها الأدبي منذ عام 1421هـ، عبر أربع دورات، والمسؤول الإداري المنتخب في دورتين متتاليتين.
• عمل عضوًا في الهيئة الاستشارية لمهرجان سوق عكاظ.
• كان كاتب مقالة أسبوعية بصحيفة الوطن.
• كان كاتب مقالة أسبوعية في صحيفة “آفاق” الجامعية بجامعة الملك خالد.
• رئيس تحرير دورية “بيادر” الأدبية الثقافية الصادرة عن نادي أبها الأدبي.
• عمل مديرًا للمكتب الإقليمي لصحيفة المدينة بالمنطقة الجنوبية من عام 1420 إلى عام 1423هـ.
• رأسَ لجنة الطباعة والنشر بنادي أبها الأدبي لمدة 10 سنوات.
• عمل عضوًا بأمانة أسبوعيات مجلس الأمير خالد الفيصل لمدة 5 سنوات.
• رأسَ قسم الرأي بصحيفة الوطن عبر سبع سنوات.
• عمل مستشارًا إعلاميًا بالغرفة التجارية الصناعية بأبها من عام 1424إلى عام 1427هـ.
• رأسَ تحرير مجلة المفتاحة الثقافية الفنية سابقًا.
• عمل مستشارًا لتحرير مجلة الجنوب عبر ثلاث سنوات.
• عمل عضوًا بمجلس إدارة نادي أبها الرياضي.
• مذيع ومعد برامج بقنوات التلفزيون السعودي عبر 25 عاماً.
• رأسَ عدداً كبيرًا من اللجان الإعلامية والثقافية في مناسبات وطنية وعلمية وثقافية مختلفة.
• ألقى عددًا كبيرًا من المحاضرات الثقافية العامة والنقدية والفكرية داخل المملكة وخارجها. وشارك في عددٍ مُماثل من الأمسيات الشعرية داخل المملكة وخارجها.
• مثّل المملكة في ثلاث مناسبات ثقافيّة دولية.
• نشر عددًا من الأبحاث في مجلّات علميّة محكّمة، وشارك بأوراق علمية في مؤتمرات وملتقيات علمية.
• كان أحد الروّاد المكرمين بجائزة المفتاحة سنة 1423هـ، وقال عنه أمير منطقة عسير – حينها – الأمير خالد الفيصل : “شاعرٌ متعدّد القلوب، قلبٌ ينبض شعراً من أماريق الحصاد، وأهازيج “امصريم”، ونداءات الترقي نحو غيمات بها غيثٌ لأبها.. وقلب ثان وثالث ورابع، تتجول بين أروقة المفتاحة، والجامعة، والأندية الأدبية والرياضية.. إنه الشاعر والإعلامي أحمد بن عبدالله التيهاني”.
• حصل على عدد من الجوائز الأدبية والإعلامية وجوائز العمل العام ، كان آخرها فوز كتابه ” الشعر في عسير 1351- 1430 ” بجائزة الملك عبد العزيز للكتاب ، فرع الكتب المتعلِّقة بالأدب في المملكة العربية السُّعودية ، 1441هـ .
صدر له:
• ديوان: “أماريق”، صدر عن نادي أبها الأدبي عام 1420هـ.
• ديوان: “فاعلاتن”، صدر عن نادي أبها الأدبي عام 1427هـ.
• ديوان: “لابة غسان”، طبع في بيروت، وصدر عن الدار الوطنية الجديدة عام 1430هـ.
• كتاب: “نشأة وتطوّر فنون الأدب في منطقة عسير: رصد تاريخي”، عن دار الانتشار العربي ببيروت، ونادي أبها الأدبي عام 1437هـ.
• كتاب: “الشعر في عسير”، عن دار الانتشار العربي ببيروت، ونادي أبها الأدبي عام 1437هـ.

• وله كتابان تحت الطّبع.

 

* لا أعترف بي شاعرًا وألجأ إلى القصيدة لأرتاح

2_متى اكتشفت الشاعر أحمد؟ وهل هناك حدث معين جعلك تكتشف فيك هذه الموهبة، أو شخص ما ساعد في اكتشاف موهبتك؟

– لا أعرف ولا أعترف بي شاعرًا منذ القصيدة الأولى حتى الآن؛ ذلك أنني أقرأ للشعراء الكبار نصوصًا تجعلني أخجل مما أكتبه، وبرغم هذا اليقين، فإنني أكتب القصيدة لألجأ إليها، ولأرتاح، وليس كي يُقال عني إنني شاعر، وبين التعاملين مع القصيدة فرق يشبه الفرق بين: المحترف، والهاوي، في أي مجال، وعليه، فإنني غير مُخْلِص للقصيدة، ولا أذهب إليها إن لم تأت، ولا أملك مشروعا شعريّا ذا طريق مرسومة أو خطة واضحة.. هي حالات وحسب، بدأت متعثّرة غبيّة ساذجة في السنة الخامسة الابتدائية، بعد قراءات متلعثمة في دواوين؛ أذكر منها بعض دواوين شعراء عصر بني عباس، ودواوين بعض شعراء الحجاز التقليديين، وانتهت التجربة إلى مآلها الذي لا أرى فيه مزيّة سوى أنها تريحني، وتشفي أسقام الروح وآلامها.

 

3_هل تأثرت بشاعر معين أو اتجاه شعري معين في بداياتك؟ وهل مازلت تجد لذلك أثرًا بينًا على شعرك اليوم؟ أم أنك تحررت من ذلك ونهجت لك نهجًا خاصًا بك تتميز به؟

– البدايات الأولى كانت رديئة والأثار فيها غير واضحة. أما بدايات النشر فهناك آثار واضحة لشعراء مختلفين، منهم: فاروق جويدة، وأحمد بيهان، وأحمد عسيري، وفاروق شوشة، ثم محمد الثبيتي وبعض شعراء الثمانينات في مرحلة تالية أكثر نضجًا من سابقتها، إلى أن صرت أكتبني كما أشاء، وبما تيسّر لي من اللغة.

 

4_مَنْ مِنْ الشعراء السابقين أو المعاصرين ترى أنه قريب لروحك وفكرك وتوجهك الشعري؟

إن كنت تعنين بالسابقين القدماء، فلا أحد؛ لأسباب معلومة تتمثل في اختلاف معطيات كثيرة، أما المعاصرون فجلهم مذكور في السؤال السابق، وإن كنت تعنين بالسؤال شعراء يروق لي شعرهم، ويعبر عني، فأجزم أن الثبيتي، ومحمد زايد الألمعي، والصيخان، والدميني، في المقدمة. وعلى الرغم من جودة النصوص الصادرة عن شعراء أتوا بعدهم ممن احترفوا الشعر احترافًا، وفازوا بجوائز كبيرة، إلا أن نصوص هؤلاء لا تلامس فيّ شيئًا، على الرغم من أنها تبهرني جدًا، وتدهشني إلى حدّ المتعة والذهول، لكنها – كما قلت – لا تلامس فيّ شيئًا، وربما عاد ذلك إلى إيماني العميق بالصدق الفني الذي تخلى عنه المحترفون، ميممين نصوصهم الشعرية شطر السبّك اللغويّ الفائق، والصورة المبتكرة، والمطوّلات الدالة على مهارات شعرية خارقة.

 

5_متى نشرت أول قصيدة لك، وهل تذكر لنا هنا شيئًا منها؟

أظنّ ذلك كان في عام 1409هـ، وكانت قصيدة عموديّة أُكفّر بها عن قصاصات تفعيلية وقعت في أيدي أساتذتي الذين رأوا في كتابة التفعيلة خروجًا على القيم والثوابت!! فطلب مني أحدهم كتابة قصيدة موزونة مقفّاة تليق بسمعتي وسمعه أسرتي ووالدي! وحين كتبتها كافأني على توبتي بنشرها.

 

6_بماذا تلهمك طبيعة أبها الآسرة؟ وهل تحتاج إلى أجواء معينة للكتابة؟

_ أبها ليست مدينة مجرّدة بالنسبة إلينا أهلها.. إنها مدينة حاكمة وحالمة وذات عرش شاهق، تخطفُ القلوب قبل الأبصارَ، وذلك ليس بجمالِها الأخّاذ وحسب، بل بحميميتها وتضاريسها واختلافها عن نظائرها، لتتشكل في ذاكرة أهليها والقادمين إلى حقول دهشتها مدينةً فريدةً باهرةَ الإسناء، مدهشة التفاصيل، عريقةَ الإيحاء.. أبها – كما تحتفظ بها ذاكرة أبنائها – مدينةٌ حديقة، أو بستان كبير، ولذا فإنّ للنبات والاخضرار في ثقافة أهلها مكانةً خاصّة، وكل اعتداء على اخضرارها وجمالها وتاريخها هو هتْكٌ حقيقي (غير مجازي) لعرضها الذي يجب أن يكثُر المدافعون عنه.. وبما أنّ أبها ذلك كلّه فإنها الحاضرة في كل قصيدة أكتبها، وفي كل أغنية أسمعها، وفي كل لحظة إلهام أو إبداع.. (الله يطعني عنها فهي تعاني)..
أما أجواء الكتابة، فلا أظن أنني أحتاج إلى شيءٍ منها، باستثناء وجود مزاج جيد يسمح لي بالكتابة.

 

7_كثرة الشعراء والدواوين الشعرية في هذا العصر كيف يراها الدكتور أحمد التيهاني، وماذا تعني له؟

_ أرى أنها كثرةٌ إيجابية؛ لأنها مرشِّحة، فالخلود والانتشار للشعر الحق، والموت والانحسار للشعر المبهرج، مهما نال من الانتشار الوقتيّ، ومهما نال أصحابه من الأضواء الفلاشية المؤقتة.. الكثرة تمنح المتلقي حق الاختيار، وتدرّبه على التمييز بين: الجيّد، والرديء، وتُمايز بين الزائف وضده..

 

8_ قصيدة لك لا تمل ترديدها مع ذكر مقتطفات منها، وأخرى لا تحب تذكرها؟ مع ذكر السبب؟

_ مسألة ترديد القصائد متعلقة بالحالات، وليست بالنصوص في ذاتها، وفي هذه الأيام، ومنذ أشهر، أردد قصيدة: “حُقرة”؛ لأنها أنا الآن، لأنها تواسيني، لأنها تعزيني، لأنها تريحني، وأقول فيها:

مُهدرٌ..

كالماءِ في الأرضِ اليبابْ

     وخفيٌّ..

مثلَ هاءِ الآهِ في أقصى العذابْ

            ووحيدٌ.. 

يَتَحرّى زفْرةَ الرّيحِ التي تجلو غبارًا

عَجَّجَتْهُ اللحظةُ الحمقاءُ في وجه الضّبابْ

                وعنيدٌ..

يشبهُ اللاءاتِ حين اقتادها الإيمانُ..

نحو الكُفْرِ بالشؤمِ المُغطّى بالهديلِ العذْبِ..

لكنْ..

تحتَهُ ألفُ غرابٍ..

وغرابْ

ناعقتْهم بومةٌ شوهاءُ..

أدْنتهُمْ..

فساسُوها..

ليزدانَ الخرابْ

مُهدَرٌ..

أوْ

أوحدٌ..

أوْ

لا يُرى

قُلْ:

إنّهُ الجُرْحُ الذي وافاهُ جُرْحُ الأرضِ..

فاختارَ الغيابْ

أوْ..

هو النّهرُ الذي خلّاهُ مجراهُ،

فسالتْ أرضُهُ الأُولى..

سرابًا

وتُرابًا  

   وخرابًا

ووشاياتٍ وأحزابًا

وبوّابًا وبابْ

أما القصيدة التي لا أحب ذكرها، فهي منسوبة إليّ، ولا أحب ذكرها، على الرغم من أنها تشكل سؤالاً مثيرًا في الحوارات الصحفية، كما لا أحب ترديد ما أجبرت على كتابته من القصائد، كقصيدة أشرت إليها في سؤال سابق.

 

9_أين نجد الدكتور أحمد التيهاني بين الشعر الحر والشعر العمودي؟ وهل له رأي خاص بشأن هذا الموضوع ؟

_ الأقرب هو ما يعبر عن الحالة أو التجربة الشعورية، فالقالب الإيقاعي ليس مهمّاً، وشعرنا كله بعيد عن المجتمع لأسباب كثيرة نعلمها ويطول الحديث عنها، والإجابة الوافية الشافية تجدها عند د. مرزوق بن تنباك، في كتابه: “الفصحى ونظرية الفكر العامي“.

أما الإيقاع، فهو حالة، وقد تكون القصيدة الموزونة المقفاة معبّرة عن تجربة شعورية ما، فيما تكون قصيدة التفعيلة معبّرة عن تجربة أخرى، وبالمناسبة: مصطلح الشعر الحر مصطلح عفى عليه الزّمن ولم يعد مستخدمًا، والمصطلح القارّ الآن هو مصطلح: شعر التفعيلة، أو قصيدة التفعيلة؛ لأن المصطلح القديم: الشعر الحر، ومصطلحات أخرى، مثل: الشعر المنفلت، والشعر المرسل، وغيرهما، جاءت في سياق الهجوم على مجددي الإيقاع الشعري العربي لأسباب سياسية خالصة، وليس لأسباب فنيّة، فضلاً عن أنه صدر عمّن لا يعرف الإمكانات التقنية الإيقاعية الهائلة التي تتمتع بها قصيدة التفعيلة، تلك التي كان ابتكارها حدثًا مهمًّا وعظيمًا في تاريخ القصيدة العربية التي كادت أن تتحول إلى مسوخ نصية، أو نسخ مترهلة من القصيدة العربية القديمة، إلى أن جاءت قصيدة التفعيلة فأعادت القصيدة إلى شعريتها.

 

10_ لدواوينك عناوين مميزة حقيقةً، ( أماريق، فاعلاتن، لابة غسان) هل تذكر لنا سبب اختيارك لتلك العناوين ؟

_ جلها عنوانات منتزعة من الأرض.. من أبها.. من عسير.. من حقولها وحصادها وأهازيج رعاتها وصارميها وباذريها.. فـ”أماريق” هي رؤوس السنابل، وهي تعبير عن الطالب الريفي البسيط الذي يرى في الأماريق جماليات لا يراها فيها غيره، وهو معبّر عن الديوان الأول الذي كتبت جل نصوصه وأنا طالب في المرحلة الجامعية.
أما “لابة غسان”، فهو تعبير عن خذلان ما، في مرحلة صراع ما، رأيت خلالها الحركيين الغزاة من (إخوان وسرورية وأشياعهم وأشباههم) ينتصرون على الحياة مستقوين بالغافلين من قومي (لابتي)، وفي الغافلين مثقفون أسماء، خالون من الوعي، جبناء عن اتخاذ المواقف، و”غسان”، اسم من الأسماء التاريخية لجبل عسير، وأزعم أنه ورد في بعض المصادر التاريخية والمكانية.
أما “فاعلاتن”، فهو ابتهاج بنصٍّ ما، كتبته قريبة عظيمة وعزيزة جدًا.
هذا كل ما في العناوين من أسرار.

 

11_هل هناك شاعر مشهور قديمًا أو حديثًا لكنك لا تحبه، ولِمَ؟

_ لا أحبّ العظيم الخارق المتنبي؛ لأن الشعر عنده وسيلة شعرية، إلى غايات غير شعرية، ولا أحب كلَّ من سار على طريقه، واتبع نهجه.
أقول هذا على الرغم من أنني أشفق عليه وعلى أمثاله، فقد كانت أدوات المتنبي كافية لإيصاله إلى المراتب العليا، ومن ثم الحياة في رغد يتسق مع ذي العقل الخارق، والذكاء الفريد، والموهبة الفذة، خاصة وأن اللغة كانت – حينئذ- أهم المؤهلات المطلوبة في الوزير أو الوالي، لكنها لم تمنح المتنبي الحد الأدنى من طموحاته، مما جعله يصل ـ في داليتة الحانقة ـ إلى ما يسميه علماء النفس بالجري وراء الفكرة الثابتة، حتى الضياع من أجلها، مما يجعل الحياة كلها جبلاً هائلاً من الإحباط والضجر والحنق على الصاعدين بغير سلالم حقيقية، إلا السلالم المكونة من جهد الآخرين وعنائهم وقدراتهم.. تلك الدالية العيدية هي الشقاء الفردي في صورته الواضحة؛ فالناس يحسدون المتنبي على شقائه، بينما هو في محنة ليس في مثلها سواه، مما يجعله منقسمًا على ذاته إلى شطرين هما: المتنبي الذي يحسده الناس، والمتنبي المحبط المنكسر الذي لم يستطع تحقيق الحد الأدنى مما يطمح إليه، وفي مثل هذه الحال، فإنه وأمثاله قد يتحولون إلى أشرار حقيقيين، يسحقون الناجحين دون أي وخزة في ضمائرهم، وقد شهدتُ في بعض أتباعه هذه الخصلة المدمرة.
إن الحنق القوي في تلك القصيدة، دليل قوي على أن المتنبي قد وصل في النهاية إلى الفراغ، وإلى لا شيء، وذلك بعد مرور زمن طويل هو العمر، زمن كله مجالدات ورحلات وصبر وتذلل متعال، ثم كانت النتيجة الأفول، ويالها من نتيجة لا يملك شاعر أمامها إلا أن يغني “أنشودة الغضب” الفاخرة، لتكون شيئًا شبيها بنواح الثكلى على من قُتل غيلة.

 

12_أحمد التيهاني وجه إعلامي معروف، يتميز بفصاحته وهدوئه وثقافته الواسعة اللافتة للأنظار منذ أول وهلة.. كيف كان دخولك للوسط الإعلامي ومتى، وكيف علاقته به الآن؟

_ دخلت إلى العمل التلفزيوني من بابه، فأجريت اختبار “مذيع”، واجتزته، وبدأت العمل مدعومًا من الشاعر الراحل علي آل عمر عسيري – رحمه الله – حين كان مديرًا لمحطة تلفزيون أبها، ثم من الزملاء كلهم سواءً أكانوا فنيين أم إداريين، أم إعلاميين، ثم نلت دعمًا فائقا من الأستاذ صالح الشريفي، ثم دعمًا ممتازًا من الأستاذ سليمان العيدي، والأستاذ محمد العوين، والأستاذ عوض القحطاني، ثم الأساتذة الكرام الذين أشرفوا على القناة الثقافية في وقت لاحق، كالأستاذ محمد الماضي، والأستاذ عبدالعزيز العيد، والأستاذ عادل البريه، وغيرهم كثيرون هم في القلب والذاكرة كلهم.. دخلت إلى هذا المجال، ووجدتني لا أخرج منه إلا بقرار؛ لأنه دوامة ممتعة جدًا، ومتعبة جدًا، وصارفة جدًا.

 

13_برأيك هل مذيعي الفترة الحالية مثل أو أقل من مذيعي الأمس الكبار، وما تعليلك لإجابتك ؟ ومن يعجبك من المذيعين الحاليين ؟ ولماذا؟

_ جل مذيعي اليوم أقل دون شك من سابقيهم، سواءً أكان ذلك من جهة اللغة وسلامتها، أم من جهة المعرفة وسعة الاطلاع، بيد أن لبعض مذيعي المدّة الراهنة حضورًا ممتازًا، ويعجبني منهم كثيرون، أخص منهم: خالد مدخلي، ونايف الأحمري؛ لأن لهما حضورًا ممتازًا، ولغة جيدة، هذا عند استبعاد المحاورين الجيدين وهم كثيرون.

 

* أسوأ ما في العمل الإعلامي الجحود

14_ما أجمل ما في العمل الإعلامي وما أسوأ ما فيه ؟

_ أجمل ما فيه كثرة التجارب والخبرات، سواءً أكانت فنية، أم حياتية، وأسوأ ما فيه الجحود. وعندي أنه لا يوجد كُفْر يشبه الجحود؛ فهو دناءة في ذاته بوصفه إنكارًا وتنصلاً ومناقضًا لشيمتي: الوفاء، والشكر، وهو – أيضا – إيذاء بوصفه فعلاً ذا أثر يتعدى إلى “المجحود” بالإيلام، فلا يتوقف عند الفعل نفسه، وإنما يمتد إلى المجحود بوصفه مظلومًا ظلمًا مضاعفا؛ لأنه – بطبيعته البشرية – يتشوف الوفاء والإنصاف، ليُصدم – في الوقت الذي يتوقعهما – بالجحود، وهو نقيض المروءات والشيم التي دأب العربي على الفخر بها، فيما يتخلى الجاحد عنها عامدًا، لأنه “براجماتي”، أو “نذل” أو “قليل خير”، أو “عديم تربية”.
وأسوأ الجحود وأقساه يا سيدتي، هو جحود الفعل الذي يهدف منه صاحبه إلى مصلحة الجمْع – أهلاً ووطنا – لا مصلحة الفرد؛ ذلك أن الفاعل من أجل الجمْع، يتفانى ويضحي ويصارع ويعاني، وقد يتأذى؛ ولذا يكون الوفاء معه “بلسما”، ويكون جحود فعله شبيها بإعادة آلام معاناته، وجراح صراعاته، إلى قطرتها النازفة الأولى، مما يجعل جحود الفعل العام الذي لا يهدف فاعله إلى كسب، أو مصالح ذاتية، جحودًا في الدرك الأسفل من الجحود، وبالتالي يكون ناكرو الفعل من أجل الجمع، في الدرك الأسفل من “اللاإنسانية”.، ويشهد الله أن العمل كان للمصلحة الجمعية أكثر من أن يكون لفوائد الذات ومصالحها.

 

15_لك نشاط في التأليف أيضًا، وقد فزت بجائزة الملك عبدالعزيز للكتاب عن كتابك دراسة شاملة للشعر في منطقة عسير في العهد السعودي خلال الفترة 1351 إلى 1430، ما منطلقك لتأليفه، وما الصعوبات التي واجهتك، وما هو الهدف من تأليفه بالضبط ؟

_ جل ما ورد في هذا الكتاب مستلٌّ من رسالة الدكتوراه، وعنوانها: الشعر في منطقة عسير من عام 1351 إلى عام 1430، وقد دفعتني إليه – على الرغم من كثرة الصعوبات – دوافع كثيرة، منها:
– عدم وجود دراسة وافيةٍ عن الشّعر في منطقة عسير، في العهد السّعوديّ، باستثناء دراساتٍ تركّز على نشأة الأدب، في هذه الجهة، وتتوقّف عند سنة 1380هـ، أو دراساتٍ موجزة، تعتمد على بضعة عشر شاعراً.
– أنّ أكثر الدّراسات المتعلّقة بالأدب السّعوديّ، لم تُظهر اهتماماً بالشّعر في منطقة عسير، إلا من خلال إشاراتٍ يسيرةٍ جدّاً، وأكثرها لا يتجاوز الإشارة إلى شاعرٍ، أو شاعرين، من الجيل الأوّل، هما: زاهر بن عوّاض الألمعيّ، وعبدالله بن علي بن حميّد.
– أنّ الشّعر في هذه المنطقة، يمتاز عن غيره، في المناطق الأخرى، ببعض السّمات الموضوعيّة التي فرضَتها طبيعة المكان، وبسماتٍ لغويّة لا توجد في شعر المناطق الأخرى، وهي سماتٌ استمدّها الشّعراء من لهجاتهم المحليّة التي يرون فصاحتها، فضلاً عن أنّ أثر ثقافة المكان، لم يقف عند حدود الموضوعات، واللغة، بل تعدّاهما إلى الصّورة الفنّية، والموسيقا.
– وجود دراساتٍ مناظرة، عن الشّعر في مناطق سعوديّة أخرى، فقد نال الشّعرُ في: نجد، والحجاز، أكثرَ من دراسة، بعضها لباحثين أكاديميّين، وبعضها لأدباء نقّاد، وحظي شعر جازان بدراسة وافية للدّكتور حسن بن أحمد النّعمي، ودرَس الدّكتور إبراهيم المطوّع الشّعر في القصيم، كما تناول الدّكتور خالد الحليبي الشّعر في الأحساء، وبحثتْ الدّكتورة إلهام الغنّام الشّعرَ في المنطقة الشّرقيّة، ممّا جعل الباحث يرى حاجةَ الشّعر في عسير، إلى دراسةٍ مماثلةٍ، تكملُ حلقاتِ دراسة شعر الأقاليم السّعوديّة، وتبرز الفروق.
– كثرة الشّعر والشّعراء، في منطقة عسير، وعلى الأخصّ، بعد سنة 1400هـ، إذ غزرَ الإنتاج، وتعدّدت الاتجاهات، وتتابعت الأجيال، وتمايزتْ، وكثرت الدّواوين، وبرزت أسماءٌ شعريّة مهمّة، كان لها أثرٌ وحضور واضحان في المشهدين الشّعريّين: السّعوديّ، والعربيّ.
– أنّ تلك الدّراسة ستفتح – بإذن الله – الأبواب، لدراساتٍ جزئيّة، تكشف عن الفروق الفنّيّة بين الأجيال الشّعريّة في هذه المنطقة، وترصد الظّواهر الفنّيّة، والموضوعيّة، وهو ما حرصت على الإشارة إليه، في غير موضع من الكتاب.

 

16_بصفتك عضوا في نادي أبها الأدبي كيف تجد مواكبة الأندية الأدبية السعودية لحالة التأليف والنشر المتزايدة في السنوات الأخيرة ؟ وما أسباب هذا النشاط الكبير لدى المؤلفين لدينا؟ وهل هو حالة صحية بنظرك ؟

_ هو دون شك حالة صحية، وأزعم أن النشاط الأبقى والأهم، والأجدر بالاهتمام في الأندية الأدبية هو نشاط الطباعة والنشر؛ لأن مطبوعات الأندية الأدبية عبر خمسة عقود هي المكوّن الأكبر لأدبنا ونقدنا وتاريخنا وثقافتنا في إطارها العام، ولا يمكن لأي باحث في هذه المجالات أن يستغني عن نتاج الأندية الأدبية المطبوع، بل إن هذه المطبوعات هي التي صنعت الأفكار البحثية في الأدب والنقد والتاريخ الوطني.

 

17_كيف هي علاقتك بطلابك، وبماذا تنصحهم؟

_ هم أصدقائي وأبنائي، ولك أن تسألي أيّا منهم، وأقول لهم: إن المنافسة في جيلكم بلغت الذروة في المجالات العلمية والحياتية على السواء، فامتازوا.

 

18_كلمة تقولها للطلاب المتفوقين لكن قد تكون لديهم ظروف تعوقهم عن بلوغ ما يتطلعون إليه ؟

_ لا تيأس، فلك حق ستناله.
* لم تعد الجامعات الخيار الأمثل لخريجي الثانوية، وعلى الجامعات نفسها ابتكار البدائل.

 

19_هل مازالت الجامعات هي الوجهة الأولى والخيار الأمثل لخريجي الثانوية ؟ وهل هناك بدائل أفضل توصي بها الطلاب والطالبات؟

_ لا، لم تعد البرامج التقليدية التي تقدمها خيارًا أمثلا، والبدائل يجب أن تبتكرها الجامعات نفسها، وأزعم أنها تعمل على ذلك.

 

20_في ظل رؤية المملكة 2030 أين تجد جامعة الملك خالد، وما أبرز المنجزات التي حققتها؟ وما مدى قدرة الجامعات على تحقيق مخرجات تتوائم مع هذه الرؤية المباركة؟

_ لست مفوّضًا بالحديث عن الجامعة، ولا يحق لي، لكنني أتفاءل وأثق.

 

21_كلمة الختام لك دكتور فتفضل بما تشاء؟

_ منذ زمن لم أجب على أسئلة حوار.
لا أدري، لِمَ تحمست لهذا.
شكرًا لك.

التعليقات

  1. يقول محمد:

    ما شاء الله الدكتور احمد استمتعت جدًا بهذا اللقاء الصحفي شكرًا لك وللاستاذة الالمعية لقاء صراحة مثري ومفيد بارك الله فيكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود