في ظِلالِ بيت (4)

بقلم: طارق بن خويتم المالكي*

ما دَخَلَ اليهودُ من حدودِنا

وإنّما تسربوا، كالنمل، من عيوبِنا.

نزار قباني*

تُعقَد المؤتمرات الكبرى، وتؤلف الكتب والأبحاث، وتُجرَى الحوارات مع العلماء والمفكرين؛ للبحث في أسباب تخلف أمتنا الإسلامية. وتؤول النتائج إلى تشعّبات كثيرة لا حصر لها، كأغصان شجرة العنب. و”كلٌ يدّعي صحةَ العقلِ” كما قال المتنبي، ويحاول البعض أن يدلو بدلوه في البئر، ليسقينا العذب الزلال بعد الجفاف الشديد والظمأ الحارق؛ لعل أن يعود إلى جسم الأمة الحيوية والنشاط، ولكنها محاولات لا تعدو النقش على صفحة الرمال، أو الرسم على وجه الماء.

إنّ أعظم سبب يقف عليه هرم تخلفنا المخيف في حجمه؛ هو بعدنا عن كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه. هذا الكتاب الذي يحوي في آياته هدىً للذين آمنوا؛ هدىً ليس في العلم و الاقتصاد وغيرها من علوم الحضارة الحديثة وحسب؛ بل حتى في الأفكار والعواطف للأفراد، والعادات والتقاليد للمجتمعات. وهذا البعد ندفع ثمنه يومًا بعد يوم ويهوي بنا إلى هاوية لا نعلم أين قعرها ومتى؟! إنّ أُمةً، دولاً وأشخاصًا، لا تسير على نهجٍ واضح ومبادىء ثابتة، كقائد السيارة الذي لا يعلم إلى أين يذهب ولا أين سيقف ومتى.

من أسباب تخلفنا الرئيسة، كأفراد، التي قلّما التفت إليها باحث، هو العقل العربي. وأقول، هنا، العربي وليس الإسلامي، والعربي المسلم، بلا ريب، هو جزء من الأمة الإسلامية. العقل العربي يهوى الجاه، ويتربّى على الظهور، ويُؤْمِن بالعمل الفردي، ويعشق التقليد والجمود، ولا يسمح لغيره أن يشاركه صنع القرارات، ولا يقبل الآراء المخالفة، ولا يحبّذ النقد إطلاقًا، ويشخصن الخلافات كثيرًا. ولو التفتنا يمنةً ويسرةً في أعماقنا، وفي أُسَرنا وأعمالنا من حولنا، لوجدنا هذه الصفات حاضرةً معنا.

كتَبَ نزار قباني البيتَ، الذي نتفيأ ظلاله هذه المرة، في قصيدته الشهيرة “هوامش على دفتر النكسة” عَقِب هزيمة حرب حزيران القاتلة التي تسيل دماؤها إلى يومنا هذا! وهي القصيدة ذاتها التي جعلت الرئيس المصري الأسبق جمال عبدالناصر يُصدِر أمرًا بمنع نزار من دخول مصر، والكف عن نشر قصائده في وسائل الإعلام المصرية بعدما ملأت السمع والبصر، فما كان من نزار إلا أن بعث الرسالة التالية إلى عبدالناصر:

سيادة الرئيس

إذا كانت صرختي حادة وجارحة، وأنا اعترف سلفًا بأنها كذلك، فلأن الصرخة تكون بحجم الطعنة، ولأن النزيف يكون بمساحة الجرح. من منّا يا سيادة الرئيس لم يصرخ بعد 5 حزيران؟ من منّا لم يخدش السماء بأظافره؟ وماذا تكون قيمة الأديب يوم يجبن عن مواجهة الحياة بوجهها الأبيض والأسود معًا؟ ومن يكون الشاعر يوم يتحول إلى مهرج يمسح أذيال المجتمع وينافق له؟ لذلك أوجعني يا سيادة الرئيس أن تمنع قصيدتي من دخول مصر، وأن يُفرَض حصار رسمي على اسمي وشعري في إذاعة الجمهورية العربية المتحدة وصحافتها.

القضية ليست قضية مصادرة شاعر، القضية هي أن يسقط أي شاعر تحت حوافر الفكر الغوغائي لأنه تفوه بالحقيقة. لا أطالب يا سيادة الرئيس إلا بحرية الحوار، فأنا أُشتَم في مصر ولا أحد يعرف لماذا أُشتَم، وأنا أُطعَن بوطنيتي وكرامتي لأنني كتبتُ قصيدة، ولا أحد قرأ حرفًا من هذه القصيدة. يا سيدي الرئيس لا أصدق أن مثلك يعاقب النازف على نزفه. لا أصدق أن يحدث هذا في عصرك.

بيروت

30 تشرين الأول 1967

التوقيع

نزار قباني

بعدما تلقّى عبدالناصر الرسالة، رفع الحصار على نزار و قصائده، و عاد كما كان.

في رأيي الشخصي المتواضع، أنّ هذا البيت التفعيلي من بحر الرَّجَز، هو أجمل وأبلغ بيتٍ كتبه نزار في حياته الشعرية التي أضاءت الأدب العربي على مدى ستة عقود. ويبلغ استغرابي حدَّ الذهول عندما لا أرى له انتشارًا كما تنتشر قصائد نزار “العارية”. فهل العرب مشغولون بعواطفهم و شهواتهم عن إعادة مجد أمتهم؟ أظن ذلك، و هذه إحدى الجحور التي تسرّب النمل من خلالها!

البيت الشعري الرائع يتضمن حِكَمةً نادرة مؤثرة، أو يلخّص تجارب بشرية كثيرة، أو يحوي توجيهًا واعيًا وراشدًا، أو يتكوّن من لوحة طبيعية فنية جميلة. وهذا سبب خلوده عبر الزمن وذيوعه بين الناس، وهو خاصية في الشعر قلّما تكون في غيره من الفنون.

كاتب سعودي*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *