المواكب

قصة قصيرة
للقاص / محمد بن ربيع الغامدي *
أحببتها كثيرا هذه المواكب، عشقتها حتى باتت جزءاً من يومي، أهلها أهلي واصحابها صحبي، وعلى وقع خُطاهم الحثيثة أنسج أحلامي، أتحرك معها إذ تخرج من الباب الكبير، أسير بمحاذاتها حينا، وحينا كما هو حادث الآن في قلبها. أصمت إذا صمتوا وأجهر إذا علت أصواتهم، أفرح كثيرا إذا تعددت المواكب، أتنقل بينها، أنتقل من موكب لآخر، جميعها تخرج من الباب الواسع الكبير وتتجه غرباً، أراقبها وأراقبهم جيداً، أراقب الأيدي والأقدام والأفواه والمحاجر، أراقبهم وأجعل وجهي طوع أعينهم.
هناك قبيحون في هذه المواكب، وهناك قبيحون جداً، وهناك الأشد قبحاً ومنذ قليل كان بعضهم يسعى لإخراجي، حاول لكني تشبثت بالموكب، ضاق بي ذرعا فصرفت عنه وجهي، ألحّ علي فانتقلت للضفة الأخرى، أغراني بالمال فأغنيته بكبريائي، احتدّ حتى سمعت صرير أسنانه فتجاهلته، صفعني على وجهي فصفعته بصبري، لوى ذراعي ففتلت يدي وخرجت سالما، دفعني فانحدرت بعيداً عنه، بصق في وجهي فمسحت وجهي بطرف كمّي، تركته يفعل ما يفعل فهذه المواكب لي، هذه المواكب قدري.
يتسعر الحنق في داخلي وتتكسر في حلقي الأسئلة، كيف لا يشغلهم جلال الموكب؟ ولا هيبة هذا العرش فوق رقابهم؟ ولا أبّهة صاحب العرش، يسيرون تحته أذلاء، أنوفهم منكسة وأنفه للسماء ومع ذلك فلا يشغلهم كائن سواي، كل واحد منهم يريد أن يقول شيئا، يشتمني، يصفني، يضع وسماً على خدّي.
ذاك القبيح على أطراف الموكب، الفضول الذي يمشي على قدمين، اقترب مني وهو يقول مسكين. أما الأقبح الذي كان يمشي خلفي فقد قال مسكين مجنون، بينما قال الأشد قبحا: مسكين مجنون ملعون. ثارت ثائرتي دون أن يتمعر وجهي، قالوا مسكين ولست بمسكين على الإطلاق، مجنون وما كنت كذلك، ملعون وما أنا بملعون، لا مسكين ولا مجنون ولا ملعون! كيف أمشي يومياً في هذه المواكب الباذخة المهيبة وأكون مسكيناً، كيف أتجنب أذاهم وأكون مجنوناً، كيف أكون ملعوناً ورحمات ربي تتنزل عليّ؟
يصل الموكب غايته وقد أخذ مني التعب كل مأخذ، تعب جسدي وتعبت روحي، وهم أيضا تعبوا، تعبوا فالحمل ثقيل جداً، أنزلوه من فوق رقابهم وحملوا صاحبه، أنزلوه في حفرة عميقة وعندما استقر في أسفلها دفنوه وذهبوا.

 * كاتب وروائي سعودي 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *