رحيـــل “بالبقاء” !

بقلم: هيثم محمّد البَرغش آل ريّس*

أرحلُ بالبقاء، هكذا كما تقلبُ الأشياءُ لنقيضها، وتصبح معادلة وجودنا فرطٌ من الهراء…فالذي يتداعى للسقوطِ في كل مرّة، ليست نفوسنا، ولا جروحنا التي توقفت عن نزيفها إذ لم يبقى فيها ذكرياتٍ تتسربُ من “ذواتنا” لتسكن ذوات الأشياء والكائنات الأخرى، وإنما بقاؤنا امتلك قيمة كبيرة اندثرت ببساطة وجعلتنا كائنات محنطة عاجزة على أن تفعل شيء آخر وهنا تكون باهضة وثمينة بمظهرٍ بشع!.
أحيانًا أبتسم بسهولة، أضحك كثيرًا، أتلقى عِباراتك الوقحة بلطف وكأن شيئًا لم يكن، فهناك شيءٌ جميل بأكثر الكيانات قُبحًا، وهناك تعبيرٌ مجازي رائع بأكثر العباراتِ دنوءً تلك التي نشمئزُ مِنها لكنها تشيرُ وتضيء ذلك الجانب الذي جاهدنا كثيرًا على إخفاءه.
غربية، لم أعد أستطيع رؤية الأشياء القبيحة التي يفعلها ذلك النزقُ الشعوري الذي تقنع بهِ، وأصبحتُ أتناول هذهِ الأفعال الغريبة ككعكٍ لذيذ، يالمذاقه الذي يُغيبني عن هذهِ “الأفكار” المتسربة من قاعِ الوهمِ إلى حدائق الذاكرة الغناء… قِطافٌ تدنو، كلماتٌ ترسو على محيط عينيّ، لقد بِتُ من بعدُ جسدًا من كلامٍ ومعنى جميل.
أسافرُ إلى عينيّ المغروقتان بالدموعِ؛ وأتحسسُ مِدادَ صمتي البعيد، جاسًا لغتي الغيمية في مدارات الكواكبِ الدوارة على جسدي… تفجر الصمتُ، لم يعد إلى الكلامِ، وحُمل أفعالاً تنوء بها الفعالُ؛ أرى قلبي وقد خط طريقًا إلى ضوئي… تكسر الضوءُ، إنحناءهُ بين الردهاتِ، جاعِلاً الغافين في السباتِ الطويل يديمون بالبقاء الوفير إلى الهروبِ القديم.
أرحلُ لا بالرحيلِ، فإنّي باقٍ في سويداء “الأشيــــاء” ، في قافيةِ الأسئلةِ التي تتردد روحةً ومجيئًا بالخوالدِ المتعبة ؛ لقد حان وقتُ الخروج الآن لألقاني بوجهةٍ ثانية، بوجهٍ تتلألأ تفاصيلهُ؛ سحنتهُ التي صارت للحبِ وطنا، يا وطن الحبِ تجمعُ إليك الأوطانُ المورقةُ ربيعًا رقاصًا.
أوزع صوري على المارة، لألقى وجهي بالوجوهِ الأخرى، السحنُ التي تصبح طوابعَ تتشبهُ بي، وتنقل كلماتي للوجودِ المديـــــد. يتشكل وجهي في الوجوهِ الأخرى، وجهي نبتةٌ دُرية تضوي على الذواكر التي تعشقني. ما أحلى تناولي هذا الفراغ الذي يتجسدني…
أرحل بالبقاء، حينما تبدلُ الأشياءُ فلا يعود للمعنى أثرهُ الذي يسلخ، للمعنى الذي يصبح سجادةً للماضين إلى المجهولِ؛ حينما تكونُ الرحلةُ دورانًا إلى “اللقاء” كرّةً أخرى، لقاءٍ يتكررُ لكنه لا يعودُ لصورةٍ كأنها إذ نبدلُ ” ذواكر” أخرى، أجسادًا، ووجودًا جديدًا بالحياة، أخرجُ من ذاتي ذاتًا أخرى، أسعى إليّ مِني، وأوزعُ الصباباتِ وجودًا بالوجودِ الذي ينمو في لغتي، ما هذهِ الأنحاء التي تتفتقُ فيضًا من نورٍ يتدثرني…؟ إنهُ جسدي. تتضخمُ الأنّةُ ارتدادًا، تصبحُ غيمةً ساعية بين القرى الملتحمة، في ملامحِ الذين قطنوا الطين وتوحدوا بهِ؛ أسألُ طيني عن مائي اللغوي في الكلماتِ أيطفقُ من المعاني حللاً وجببا؟ .
يا قريتي في القرى الأخرى، يا لغةَ اللغةِ التي تكتبني، هلمي إلي قلبًا في القلبِ الذي يتعطشني…جرحي الهطالُ ترياقٌ يصيرُ انبثاقًا ديمومويًا إلى الفراغِ الذي يكتبُ كويكباتهِ إلى الأبوابِ المشرعةِ في الوجود الذي يتصهرُ بي.
وجدتُ وراحت الدموع تبني سدها في عينيّ؛ الآن يشرقُ الكون منها ويبتهجُ، قلبي مدينة عشقٌ فهل عساها في الانهمارِ تحتويك؟ ربما بالخروجِ مِني عابرًا إليك في الذواتِ الأخرى، يا ذاتَ العذوبةِ الحلوةِ، يا زكاةِ الجراح السالفة؛ جمالاً لا انتهاء لهُ، الآن أصبحتهُ أكثر الكائنات اشراقا…. يستدعي الرحيلُ النمطي “ذاكرةً” ولم أتذكر شيئًا سواي، هل أقول أنّي أنسى وأنا لم أتذكر!.
يا عاهل آلام العالمين، يا لغةَ الحبِ يا ملك الحبِ…سعى الرحيلُ في بواطنك مستوطنًا قلبك الوطن الذي يسعى في الكائناتِ جمالا.

كاتب سعودي*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *