هناك فؤادي

 

قصة قصيرة *

للقاصة / حصة البوحيمد *

أرقب وسائل التواصل وهي تعج برسائل التهنئة بقدوم ضيفنا المنتظر بشوق، كفاهم النسخ واللصق كلفة التزاور ولومة العاتب.

نفحات الحنين تجود لي بمسافاتٍ خارج اللحظة، تنثال سطورٌ من رمضانيات الطفولة على جدار الذاكرة، أقرؤها بفؤادٍ يكابده شوقٌ لتفاصيلها، ليس هناك استعدادات مسبقة فكل شيء يأتي في وقته فلا مبالغة ولا تكلفة ولا تخزين ولا تفريز.

يداعب سمعي صوت المدفع المعلن لوقت الإفطار ليعقبه الآذان، ونحن نصطف حوله بشقاوة الطفولة وحب المغامرة رغم زجرنا وتحذيرنا من الاقتراب منه، نداء أمي يلمنا حول سفرة الإفطار، سفرتنا عامرة بالرطب والقهوة والشوربة واللقيمات والمريس والتطلي(الحلى الفخري لعصرنا الحَلِيبيّ)، وكثير ما يكون لجيراننا نصيب من سفرتنا، كنا نجتمع بحواسنا وأجسادنا بعيداً عن انعزالية العولمة.

عودتنا أمي على الصيام دون رقابة منذ سن مبكرة، أتذكر يوماً فتنتُ على أخي الأصغر لأنه شرب ماءً وهو صائم كنت وقتها في السابعة من عمري وأخي في الخامسة، تجاهلتني أمي ونظرتْ إليه محتويةً ارتباكه بابتسامة يشوبها لوم وقالت: الله يراك.

يذهب أبي لصلاة التراويح وترافقه أمي ،وبعض الأحيان ،تأخذني معها على مضض بعد جرعة بكاء وإلحاح، أنام منذ دخول المسجد وحتى توقظني أمي لنعود للبيت أو لزيارة إحدى جاراتها القريبات من المسجد.

أتذكر شفرة النداء لبنات الحي التي تنطلق عند كل باب لتجمعنا بعد الإفطار في البرحة

(اظهروا سارة علينا واربطوا نورة بدلها) ترانيم لا تركلها الذاكرة مهما طال انزواؤها،

أخرج وأخواتي للعب معهن استجابة للنداء كما تعودنا كل ليلة (الحبلة و المقطار و الغميمة و طاق طاقية) هي ألعابنا وسلوتنا، ننام وتوقظنا حزة السحور، وقد أعدت أمي “الكبسة”على لحم ضأن يشتريه والدي من الجزار وهو عائد من مزرعته، وقدح من اللبن الطازج من الماشية المرباة في البيت كعادة أهل القرية ينهض، الجميع بعد معاناة أمي في إيقاظنا، نحلق مع أبي حول سفرتنا، تتلاصق أرواحنا قبل أكتافنا المتنافرة في حاضرنا.

رنين الهاتف المحمول يضع نقطة النهاية ويبعثر الحكاية، أعود لحاضر يفتقد لأبطالها بفكر متثاقل ونصف ابتسامة رصيد من المكالمات التي لم يُرد عليها تملأ شاشتي، (الشهرعليكم مبارك) هي عبارة التواصل ثم نعود لعزلة الأجساد والقلوب، أقفلتُ هاتفي وروحي تدلق نشيدها:

متى يازمن قلبك يلين ..  يبيد من ذاكرتي الأنين

أو موعد اللقيا يحين

لا تقل كل اللقاءات أزل … 

ولا تقتل في مواعيدي الأمل

ودعني للشوق أرتشف …

من غيمة الذكرى بلل

* قاصة من السعودية

18 thoughts on “هناك فؤادي

  1. متألقة دائما مبدعه ي أم عبدالله
    قصة جداً رائعه تعود بنا للماضي الجميل بين سطور ها

  2. ماشاءالله قصة رائعة جداً أدخلتني الى الزمن القديم الجميل الذي لم أعشه 👏🏼

  3. الإسلوب جزل تمازجت فيه الفصحي بالترانيم الروحانية و الوجبات الشعبية الرمضانية ،
    النص في جملته قطعة نصية موجزة توافرات فيها عناصر القصة القصيرة من مقدمة موجزة تفعم ذهن القارئ بمعنىً كبير بكلمات قليلة مع توفر الزمان المجسد بشهر الصوم و الغفران لترسم لنا القاصة ذكريات و شخوص طفولتها خلال هذا الشهر الكريم في بوتقة قدسية قالبها هو ميزان الادب القصصي الشعبي القصير .

  4. و يَبقى شيء من عَبق الماضي عالقُ بنا رُغم الزَمن.. شيء تّعجز يّد النسيان أن تطاله

    🌹

  5. قصة جميله كتبت باسلوب بسيط واستخدمت المفردات المتداوله في حياتنا اليوميه،،، تختاج الكاتبه اللي التركيز علي المفردات اللغويه الصحيحه في اللغة العربيه وتطعيم القصه بشئ من السجع حتي تاخذ القصه نغم موسيقي يطرب اذان السامع وهي بداية جيده لكاتبة واعده باذن الله

  6. عودنا للماضي الجميل بين سطور هذه الفصة المعبرة
    متألقة دائما ي أم عبدالله

  7. قصة جميلة رائعة بروعة وجمال كاتبتها عشت معها الماضي الجميل وبراءات الطفولة ❤️اأم

  8. إنها قصة اكثر من رائعه لما فيها من معاني وذكريات جميله تذكرنا بماضينا الجميل الطيب مشكوره لما قمتي به من إبداع

  9. قصة جميلة كيف أعلق على مثل هذه القصة التي عيشتني زمن الطفولة وقت قرائتي لها زمن الطفولة والراحة رجعت بي الى زمن جميل وزمن فيه الناس يحبون بعض ووكأنهم إسرة واحدة تجمعهم الكلمة الطيبة والأكل المتواضع والبيوت المتقاربه والألعاب الجميلة والمفيدة والغير مكلفه زمن عكس زماننا ليس له مقارنة انني أعجز ك أحكي عن هذا الزمن لما فيه من حياة جميلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *