السيرة الشعرية الغيرية (عمرية النحوي أنموذجا 2 من 3 )

السيرة الشعرية الغيرية

(عمرية النحوي أنموذجا 2من 3) 

د. مصطفى الضبع*

                                 

في عشرة مقاطع تقع قصيدة النحوي، والمقاطع تتجاوز كونها مجرد  شكل شعري لقصيدة تختار شكلها وفق ما تطرحه من موضوع إلى كونها مجموعة من العناصر المتشاركة في تشكيل رؤى مختلفة للشخصية التي تمثل موضوع القصيدة وتكتسب منها نظامها الشعري ، وهو ما يجعلنا نرى القصيدة :

  • مجموعة من الإيقاعات أو المعزوفات الموسيقية.
  • مجموعة من التفاصيل تشكل خطا دراميا صاعدا يعتمد على الفلاش باك.
  • مجموعة من الصور التي تمثل جدارية.
  • مجموعة من العلامات الدالة الموظفة شعريا لإنتاج الدلالة النصية.

وهي عناصر تجعل النص منفتحا على عدد من القراءات تكاشفها واحدة من العناصر السابقة فكل منها يجعل النص صالحا لقراءة مستقلة كما يمكنها ان تجتمع جميعها في قراءة جدارية تقوم على رؤية القصيدة بوصفها جدارية شعرية ([1]) أو قصيدة جدارية لها سماتها المحددة ، فالجدارية تتسم بكونها :

  • طويلة ظاهريا، حيث تقارب المعلقة طولا .
  • متعددة الصور لها ظاهر (لونى وتشكيلى ) ولها باطن دلالى .
  • متنوعة الألوان ومتكررتها .
  • شعبية العناصر المتداولة .
  • اعتمادها على بصرية الصور.
  • تمثيلها للقصيدة في عصرها ، أو تمثيلها للشعر في زمنها، إذ تعبر عن سمات القصيدة في عصر محدد الملامح يمثل مرجعية للقصيدة .
  • ملحمية الطابع حركية الصورة والسرد القصصي وتوفر سمات الملحمية.
  • سردية النص، فالمعلقة والجدارية يعتمد كلاهما على السرد بوصفه واحدا من التقنيات الشعرية، السرد بمفهوميه: القص والإحكام، السرد هنا يتم داخل القصيدة فقط (لأن المعلقة تقول كل شيء واصفة حالة ما بخلاف الجدارية التي تعمد إلى الإيجاز والإشارة)، السرد في المعلقة داخل القصيدة حيث فقط خلافا للجدارية حيث ينتظمها نوعان من السرد :
  • خارجي: السرد خارج النص يقوم على التناص وعلى ذكر شخصيات وأحداث تحيل إلى سردية خارج النص مجرد ذكر ” عمر المختار ” يحيل إلى سردية خارج القصيدة وقد تكون سردية كبرى يستدعى منها المتلقي ما يخص تأويله للنص أو ما يخص قدرته على استكشاف المساحات المعتمة فيه وهي مجموعة من الأحداث الكبرى الخاصة بالشخصية، من مثل: ” وجئتَ منْ أقصى المدينةِ حافياً فترجّلوا للهِ درّكَ ساوموكَ فبعتَهمْ بصليلِ” وغيرها من مجموعة الأحداث التي تشكل في مجملها نظام الشخصية، أو يشكل تاريخها.
  • داخلي: كل مايخص الأحداث المسرودة سردا يناسب الحكي داخل النص من أحداث ومشاهد يرسمها الشاعر خاصة بإدارته سيرة المسرود عنه أو المترجم له وحركته مع سياق السيرة من قديمها إلى حديثها ومن حركتها في المكان وإدارتها تاريخها بطريقة أقرب للفن ووفق مقتضيات الخيال الذي يعتمد فيه الشاعر على سيرة الشخصية فهو لا يبدأ من فراغ ولا ينتهي إلى فراغ ، يعتمد أفعالا قد تتساوى أو تتوازى مع أفعال الشخصية ، ولكنها تنتمي إليها سواء أكانت أفعالا واصفة للشخصية أو مترجمة لفعلها .

في مقطعها الأول يعتمد الشاعر الزمن علامة على الخلود، يضع المختار في سياق زمني يراهن عليه مبتدئا بالتأسيس لمجموعة من العلامات ، تلك التي تتأسس عليها القراءات المختلفة للنص ، ومرسخا لقضاء الله الذي منح المختار حكمه بالخلود ” فاللهُ قدّرَ أنْ تظلَّ ويرحلوا ، واللهُ أعطاكَ الخلودَ ” مقللا من شأن المحتل بتغيب اسمه وتكرار لفظ الجلالة مرتين معظما من فعله سبحانه تقليلا من شأن فعل الطغاة ومرتبا الخلود على فعل الله حيث يكون عطاء الخلود مترتبا على قدر الله أن يظل ويرحلوا، وفي مقابل رحيلهم يظل المختار باقيا خالدا يستحضره الشاعر عبر النداء :”ياسيّدَ الصحراءِ ياأسدَ الوغى خيلٌ بروحِكَ بالحميّةِ تصهلُ وشكيمةٌ لو أنّها امتدّتْ إلى شوسِ الرجالِ لأرعدتْ وتزلزلوا !!” مانحا المختار صفات البطولة ومنتجا مجالها الحيوي عبر مجموعة من العلامات الحافظة للصورة على سماتها العربية، وعلى مقدرات عروبتها مستثمرا طاقة التشبيه الموظفة مجموعة العلامات الدالة: أسد- الصحراء – الخيل ، والشاعر يوظف مجموعة العلامات ليس على مستوى تكوين الصورة فحسب وإنما على مستوى استخدامها روابط بين المقاطع منتجا نوعا من التماسك بين تفاصيل الصورة ، فالشاعر لا يكتفي بالرابط الظاهر كون المقاطع جميعها تتعاضد لتشكيل صورة البطل وإنما يعمد إلى مجموعة من الروابط الداخلية بين المقاطع ، تلك الروابط النصية المتمثلة في مجموعة من العلامات المتوالية في المقاطع : الصحراء والخيل تتبعها : الحسام – الرمل ، الأجداد – القبيلة – الشمس . 

وفي مقطعها الثاني يشكل الشاعر ملحمية الشخصية وأسطوريتها معا :

“في كفّكَ اليمنى الحسامُ مُشرّعٌ وبكفّكَ اليسرى الزّمانُ يهلّلُ

وعلى جبينِكَ للحياةِ وأنتَ مِنْ آلِ الخلودِ قيامتانِ ومشعلُ !!

مازلتَ تصرخُ لنْ نعيشَ بذلّةٍ فالموتُ منْ أجلِ التّحرّرِ أجملُ

تخطو كأنَّ الرّملَ عرشٌ للفدى مادمتَ تزرعُهُ بنبلِكَ يحملُ !!

راسما هذه الصورة ذات الأبعاد الأسطورية : يد تحمل السيف ويد تحمل الزمان وجبين يحمل قيامتين ومشعل ، وهي صورة مركزية في سياق القصيدة كما هي مركزية في سياق الشخصية ، صورة صالحة للاستهلال الملحمي ، فصناعة الملحمة لا يعتمد على صغار الرجال وإنما هي تقوم على عظمائهم ، والشاعر يستثمر طاقة اللغة وطاقة التشكيل والتصوير لإنتاج صورة كلية تتأسس على مكوناتها الأساسية :

  • الصوت: يهلّلُ – تصرخُ والفعلان في إسنادهما للزمان والبطل يجعل من البطل قوة مكافئة للزمان، فللبطل فعله تماما كفعل الزمان.
  • اللون: مشعل وغيرها من مفردات تدرك بألوانها أو تتخيل بها ، وتدرك بصريا .
  • الحركة: يبثها الشاعر معبرا عنها في كل فعل أيا ماكان إسناده فكل فعل ينتج صوتا كما ينتج حركة.

والشاعر يعزف منظومته الشعرية في رباعية تتصاعد في حركاتها من ” الكف ” في الحركة الأولى حتى الفعل ” يحمل ” في الحركة الأخيرة وكأن كف البطل هي التي تحمل عن الزمان كل ماينوء به.

يكاد المقطع الثاني يكون قصيدة مكتملة تلخص صورة البطل أو تكون اختزالا تاما لخلاصة التجربة الإنسانية ، هي المقطع الذي يحمل واحدا من أهم مفاتيح القصيدة وهو المشهد الأكثر تأثيرا عبر دراميته ، أو هو الماستر سين بلغة السينما ، بثه الشاعر في البداية إنتاجا للتشويق وربطا لمجموعة من المشاهد التي يطرحها الشاعر على وعي متلقيه تدعيما جماليا لإعادة اكتشاف الشخصية .

(يتبع )

——————————————————————–

[1] – الجدارية الشعرية قصيدة مطولة تمتد جيناتها الشعرية للمعلقة ، في إطار الشكل الشعرى انتقلت القصيدة العربية من منطقة المعلقة بما لها من سمات فنية مميزة إلى منطقة القصيدة المطولة التي لم يكن لها من مصطلح تعرف به ، فإذا كان القدامى قد أطلقوا ( وارتضينا نحن ذلك ) مصطلح المعلقات ، فإن رحلة الشعر العربي في تطوره من القديم للحديث تضعنا أمام شكل شعري أقرب للجدارية .


*أستاذ البلاغة والنقد بكلية الآداب جامعة عبد الرحمن بن فيصل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *