الشنطي يقرأ ديوان عمر يزمله القصيد

 
 
ديوان الشاعر شتيوي الغيثي الثاني
عوالم الرحلة و أسرار المسيرة
معالم وصوى

 

الدكتور محمد صالح الشنطي 

هو الديوان الثاني للشاعر شتيوي الغيثي ، وقد سبق أن قلت في تقديمه إنه : ليس ثمة شك في أن للشعر منطقه الخاص و لغته المختلفة و واقعه المباين لعالم الأشياء و الأحياء ، فهو ذو خصوصية لغة وجماليات ورؤى ومفردات تنفسح آفاق الدلالة فيها للتأويل فعلاماتها تشع في كل الاتجاهات ، التي لا يدركها العقل وحده ،ولكنها تستلزم إدراكا من نوع آخر لا يخضع للمفاهيم المجردة ولا للإشارات الحسية تتجمع فيه ألوان مختلفة تجمع بين الحلم المتحرك كما يرى منير العكش و الرؤى النافذة و استشامة المجهول المستكنّ في جوف الغياب و تشكيلة متكاثرة من المدارك والوعي الذي لا يقف عند التخوم ؛بل يتجاوزها إلى عمق الحقيقة و يستخلص جوهرها من جوف الفرا مجازا و حقيقة مرجعيتها راسخة في الوعي في رابعة نهاره و ذروة يقظته في واللاوعي في ذخائره المكنونة وسراديبه السرية ، و أشرت إلى أن قصائد هذا الديوان الموسوم ب(عمر يزمله الشعر) تنطوي على عوالم مجهولة لا يرتادها إلا البصير بأسرارها و منعرجات سبلها حيث يستطيع الارتحال ارتحال إلى خرائط الداخل وتقرّي تضاريسها و استكشاف فضاءاتها ، فهو يمتح من ينبوع لغوي تتسم مفرداته وتراكيبه بما يميزها على مستويين : المستوى اللغوي المعتاد بدلالاته المعجمية عند درجة الصفر أي التي لا تتجاوز المعاني التي وضعت لها على نحو ما يقول بارت ، وهذا يعني أن اللغة الشعرية لا تقتصر على المفردات و التراكيب التي تنزاح عن دلالاتها فحسب و لكنها تضم مفردات وجمل تدخل في إطار التداول من المعاني كما يشير إلى ذلك أرباب الشعرية من جان كوهين إلى ياكبسون إلى تودوروف المألوف صياغة و دلالة ، و المستوى الثاني معجم يرتقي إلى مستوى آخر تبلغ فيها درجة الانزياح ذروتها فتفارق المألوف و المعتاد وتصبح ذات بعد طقسي ابتهالي حيث الامتياح من النصوص الغائبة و من مفردات الكون .. ألفاظ تفرغ من دلالاتها لتتفجر بمعان أخرى أو تتداعى بفضاء واسع من النبوءات أو الدلالات ؛ لكن الشاعر إذ يظل في إطار النسق الزمني الذي يحمله العنوان الرئيس للديوان ونفصح عنه قصائده ، يترجم وقائعه إلى ثيمات شعرية تتجاوز السياقات القريبة لتستلهم جوهر التجربة في بعدها الروحي و النفسي و لتتشكل في ضوئها عوالم شعرية ذات ثيمات تنبئ عن خصوصية الرؤية و تشكل الأفق الذي تتضام فيه هذه الثيمات في عقد موضوعاتي يمثل خصوصية الرؤية الشعرية لدى الشاعر .
شيفرات الخطاب ورؤى الشاعر
ولعلي بعد أن أعدت قراءة الديوان للمرة الثانية ما زلت أرى هذا الرأي فأعيد التأكيد على أنه يتكشّف في خطابه الشعري عن رؤية إنسانية تندلع روحها من تمثل رهيف لإيماءات الكلمات و إشارات المفردات ؛ فثمة إحساس بعالم مختلف يعيشه الشاعر تفيض به نفسه التي استنقذها من بين أشياء واقع وجد نفسه محشورا فيه قسرا :
يا آدم الشعر علم آدم الناس
ينخرط هذا الديوان في رؤية توجه طائفة من شعراء جيله إلى الاغتراف من محيط السيرة الذاتية ؛ بل يجنح إلى استثمار عذابات الذات و عصارة المكابدة و المعاناة التي ابتلي بها منذ أن بزغ وعيه في سياق المرحلة بمعطياتها الفانتازية المستحيلة ، التي هي لب اللّباب المستخلص من عذاباتها ليصوغ منها معادلة جديدة تتمثّل في هذه الثنائية التي تنتظم ضفائر الدلالة في قصائد الديوان ، فلا تقف عند تخوم المعاني القريبة بل تتجاوزها لتلامس مكامن الجوهر القابع في كينونته الإنسانية و إحساسه بعذابات الآخرين ، يطالعنا بها الشاعر منذ الفاتحة الأولى للديوان ؛إذ ينشر أطيافا من سيرته الشعرية يؤرخ لبدء وجوده منذ باكورة إبداعه للقصيد (كان طينا فمسه الشعر ) فالشاعر يؤرخ لميلاده بانبثاق الشعر على لسانه وتدفقه من روحه ولعل العنوان (فاتحة ) يومئ بوصفه عتبة سيميائية إلى باكورته الإبداعية ؛بل كينونته الإنسانية التي شرّعت وجوده الإبداعي بوصفه شاعرا ؛ ولم يكن ليتجاوز عتبة البدايات التي أراد أن يجلو إشراقتها حين تمثل بعده الأسطوري مستحضرا من خلال إشارات لمّاحة تضاريس الثبيتي :
كان نورا في عرفه
فتدلى
في كروم المعذبين
سنينا
هذه أسطورته الخاصة ؛أما الثبيتي فيستحضره من خلال قوله (مسه الشعر / إذ تخلق طينا)
مسه الضر
هذا البعيد القريب المسجى بأجنحة الطير
وفي قوله (إذ تخلق طينا) يستدعي قول الثبيتي” يواري عورة الطين و أعراس الذباب “
لون من ألوان التناص الذي لا يسفر عن وجهه على نحو من بلاغة الاقتباس أو التضمين ، بل يستروح شيئا من رؤى تمثل جيلا بكامله ، فثمة شذى من عبير البيان المعجز ، ومخيال يجوس خلال تراث ضخم حافل بالدلالات واستبطان للوعي الجماعي عبر التاريخ في ثرائه و عمقه.
عالم الشعر و عالم الأسطورة
في مستهل الديوان الذي اختار له عنوان موح ذي دلالة ، فالفاتحة تتصل بفيضه الإبداعي ، وكأنه يرى متأملا سريرته الشعرية ؛ من هنا كانت فاتحته في مقطوعتين شعريتين : الأولى تمثل ميلاده الإبداعي في مرحلة استكشف فيها مواهبه إذ ساوره وحيه فاستوى خلقا سويا يحمل هم المذبين في الأرض أما المقطوعة الأخرى التي عنونها ب(فاتحة أخرى )
حيث رتب و نضّد متحدثا عن الآخر الذي تركك ضميره الغائب بلا مرجع يعود إليه : أهو الذات التي انشطرت فتحاور طرفاها في تساؤل يراود قلق الشاعر أم هو كائن آخر حبيب معشوق كان له سلطانه فزخر به شعره عاشقا متيما حزينا ، وها هو يتساءل إن كان سيحمل له المستقبل ما يبهج و يمحو آثار الحزن ، من هنا كان اختياره للهاء الساكنة التي تستكن فيها آهاته المكتومة.
وهو إذ يسفر عن هويته الشعرية يحقق هويته الذاتية في ارتباطها بالأرض التي نبت فيها و المواقع التي ارتادها والمكابدة التي عناها في صراعه مع الحياة؛ إنه يرسم مساره ويستذكر مكابداته، و ينقب عن جذوره؛ فمنذ عنوان القصيدة الأولى شمالي تتضح ملامح صورته من خلال هذه النسبة المكانية التي تزخر بما هو أبعد من الدلالة على المكان ، فالثمالة في الذاكرة الشعبية و في السياق التداولي دلالات متسعة لا يخطئها الحس ، ولا تغفلها القراءة الواعية (عروس الشمال) وهنا الجمل و البهاء ، ولشمال يرتبط بالهوى (الهوى الشمالي غيّر اللونا) كما في الأغنية الشعبية، و الشمال و الجنوب في تصنيف الحضارات و في الأعراف المحلية ؛ كل ذلك يجعل المفردة تنفتح على ثراء تأويلي يغني الهوية ، وذلك فضلا عن المفردات الرموز سدوم ذات البعد الأسطوري و النخلة بما توحي به بوصفها أيقونة و رمزا ، وينهي هذه القصيدة بالإشارة إلى السيرة
“ليحفظ سيرته الخالدة”
إنه يكتب سيرة الخلق الخاصة به متكئا على الموروث المقدس تارة، وصانعا لسرديته الخاصة تارة أخرى يتشكل أسطورة كونية يخرج من عباءته الطينية ليلبس سندسه الشعري الخاص ،وينعتق من عالم الطين و الماء ليحلق روحا هائما في الفضاء ، يبدو طائرا يرفرف بجناحين من شعر ، وقد اجترح معجما هو أمشاج من مفردات تتجذّر في قلب الأسطورة الكونية و أخرى تتدفق من معين الروح : سدوم و المدائن والرمل و الماء و النخيل و الروح و الحب و العذارى.
لبنات في صرح شعري له عوالمه التي تنحسر عنها غلالات الضباب وتتبدى متماسكة منسجمة في نسيج جمالي يبدأ بالكينونة الأولى تخلقها بكرا، ثم تتنامى سابحة ما بين الرمل و الماء مستصفية روحها من أوشاب الطين، ثم تخطو محلقة متجاوزة للعذابات في صراع نحو ترسيخ الكينونة و إبداع خصوصية الوجود .
كان وجها من الرمل
يصرخ للماء
ثم يركض في عرصات الحياة
ويسكن فوق جبين أبيه
ثم يرحل خلف سدوم المدائن واحدة واحدة
ليزرع نخلته الأبدية.
هكذا تكتمل القصة فصولا فتتحقق الذات التي سعى منذ ديوانه الأول لتشكيلها .
كينونة الذات والوطن المشتهى
كل شيء هو غيض من فيض تجربته التي تشكلت في أتونها كينونته : الوطن (أيها الوطن المشتهى) و(الشتات )، وكلما اقترب من طفولته ازداد قربا من الشعر حيث البراءة و الوداعة و النقاء فهو دائم الخوف و القلق على روجه الشاعرة من أن تنطفئ تحت وطأة الحياة :
حينما يكبر العمر
تنكسر الأغنيات
إنه يكتب ملحمته الخاصة التي مازالت قيد التخلّق
في قصيدته( شتات ) التي تتكون من ست مقاطع يتمظهر الشاعر تجليات تبدو مشتتة مبعثرة كما يشير عنوان القصيدة (شتات) تنتمي إلى مصادر متباعدة ، هكذا تبدو و لكنها في حاصل الجمع تشكل خريطة الوجود ؛ وكأن الشاعر طائر الرّخ الخرافي الذي يتنقل في أنحاء الكون بلا عائق .: فهو عصفور تائه في أجواز الفضاء يبحث عن حلم مستحيل ، وهو قصيدة تكابد من أجل ستر عريها اللغوي تلملم حروفها قلقة حائرة ، وهو صباح انحسر عن صبح باهت ممحل في صحراء جديب بلانهاية وبلا ٌقرى يتبلغ به الضيف فقد انتهى الكرم الحاتمي ، وهو دعاء غير مستجاب رغم الدموع و الابتهالات، وهى روح اضمحلّت في عصر لا يعرف النبوات وهو الشتات بكل تفاصيله .
هكذا يصور الشاعر نفسه عبر هذه التمظهرات التي تعتمد على التشبيه إطارا و المشهد صورة و العبث مضمونا ، هذا الشتات يكتمل يربطه شبكة من الخيوط التي تشكل شعريته و من ثم رؤيته :
العصافير والأحلام الضائعة تمثيل مجازي يكتمل عبره مشهد التيه و الضياع ، و لكن في إطار التساؤل المطلق الذي يفضي إلى الدهشة التي هي جوهر الشعر ، ثم الصورة المعنوي المشخصة للإبداع وتمثل مكابدة الشاعر لينسج خطابه الشعري وهو عنصر أساس في الإبداع ، ثم ضياع القيم و خيبة الأمل في انبلاج صبح باهت وشح قاحل ، وهي صورة محفّزة لأحزان الشاعر وشكواه ، ثم الابتهال و الدعاء بلا أمل ، رؤية يائسة بائسة ، ومن ثم الشتات و القلق عبر هذه المشاهد الشعرية المتواشجة التي في تناسج جماليا عبر التشبيه و اللغة الاستعارية و الصورة الفنية ، و التشكّل عبرها الرؤية في فضاء القصيدة : عناصر كونية و لغوية و طبيعية و واقعية و روحية : وجفاف ويأس و قلق و حيرة وضياع و شاعر ينهض وسط هذا الركام.
تربو قصائده الديوان على العشرين و هي في معظمها ومضات مضيئة لا يسترسل الشاعر فيها و لا يوغل في مطاردة خواطره واستقصائها ، ولكنها تخترق السجف لتتغلغل فيما وراء الجدران المصمتة التي طالما حجبت عنا حقائق علمه بقاراته الشاسعة .
إن الشاعر مشدود إلى مسافة التوتر بين الذات التي تحس بوطأة الزمن الغلاب ومحيطها الذي يفترسه البؤس واليأس، فتنشطر الذات و تتشظى بين الحقائق النفسية التي تنبعث من غسق الروح وبين معطيات الواقع التي تتلظى على جمر المعاناة ، من هنا كانت هذه العناوين التي تتوزع ما بين مفردة مطلقة الدلالة في فضاء التجريد أو عجفاء ضامرة وتركيب يسترخي على أريكة التأمل.
قسمة عادلة ، عشرة عناوين تتكون من لفظة واحدة مفردة وعشرة أخرى تتكون من عبارة في تركيب دال، ولو كان البياض أمامي يتسع لوقفت عند هذه الظاهرة الأولية في الديوان باعتبارها عتبات نصية تفضي بالكثير ، ولعلني راجع إليها في مقام آخر فهي تستحق وقفة استقرائية تستنطق المدلولات الفضي بمزيد من البوح .
مادة الخلق والإبداع
يرتب الشاعر في هذا الديوان أزمانه و ملامحه فينضد عناصره جاعلا من الشعر مكونا رئيسا مجبولا بمادة الخلق والإبداع ليستوي بعد أن تشكله الكلمات خلقا جديدا، توشّح كلماته الدموع، وإيقاعه النشيج ليعيد الشعر سيرته الأولى صوتا للمعذبين في الأرض مستنقذا بكارة القصيدة ممن افتضها بلا رحمة ، ويعود ليجد روحه الهائمة في فضائها ليرسم ملامحه التي تماهت مع الرمل والماء وتناسجت قسماته بملامح هذا الفضاء مرتحلا كما كان في آفاق صحرائه المجدبة ، باحثا عن ارتحالاته القديمة في سفر الزمن و فيافي التاريخ ، منقبا عن الحياة بين صخور الماضي راسما لمشهد أراد له أن يكون لقطة مضاعفة تصطاد الأزمان في طبقاتها الركامية حيت يجهد في ألا تفر من حروفه أنساغ تسري في شرايين التاريخ ، فالشمالي الذي عاش جدب حاضره وجفاف روحه يفتش عن قطرة ماء ليروي بها ظمأه .
يتماهى الشاعر مع المكان ، ولكنه يتمرد على الزمن : ماضيه و حاضره ، وكأنه يخوض صراع الشعر الأزلي مع البؤس الإنساني، فهو في خصام مع الماضي تماما مثلما هو متمرد على الحاضر ؛ فثمة خلل يعتورهما معا ؛ لذا يسعى لينزع الماضي من بين أنياب الماضي و يحرّر الحاضر من أوصابه و متاعبه، هذا الشمالي الذي صاغ شعره من تراب ديرته الشمالية التي فني في رملها، و انبعث كما ينبعث طائر الفينيق من رحم الرماد ، ليس هذا فحسب ؛ بل إن الشاعر يمضي ليستنبت نخلته الوارفة لتزرع الظل في قلب القيظ ، ويمسح الدمعة من مآقي العذارى حين يغرس الحب في قلوب يباب جفت من قسوة الزمهرير.
وإذ يمضي الشاعر في تقديم تجليات نموذجه الخاص وتمظهرات روحه يخترق سجف المرحلة و ينفذ إلى لبابها ، ويتجذر في صيرورتها فتجف كلماته وتتحول جمله إلى تراكيب أشبه بهياكل عقيمة نضب منها ماء الشعر واصفرت أوراقها الذابلة ، إنه يركض في براري مقفرة إلا من الزيف و الكذب و النفاق .
المشاهد المتوالدة
لقد لجأ الشاعر إلى تقنية التوالد المشهدي الذي يعتمد على التداعي ، و لا يتأتى هذا التداعي إلا حين يجتاح الروح إعصار الشعر فتنثال الصور آخذة بعضها بأطراف بعض ؛ يبدأ بالقصيدة حين تبدو فقيرة مقفرة من جمالياتها “تلملم أحرفها النافرات بكلتا يديها” حيث ينتابها العري متماهية مع الأنثى التي تفقد حياءها وتتعرّى حتى من مفاتنها نحيلة ذابلة على قارعة الطريق لا يلتفت إليها أحد ، مشهد فيه من القسوة ما يكافئ بشاعة الواقع.
أما المشهد الثاني فيمتد على مساحة بحجم المرحلة ، إنها صورة كونية حيث الليل الذي ينجلي عما هو أشد حلكة من سواده ، يذكرنا بقول امرئ القيس (و ما الإصباح منك بأمثل) لا يكتفي الشاعر ببعد زمني كوني يتحرك فيه ثنائية الليل والنهار بل يتمدد المشهد على ذراعي الطريق المسترخية في المسافة الواصلة بين الشمال و الجنوب ، حيث يتم استدعاء الماضي ليفضح عورات الحاضر ، فقد تبددت في تلك البيداء الغشوم أعزّ القيم و اندثرت سردية الكرم وأعلن عن موت بطلها ثانية ، فلم يعد أحد يقتفي أثر حاتم الطائي وأصبح العرب أضيع من الأقرباء على مائدة الغرباء.
وإذا لاذت الأرض بالمعصية و أقفرت من الطاعة و تمرد الشعر على هويته ، و تنكّر لذوب وجدانه أنكرت السماء هذا العقوق فلا يستجاب دعاء و لا تقبل توبة بعد أن ساد الظلم والظلام وباد العقل والحلم واستبدت المطامح و المطامع .
هذه لوحات ثلاث تداعت لتصنع القصيدة ، وإذا كانت كلها تفيض بؤسا و يأسا و إحباطا فإن الشاعر يتمثلها جزءا من كينونته ، و يسقطها على ذاته فتنوس كما السراج إذا ظمئت ذبالته و نفد زيته .
” مثلما كان هذا الشتات أكون أنا”
و الشاعر إذ يصل إلى هذه المحطة – فإذا الطريق قد سدت وأخذت عليه السبل من أقطارها – آوى إلى حضن الوطن يهدهد آلامه و أوجاعه فيما يشبه الطقوس الابتهالية ، وهذا المنحى الصوفي الذي يتحول فيه الوطن إلى ركن مكين يلقي برأسه على كتفه ويعتكف في محرابه يتوحّد فيه ويبكي بين يديه و يلتمس لديه العزاء ، فيناديه بأداة النداء التي ينادى بها البعيد في مفارقة بيّنة ، حيث يجتمع النقيضان ، فالوطن يتسكع في القلب فهو شديد القرب ؛ و لكنه شديد البعد أيضا ، الوطن هنا بدا من خلال تكرار أسلوب النداء وكأنه الملاذ الأخير الذي يلوذ به الشاعر ، ولكن المفارقة الأخرى تكمن في أن المنقذ بحاجة إلى من ينقذه و هنا تتقاطع الذات مع الوطن ؛ بل يصبح الوطن الأنا الشاعرة التي تلتمس الخلاص . ويجتمع النقيضان على صعيد واحد فالوطن كما يصفه الشاعر نصف الحياة و نصف الممات .
والشاعر يبني قصيدته بناء مدماكيا مشهديا على غرار القصيدة السابقة (شتات) ، فالوطن في المشهد الأول هو المشتهى و هو المرتجى و هو المتصرف في شؤون القلب و شجونه , وهو الذي أعاد للروح الميتة بعضا من حياة.
أما المشهد الثاني فيتحول فيه الوطن المنقذ إلى من يحتاج إلى إنقاذ وهنا تقوم الأنا الشاعرة بدورها لإنقاذه فتستمطر السحاب ، وهذا التبادل في الأدوار يومئ إلى تماهي الذات مع الوطن وفناء أحدهما في الآخر ، بل إن الأمر ليتجاوز ذلك إلى سلسلة من المشاهد التي تتوحد فيه الأنا الشاعرة بالوطن ، حيث التنقيب في أعماق التاريخ وحيث تذوب الملامح ولا يبقى منها إلا تضاريس الوطن ، وهذا الفناء الصوفي يمثل ذروة المشهد ، إن الشاعر يتقصى قسمات الوطن فيعود إلى الماضي و يستلهمه و يحن إليه ، ثم يفرغ همومه وشحنات مشاعره فيلامس سقف الرومانسية التي تعبّر عن نزعة الفرار من مرارة الواقع إلى أطياف الحلم.
لم تعد المرأة كما كانت متدثّرة في حنايا كلماته كما كانت في ديوانه الأول ، و لم يعد الوطن قسيما للمرأة متماهيا معها في دفقاته الشعرية يرضى بنصيب ولوكان ذكرا عرضيا يستوقفه في حدائق العشق و واحات الهوى ، ولكنه أصبح هما رئيسا و جزءا من ذاته يتوحّد فيه ويفنى في تفاصيله ، فسيرته هي سردية وطنه و مسيرته ؛ فهو المنفى و الحلم ، تتدفق تداعيات عشقه في مفرداته التي يحشدها بدلالاتها التي تتسع لأمداء من المحبة و الانتماء لا حدود لهما ؛ إذ تجتمع على صعيده الأشباه و الأضداد والآلام و الآمال ، فهو يسائله و يجيب على أسئلته و يحاوره و يرد على حواراته يفنى فيه ، يمارس النفي والإثبات و السائل و المجيب ، يصوره شريطا من الذكريات تتوالى فيه السيناريوهات و اللوحات و الصور، يمتح من الذاكرة و يغرف من التاريخ و الوجدان ويتوحد فيه متفاعلا في كيمياء وجدانه ومركبات وجوده يسامره ويعزف ألحانه و يغني له و يهتف باسمه .
يتضح ذلك في جملة من القصائد ففي قصيدته (سامرته حلما) ينتظم الوطن في ثنائية الذات و الموضوع و الشيء و النقيض و الحلم و الحقيقة و البوح و المناجاة:
ماذا سأفعل في عينيك يا وطني؟
منفاي أنت و أنت الحلم في وسني
وأنت بعض ابتهالاتي و بعض دمي
و بعض بعضي و أجزائي و مرتهني
تحد
الشاعر و فناء الصوفي
هذا هو التوحد الصوفي ممثلا في الفناء الكلي في الوطن ، والخطاب الموجه للوطن فيه نجوى واعتراف وفيه بث وجداني ، نجوى الحبيب للحبيب ؛ ولكن ما يميز هذا الخطاب ضفائر تعبيرية مجدولة من شكوى و محبة ، وهذه الجدائل التي تستلقي على صدر القصيدة تتكاثف فيها المتقابلات و تتوازى في ازدواج يضم الشاعر و الوطن تارة والخطاب و رموز الوطن المرئية كالتقابل بين أحاديث الهوى و نار الغضا ، و المواجع و المحبة ، ولوازم الحبيبة الأنثى والقصيدة الحامل و المحمول ، فهو تارة يحمل الوطن و يحمله الوطن تارة أخرى فيتناص مع المثل المعروف (أتحملني أم أحملك) وكذلك الديمة و الرمل و يتخلق الشعر في تفاصيله الكونية الشمس و النخل و الحرف و الوتر و الحلم و المدن و الهوى والجمر و الشواطئ و الموج و الحل والارتحال ، حشد تزدحم فيه الثنائيات منطلقة من ثنائية الشاعر في الوطن في بنية إطارية تحتضن كل البنيات و علائقها التي تبدو نسيجا مغزولا في إيقاع مزدوج متناظر كما القصيدة التناظرية في ثنائيه العروض و الضرب ، فقد عكف الشاعر على تطريز قصائده وترصيعها بمتواليات تجمع ما بين الحسي و المعنوي و المجازي و الحقيقي.. سلسلة من الاستعارات تنهمر في تداعيات من الصور، ينهض الزمن و المكان فيها بالدور الرئيس فهو زمن الارتحال ومغادرة الوطن :
ظننت أنك باق في مرابعنا
و ما وجدت سوى الترحال والظعن
زمن الفراق الذي فجر كل هذه المشاعر ، ولهذا تستحوذ حقول الدلالة الزمنية و المكانية على مفردات كثيرة في القصيدة : اليوم و الليل و الصباح و الترحال و الظعن ، و الماضي و العمر وما إلى ذلك ، أما المكان فحدّث و لا حرج ؛ فكل ما يرتبط بالوطن من الأمكنة و تضاريسها و محتوياتها وتراثها و طقوسها ماثل في القصيدة ؛ فهي ملحمة تحكي قصة التعلق بالوطن و الوله به ، وغنائية تعزف الحانها على وتر القصيد . يستثمر الشاعر تقنية القناع مشيرا إلى ذلك بشكل مباشر أقرب إلى التشبيه ، ولكنه – وإن بدا أنه يتقمص الشخصية بدلا من أن يجعلها تنفرد في الحديث مستقلة عن الذات الشاعرة – يترك مسافة ما بينهما بحيث يبدو الصوت موضوعيا كما يشترط في جماليات القناع ، و لكن هذا القناع ليس مفردا ؛ بل تتعدد الأقنعة التي ينطق على لسانها ، فمن اصطناعه للشاعر القديم الذي يرتحل واصفا رحلته ضمن تقاليد القصيدة العربية القديمة حيث يذكر معالم ديرته التي فارقها :
دياري التي قد فرقتني خزامها وفارقتني رمل من الوجد أمحل
تفارقني سلمى .. يفارقني أجا و برزان أضناه الهوى المتحول
ثم يتمثل حاتما يتقمّصه فيرسم له (بروتريه) تاريخي يتمثّله وهو يسير حافيا تحت وهج الشمس في الصحراء محاطا في الشق الثاني من الصورة بهالة أسطورية وعمق تاريخي و فضاء كوني .
ثم يتمثل نفسه طائر العنقاء الخرافي الذي يتماهى في شعره مع طائر الفنيق الذي ينهض من تحت الرماد ، وتتضخم الأنا الشعرية فإذا هو باتساع المدى يجسد الإنسان المسحوق ويتبنى قضيته:
و أنبش في ذاتي تفاصيل محنتي أنا البشر المسحوق في الأرض ننسل
معطيات التاريخ والتراث
يستثمر الشاعر معطيات التراث و التاريخ ليستنبتها من جديد في شعره عبر مفارقة الانتماء و الرحيل ، هذه التيمة الرئيسة التي تحكم نبرة الشاعر في استقصائه لذاته ، فيكتب سيرته شعرا لا يعنى فيه برصد الوقائع و يتتبّع خطواته على دروبها ؛ بل يقرؤها عبر الغوص في دخائل النفس وإشراقات الروح ، لذا نجده في قصيدته (الطائي) يقيم حوارا مع الرمز التاريخي للعرب على وجه العموم و لحائل ديرته الأثيرة على وجه الخصوص ؛ و لكن الملاحظ منذ العنوان العتبة الدلالية الأولى أنه لا يأتي على ذكر حاتم و إنما يكتفي بالصفة التي تنسبه إلى القبيلة ، وهذه علامة على انفساح الرؤية واتساعها ؛ فهو معني بالرمز القبلي الذي ينفرج ليتحول إلى النسب الوطني و القومي دون أن يفقد الإشارة الرمزية التي تتجسد في حاتم الطائي الأمثولة الأصيلة التي تختزل أهم مناقب العرب ممثلة في الكرم, ولهذا يتخذ من حاتم فيما بعد دالا على النموذج الراهن المفارق لأخلاق حاتمهم التاريخي الرابض في المخيلة الشعبية:
“الذين يضيع حاتمهم خبز أولادهم”
يعمد الشاعر إلى إدارة حوار بينه و بين الطائي ، ولكنه حوار من طرف واحد فتبدو القصيدة كلها إجابة عن سؤال يتقرى فيها الشاعر ملامحه و ملامح المرحلة كلها فهسي أشبه بالمونولوج و ليس الديالوج كما يوهم مطلع القصيدة ؛ فالسؤال مجرد مدخل لهذا البوح و الإفضاء برؤية الواقع .من هنا تبدو القصيدة سلسلة من الجمل الشعرية المتداعية التي يأخذ بعضها برقاب بعض إنه يرتل ملحمة جديدة ليس فيها من خصائص البطولة المدعاة إلا الوهم الذي يعلكه الأسلاف القريبين الذين انحدر من أصلابهم كما يقول :
” قال : من أنت؟
قلت من سلالة أسلافي المتعبين بأوهامهم “
وهو إذ يستهل القصيدة بهذه الإجابة يسترسل في رؤيته التي تظللها غيمة سوداء من الألم واليأس فيبدو الانكسار في سلسلة من الصور المظلمة التي تتقاطر تباعا موحية بعتمة في لحظة انكسار مأساوية .
فتطول الجمل في السطر الشعري فيما تتواري الغنائية لتحل محلها الإيقاعات النثرية في لغة تبدو شارحة عبر الصور الرامزة حينا و المفضية بالمعاني التي تخترق الشعرية المألوفة إلى أخرى ، وتحل ثنائية (أنا و الآخرون) في السياق محل الثنائية المعتادة ، و من ناحية أخرى فإن ما انتهت إليه القصيدة من مفارقة للسطر الشعري و التزام الشكل التناظري في غنائية شجية تلتقط شطرين من بيتين لشاعرين قديمين هما ابن الرومي والطغرائي فيتمهما بشطرين آخرين من إنشائه يصنعان هذه المفارقة الدلالية حيث تأتي هذه المقطوعة الغنائية وكأنها نتيجة لتلك المقدمات الشعرية الطويلة.
ولعل ما يميز هذا الديوان هذا الحشد الكثيف للنصوص و المرجعيات سواء بالتضمين المباشر مع المحافظة على الأصل دون تغيير أو من خلال الإشارات التي تومئ إلى النصوص و تستحضر ظلال المعاني ، أو من خلال العنوان ، وكل ذلك يتمثل في قصيدة (موال جاهلي) فالعنوان يستدعي النص الجاهلي مستلهما ما يومئ إليه من مفارقة بين ماض و حاضر ، فقد استجلب منظومة من المعاني التي جسدتها الحياة العربية في أصالتها و حاضر مناقض لتلك المعاني ، فالموال كما وقر في الوجدان العربي قرين الحزن العميق كما في هذا المقام أو ما يناقضه وفقا للسياق ، وهو بكل ملابسته يصب في هذا الاتجاه ، وقد استهل القصيدة بالتجريد على غرار القصيدة الجاهلية ، كما أنه يستحضر مفرداتها التي تتعلق بالظعن و بالركائب و الرغائب في سلسلة من الجمل المنفية التي تؤكد المفارقة الأساسية بين ماض راسخ وحاضر انفصل قسرا عن سياقه و تراثه ” فلا الشعر و لا الوطن و لا الشيح و لا الخزامى ولا الشعر ممثلا في سيده امرئ القيس ؛ أما المرجعيات النصية ، فهي تتمثل في تضمينه لقول ابن الدمينة (ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد) ، فضلا عن تكرار نجد مفردة ، ثم ذكر امرئ القيس والإشارة إلى قصته المتداولة التي جعلته يقول ” اليوم خمر و غدا أمر” ، ثم استدعائه لنصوص الصعاليك (ذئاب الصحراء :
أطارح كالصعلوك وهمي و رغبتي فلا أنا في قومي ولا أنا كالذئب
وكذلك يستدعي شعر واحد من أهم شعراء الصعاليك و هو (تأبط شرا )
في قوله ” تأبطت حبا،”، وابن الرومي في قوله ” و لي وطن أبكيه في كل محفل ” وقول الشاعر بلادي و إن جارت علي عزيزة”
ولا يقتصر على النص القديم المتصل بالموروث الأدبي و الثقافي والبيئي ؛ بل ما يتصل بهذا التراث مما استحضره أقرانه من معاصريه الشعراء ، مثل محمد الثبيتي الذي تمتع بحضور نصي وافر في شعر الشاعر، من مثل قوله:
” تثور بسمر الشاذلية نخوة لديهم وتخبو إن بدت صيحة الحرب”
فالشاذلية من المفردات البارزة في شعر الثبيتي، فضلا عن استعارته للقوالب التعبيري والمنهج الجمالي في الصياغة و بنائه لجماليات جديدة عبر سلسلة المفارقات التي بدت نهجا شديد الوضوح في أسلوبه.
وقد سار على هذا النهج مختارا للمتنبي مرجعية لنصه فيما يشبه المعارضة الشعرية المألوفة لدى شعراء النهضة و لكن على نحو مختلف ؛ فهو حريص على اتباع نهج المفارقة الذي هو جوهر الفن منزاحا عن المبتذل و المستهلك و المألوف ، وذلك في قصيدته ” سهر على سهر (تناص مع متنبي العصر) فهو يتخذ من المتنبي قناعا ويبني قصيدته بناء مفارقا مستفيدا من ثراء الإيحاء الذي يفضي به النص الغائب في كليته و تفاصيله ، وللمتنبي حضور في شعر الديوان لا يقل عن حضور الثبيتي كما يتضح في قصيدة( المجازي)
القناع
وفيها لون آخر من ألوان القناع ، قناع يجمع خصوصية التجربة بأبعاده المختلفة التي يشكل بها نموذجه ويتمثّله في قصيدة (المجازي ) فالمجازي هو الشاعر، وقد اختار هذا العنوان ليعبر به عن انزياحه عما هو معتاد ومألوف كما ينزاح المجاز عن الكلام العادي، و عرّفه بأل حتي يكون جامعا مانعا ، ثم حشد له ملامح الإبداع كلّها عبر التاريخ الشعري العربي ، فهو الذي يطوي البيد منفردا شأته شأن الشاعر الجاهلي و ليس هو على وجه التحديد ، ولكن فيه من التجربة بعض خصوصيتها ، فهو الحالم و المغامر . وهو الشاعر الكل النموذج الذي ضاع صوته في هذا الزمن المرّ ، وهو أيضا من استشام برق الشعر و نهل من رحيقه منذ بواكيره الأولى ، و الذي أعيته العذابات و المواجع فبحّ وتره ، ها هو يعترف أنه لم يفلح في تبيّن طريقه فغامت رؤاه ، نموذج لشعراء جيله خطفت مفرداتهم دهاليز العصر ، وهو إذ يفرغ من تقمص النموذج الجاهلي يبدو في قناع الشاعر العباسي المتنبي ابن عصره الذي أعيته المغامرة ولم يجن منها رغم عبقريته سوى قبض الريح يستحضره قناعا ضمن أقنعة عدة ، و لا يقتصر ذلك على تضمين شذرات من شعره من مثل قوله” الخيل و الليل و البيداء” بل عمر تمثل تجربته وهو يقطع الفيافي والمسافات من حلب إلى مصر إلى العراق ، فها هو يتمثل هذه التجربة في قوله :
يطوي الفيافي لا الصحراء يقطعها وليس يبصر في رمضائها بلدا
وهو يتقنّع بامرئ القيس ايضا ، و بالسياب على حد سواء ، يتمثل عذابات الشعراء و تجاربهم و مكابداتهم ، ليس هذا فحسب؛ بل يتداخل مع النص القرآني يستثمره في تشكيل صوره الفنية :
يا هدهد القت هل في القلب من نبأ يزجي رواحل من كانوا له شهدا ؟ كذلك التجذر في التاريخ منذ سبأ ، وهو في استذكاره للهدهد يستذكر الوقت الذي يمضي بطيئا في مفارقة لذلك الذي جاء بعرش بلقيس قبل أن ير تد طرف سليمان (عليه السلام) إليه ، ذروة المجد والإبداع وذروة التخلف والانحطاط ، ضاعت أمجاد الماضي و الحالمون في غفوتهم يعمهون، والشاعر يجمع أشتات الماضي على صعيد الحاضر . فقد فات الأوان :
حتى إذا ما استفاق الشعر من خدر كان الغروب على وجه النهار بدا
سلسلة من المفارقات يسلكها الشاعر في عقد نظيم من صور فنية يستلها من غمد التاريخ .
جدل الثنائيات
ولعل قصيدة (نبيّة لهذا الفجر) من القصائد التي تنطوي على تضاريس جمالية فنية تميّز الخطاب الشعرى للشاعر ؛ فهي – فضلا عن كونها تجسد هذه الشعرية- تتمثل شعريّة القصيدة في شبكة العلاقات التي تربط بين عناصرها من جدل للثنائيات الرمزية و الدلالية و المشهدية والأسلوبية ، ثمة سبك محكم يبدأ بالأمر الذي ينطوي على الالتماس في مفهومه البلاغي (مدي و استفتحي) ثم النداء ( يا أول و يا آخر ) إلى النهي و التقرير و التكرار، واستثمار هذه الظواهر في بناء القصيدة ؛ فالشاعر قد اختطّ منهجا في البناء يستثمر الفواعل الرئيسة و الروافد الثانوية لتكون داعمة لهذه الفواعل ؛ فالذات الشاعرة و الآخر الأنثي التي يخاطبها الشاعر بشتى ألوان الخطاب يعود ليتكلم بضمير الأنا واصفا وساردا ففي مقابل الخطاب ، هناك الذات المتكلمة و ما عد اذلك موظف في استحضار النصوص الغائبة و حشد إيحاءاتها و سياقاتها الأصلية ففضلا عن النص القرآني الكريم تبرز قصة يوسف عليه السلام ، وقصة آدم عليه السلام و أمنا حواء و التفاحة المحرم ما يجعل النص محتشدا بالإيحاءات ، والإسراء و المعراج و سدرة المنتهى فضلا عن الحقل الدلالي الديني و الروحي و المفردات التي تنتمي إلى هذا النص ” في استعارات مشعة.
منهج السيرة وسيرة الروح
منهج سيري لا ينتظم في إطار زمني ؛ بل يستعيض عن ذلك كله بسياق نفسي روحي ، يلم شعث نفسه من مختلف الأزمان و الأكوان و عوالم الشعر و الشعراء ، ومع هذا تبقى المعالم واضحة و الصوى منتصبة لا تخطئها البصيرة ، يولي قلمه شطر سيد الشعراء يغترف من بحره و يستلهم سيرته ؛ ذلك الشاعر المغامر الجوال من الشام إلى مصر إلى الرافدين ؛ أما شاعرنا فعلى الرغم من قرب النجعة ويسر الرحلة يراها مسيرة شاقة مثقلة فمن نجد إلى الحجاز حيث الأواصر متصلة و الوشائج وثيقة ، ومع ذلك فإن فراق الإنسان لا يساويه إلا فراق الأوطان وإن تقاربت وتلاصقت .
وقصيدة سهر على سهر نموذج لما تتسم به القصيدة العمودية عند الشاعر فهي تنطوي على محطات أربع يتصاعد عبرها النمو الانفعالي و الرؤيوي في القصيدة : بوح وشكوى ثم انتقال من الغنائية المفردة إلى خطاب الآخر الأنثي بوحا و لواذا من قسوة الحياة ، ثم الانعطاف إلى الآخر المنافق في موازاة الجما الأنثوي الذي يستروح في ظلاله الجمال بعيدا عن حمأة النفاق ثم التوحد في خطاب واحدا تلتحم فيها الذاتان في ذات واحدة ، نمو يبدو تراكميا على النهج الموروث منذ عصور الجاهلية ؛ ولكنه في الحقية ليس تراكما تقليديا ؛ بل يفضي إلى تحول كيفي تتنامى عبره القصيدة
التناص وإيقاع الزمن
يستهل الشاعر قصيدته بالتناص مع المتنبي مشيرا إلى ذلك منذ العدوان ، وإشارته تلك ذات دلالة بلا شك ، تتوازى رحلة الشاعر القصيرة مع مسيرة المتنبي الطويلة في مفارقة تلخص إيقاع العصر ، فمساحة الزمن في هذا العصر تتسع لتستوعب وقائع وأحداث عصور سابقة بتمامها وكمالها ، ثمة شكوى من الزمن تتقارب مع شكوى المتنبي ، و مع عمرو بن معدي كرب في قوله :
ذهب الذين أحبهم و بقيت مثل السيف فردا
في قوله : ذهب الزمان بكل ما قد أبتغي وغدوت كالرمح الذي لا يتكسر
لقد حشد الشاعر جملة من الصور الكنائية الطابع أي القريبة المعنى سهلة التأويل ؛ وإن كان بناؤها البلاغي استعاريا بل كان مشهديا على نحو ما ، ومثال ذلك قوله:
ما أطفأت دنياي إلا فرحتي و عجبت من ليلي الذي لا يقمر
فإجراء الاستعارة بصيغتها البلاغية لا يحتاج إلى جهد ، فثمة بوح مباشر ؛ ولكنه ذو حمولة شعرية تضفيها هذه الغنائية اتي تتدفق من رحم المعاناة و صدق البوح .
أما الصورة المشهدية القريبة المتناول ففي مثل قوله :
ركضت خيولي خلف مجد قصائدي فعلام خيل فصاحتي يتعثر صورة مشهدية مشحونة بالمجاز كنائية المعنى .
و إذ يفرغ الشاعر من فضفضته الغنائية وتلخيص مسيرته ينتقل إلى خطاب الآخر المحبوبة ؛ فقد ضاق به البوح والعزف المنفرد على أوتار الذات فكان لا بد من الآخر الذي يتحمل معه أعباء هذه المعاناة يشكو له همه ، ولكن نهجه البوحي لم يتغير إلا عندما ينعطف بالخطاب ليصبح تغزلا بالمحبوبة في تجليات يستدعي من خلالها نصوصا غائبة في تناص يستوحي مقام النص ويستثمر مفرداته و يوجها توجيها دلاليا مفارقا دون أن يتعمد التغميض أو الإخفاء بل يسمو بالموقف دون أن يتقمصه ، فقد بدت محبوبته نخلة تهز جذعها في مغايرة واضحة للموقف الذي كانت فيه مريم العذراء عليها السلام ، في النص القرآني تهز النخلة ليتساقط الرطب الجنية ، وهي هنا النخلة ذاتها و الجذع جذعها ، وهذا استلهام للموقف و ليس اقتباسا له.
ويستثمر الشاعر أسلوب التداعي حيث تنثال الصور آخذ بعضها برقاب بعض في تجليات ، فهي قصيدة يشدو بها قيس و ينصت عنتر ،و وعيناها طفلتان وشفتاها يستدير بها الكوثر ، و وجهها مشرق كشمس وحضنها جنة و صوتها سكر ، وهكذا تتناسل الصور ويستدعى أعلام الشعر ، سلسلة من التشبيهات البليغة المستوحاة من حرارة الموقف واشتداد الأزمة ، ثم يأتي التحول الثالث في مسار القصيدة فيستذكر الآخر المنافق (الآخرون هم الجحيم ) وإذا به يتمثلهم في كافور ، وفي الشعراء الذين سدروا في غي التقليد متنكبين سبيل الصدق ، وفي الانعطافة الأخير يجتمع العاشقان ، ويصبح الخطاب بضمير الجمع ، فهما سران من أسرار الوجود وطفلان بلا حلم وهما آدم و حواء بلا خطأ ولا خطيئة ، وهما يقتاتان الشعر الذي هو حياتهما و وجودهما .
استثمار كثيف للموروث واستذكار للماضي يسقطه على الحاضر واستدعاء لنصوص حاضرة غائبة
في قصيدتين من القصائد الحديثة في الديوان ينحو الشاعر منحى مختلفا ، فهو يقسم القصيدة إلى مقطوعات تمثل جملا شعرية ، في المقطع الأول يوغل في البعد الطقوسي فيقرن بين الظواهر الكونية و البشرية في تقابل مفارق وازدواجية تتسع الهوة بين شطريها : الفراغ والاستبداد و الولادة و المطر والاخضرار و الساقين والشين و الطين و الحروف والكتاب .
أما الإطار الأشمل فيتكون من كائن كوني وآخر بشري (الرمل والأنثى ) و (الرمل و الذاكرة) فضلا عن ظاهرة أخرى هي ظاهرة التجريد : اليقين و المعنى ، وهو يكرر الثنائية التي طرفاها الرمل والذاكرة في المقاطع الأربعة الأولى ، ثم الرمل و أسقام البداية، و الرمل و أحلام الأساطير القديمة ، و الرمل و أحجية السنين .
الأنا و الآخر و اللغة المشتركة
ثمة لغة مشتركة بين الأنا و الآخر ، عالم شعري يبتكره الشاعر مع أنثاه كل شيء فيه مبتدع على شكلتهما في سلسلة من الحركات ، فيأتي المشهد حافلا على امتداد الوقت بأشيائه الخاصة ، عالم شعري تتفاعل فيه الخضرة مع السواقي عالم الأنثى و اللغة و الطبيعة في صورة منضدة من الكتابة و التسمية و الترتيب فعالية لا تتحقق إلا في الشع و في عوالمه الخاصة ، وهذه الصور المتوالدة في سياقها الزمني و المكاني و عالمها الحلمي تتأبى على التحديد و تتمرد على التأويل لتفرخ دلالاتها في عالمها الخاص متنامية عبر مقاطع القصيدة.
تداعيات تتوالى صورها صانعة عالمها من مفردات شعرية خاصة “:تبدأ بالرمل و ما يوحي به من بكارة المكان ثم العمر حيث البدايات الأولى و أحلامها ثم التحقق عبر اللغة وإبداعاتها حيث المعنى و اليقين ، ثم الحلم و الوجع وأسطورة البدايات ، ثم القرى البائسة التي أسرجت خيل الظلام و ووجع البدايات .خطاب يستقصي تضاريس الكينونة عبر أقبية الزمان و بكارة المكان ، الخطاب فيه الأنثي بلغتها الخاصة التي تتماهى فيها مع الأزمنة و الأمكنة و المصائر .إنه يصنع أحجته التي لا يبوح بسرها إلا في شيفرته الشعرية التي تجعل المتلقي يقظا متحفزا يرتحل في سفر مضن إلى المعنى الذي لا يسلمك نفسه إلا بعد أن تطوف بأرجاء لغته الخاصة
ليست هذه قراءة نقدية لهذا الديوان الذي يقدم الشعر فيه الشاعر ، ويتبادلان التعريف أحدهما بالآخر في ذروة احتدامهما وجدلهما معا فيصخبان حينا و يهدآن حينا آخر ، ولكن الشاعر في نهاية المطاف يسلس له القياد فينثال أتيه ويلين عصيه ، بهذه الكلمات يمكن أن نبدأ رحلة المعنى.

 تحميل الدراسة من هنافرقد الدراسة

One thought on “الشنطي يقرأ ديوان عمر يزمله القصيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *