عبق الفواغي

بقلم: عطا الله الجهني*

لله در الماء! إنه يستدعي ذكرياتنا، و يصف للاحقين حضارة السابقين، ياله، و ياللمبشرات التي استقبلت مقدَمِه الكريم.. هذا المقدم الذي لا يُفرش له السجاد الأحمر، و لا تُنثر له الورود؛ إنه استقبال عظيم لا تقوى على تجسيده طاقة البشر، فتتكفل به الأنفس، وتخفق له القلوب، إنه يجري حيث لا مستقر له سوى الإرواء.. فيكسو الأرض بساطًا أخضرًا، ثم يُتوجُّه بأكاليل الورود التي خُبأت بذورها تحت أديم الأرض حتى مواسم الفرح يالطبيعة التي تشي بالسر الذي لا يتوقف عن بث الحياة، وبعث مكنونات الأحواض، والبلدان.. السر الذي على وشايته سمقت النخيل، وساقطت رطبًا غسل مخاض عودته!

لله در الماء! كيف أرانا طيوف السابقين، وكيف أسمعنا أصواتهم، وكيف أشعرنا ببعض أحاسيسهم!

قل لي بربك أيها الينبوع كيف أجريت قلمي، وكيف أوجدت الحيرة فيه وهو يمخر عباب ورقة الوصف، والخيال؟ وكيف أوقفت ريشته، وكأنه اصطدم بجبلٍ من جليد التردد!

أتعلم ما الذي يحدث، عندما أكتب متسائلاً:

كيف رافقتنا حواسنا الخمس، عندما ركبنا عجلة الزمن وعدنا إلى الوراء؟!

حسنًا..

يحدث أن يُطبق الخيال فاه، فلا صوت يعلو فوق اللاصوت، وكأنني أسكن فعلاً منطقة الصمت! فأسرح بذهني وقتًا، إلى أن تهب رياح الكتابة المصحوبة بعبق الفواغي، فأعود وأختلس قطرة من بحر حبرها ،فأستبدل السؤال بآخر:

كيف جاؤوا إلينا، وعلى أي صهوة امتطوا؟!

حينها تجيبني هتافات تخرج من نوافذ الطين ترد د بصوت واحد:

للهدرالماء.. للهدرالماء.. لله…

طويت صفحتي على أسئلتي، وأحكمت غطاء محبرتي، وعيناي تنظران لتلك النوافذ مسافرًا سابحًا في عالم السكون، حتى سمعت إيقاع زير يتكئ على بعد ضربة إيقاعية من نار أوقدت لأجله، ورأيت لمعة سيوف تتراقص بكبرياء، ولمست أكف الحاضرين مصافحًا، وشممت رائحة البارود الذي قُدحت شرارته عندما علا صوت البهجة، والفأل في مقرح القرية: “وبعودة يا نخلنا بعد جدت قناته…” فهل ذقت معي!

كاتب سعودي*

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *