‏التمرَّدُ على الواقع

بقلم: سليّم السوطاني*

الإنسانُ حالة خاصة من المشاعرِ والتَّناقضات والتَّعلُّق بالوهمِ، والسعي على صَنْعِ خيالٍ يعيش داخله ويركن إِليه. حالة جديرة بالتَّأمُّل.
‏تكبرُ أحلامه حتى يخيّل أنَّها سوف تلامس عنان السماء، يمضي في الحياةِ وهو يعيش على الكثيرِ من الآمالِ والأمنيات التي يُمنَّي نفسه بتحقيقِها. قد تتحقق إحداها، لكنه يظل يجري خلف أحلامه وأمنياته التي لا سقف لها.
‏بعضُ الأمينات يُعدُّ تحقيقها أشبه بالمعجزةِ، ولكنه يُصِرُّ على التَّمسُّكِ بالأمنيةِ ويطلق العنان لخيالِه وكيف سيعيش في حال تحقيقها؟!
‏الإنسانُ دائمًا يحبُّ أن يتمرَّد على واقعِهِ وظرفه الزماني والمكاني ويُحلِّقُ بأحلامِهِ، ويستخدم خياله في زخرفة أحلامه ويعيش واقعًا لا وجود له إلَّا عبر خياله، ويشعر بالراحة ويشكر نعمة الخيال التي جعلته يلامس أحلامه وآماله عن طريق الخيال حتى لو أن عمل الإنسان وظروفه تحول دون تحقيق تطلُّعاته التي لا ترضى بما دون النُّجوم ويستمر في طريق الوهم وزيادة سقف أمنياته.
‏أطرحُ أسئلة جديرة بالتَّأمُّل، وتحتاج إلى البحث في كينونة الإنسان وخاصة في هذا الجانب.
‏لماذا يتمرَّد الإنسان دائمًا على واقعِه؟
‏لماذا يهرب الإنسان إلى الخيالِ ويحقق من خلاله ما عجز عن تحقيقه في الواقع؟
‏لا أقف في وجه هذه الحالة التي تسرف في استخدام الخيال وتحقق أحلامها عبره، ولا أنكر على من يبالغ ويفرط في أمنياته. من حقِّ أيّ إنسان يحلم بما يشاء ويعيش حياته كيفما يشتهيها.. ما يهمُّني الشعور بالراحة عندما يهرب الإنسان إلى الخيال ويعيش في كنفه ما عجز عن تحقيقه في الواقع . والذي يشغل تفكيري ويجعلني أتأمُّلُ وأفكِّرُ في التمرَّدِ الذي يملأ روح الإنسان عن الواقع الذي يعيشه !.. ولا أجد الإنسان كثير الرضا عن واقعه، بل يطمح إلى حياة أخرى، وقصة جديدة يعيشها غير التي يعيشها الآن وكأنها فُرضِت عليه.
‏أعودُ إلى طرحِ الأسئلة حتى نصل إلى فكرة ناضجة تكشف لنا الجانب الخفي للإنسان من ناحية التمرَّد على الواقع .
‏هل الحياة أقسى من توقعات الإنسان؟
‏هل الواقع صادم أم أحلام الإنسان لا تتوقف ولا حدود لها؟
‏عندما يهرب إلى الخيال ليحقق أحلامه فهو يتمرَّد على واقعه ويفرُّ من ذاته ويتعمَّد أن يعيش خارج حدود الواقع. يجدُ في الخيال الراحة من بؤس الحياة وكدر الواقع كما يعتقد.
‏الإنسانُ حالة غريبة تسكنه الدَّهشة.. من كُلِّ الاتجاهات الغرابة تلف طبعه، وتسحبه الرغبات للهروبِ إلى العالم الكبير -الخيال- ليعيش سعادة مؤقتة في واقع زيِّنه الخيال.
‏العجيب أنه إذا شعر بالاكتفاء من تحقيق أمنيته عبر الخيال، يشعر بالملل والرتابة ويلملم نفسه ويعود إلى واقعِهِ ويمارس حياته الطبيعية، ويعزل نفسه عن كُلِّ شيء.

‏ومضة:
‏الإنسان طائر يُحلِّقُ بعيدًا، لا يوقفه إلَّا الموت.

كاتب سعودي*

 

5 thoughts on “‏التمرَّدُ على الواقع

  1. الاحلام تحقق مالم تحققه الحياه لكن السراب لايملك ان الانسان العاقل المدرك لجوانب الحياه وقسوتها تجد امنياته بسيطه وقليله قابله لتحقق لانها عباره عن اجتهاد وتحقيق الاحلام عبر المثابره والصبر لكن على النقيض تجد من يعلم ان امنياته غير قابله وسقفها عالي جدا واصراره على الاحلام بمعرفته انها لن تتحقق ويعوضها بالخيالات هذا جانب من جوانب ضعف البشر . دائما اطروحتاك جميله والاجمل صاحبها وفقك الله استاذ سليم

  2. الخيال نعمة وأحلامنا لاحدود لها والذي مايتحقق في الواقع نتخيل الحلم ونسرح في خيالنا ونعيش تفاصيله ، مقال رائع 👍

  3. دائمًا لنا في الخيال حياة نعيشها بعيدًا عن الواقع ولولا الخيال لسئمنا الحياة..
    أحيانًا نتخيل أنفسنا حققنا طموحات عديدة لنعود لواقعنا ونعمل عليها لنرى أنفسنا كما رأيناها في الخيال،ولكن أحسانًا نفرِط كثيرًا في الخوض في هذه الخيالات ولانحقق شيئًا في واقعنا..
    وأحلام الناس لاحدود لها فكلٌ إنسان يطمح بأمر سيضل يحلم به حتى يحققه،وإن حققه سيبحث عن حلم آخر،نحن معشر البشر دائرة مغلقة من الطموحات..

  4. الأمنيات مستحيلة والخيال فرصه لتحقيقها حتى نعيش بسلام مع اروحنا
    تبقى يا أستاذ سليّم متميز ومختلف في نوعية فكرة مقالاتك

  5. مقال فلسفي يسبر أغوار الإنسان ويبحث عن حالة الانسان في كثرة احلامه مافي انسان ما يحلم ويبالغ في احلامه وعندي سوال هل في انسان حقق احد احلامه في الواقع واكتفى وشعر بالرضى
    انا من اشد المعجبين بمقالات هذا الكاتب التي تهتم بالجانب الفلسفي واتمنى إطلالته الدائمة عبر مجلة فرقد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *