مارك روثكو…تراجيديا فن

بقلم الدكتور: عصام عسيري*

مارك روثكو Mark Rothko فنان أمريكي معاصر 1903-1970م مثير للجدل وكثير من الحسد؛ حيث بيعت إحدى لوحاته بمبلغ ٨٧ مليون دولار، ترجع أصوله للوالدين يهوديين من روسيا متذبذبين التدين والإلحاد، وانتقل مع عائلته لأمريكا في سن العاشرة، درس الفن الحر في جامعة يلي بأمريكا وعمل مدرسًا للرسم والنحت في معهد بروكلين.
ينتمي روثكو للمدرسة التعبيرية التجريدية Expression Abstract ومدرسة نيويورك الفنية، والتي تضم رموز وعمالقة الفن الأمريكي المعاصر جاكسون بولوك وويليام دي كونيينق وغيرهم من مشاهير الفن آنذاك. ولقد بدأ حياته سيريالا ثم انتقل شيئا فشيئا للمرحلة اللونية الحقلية متأثرًا بأفكار نيتشه ودراسات فرويد وأحداث الكساد العظيم السياسية والاقتصادية، ومتأثرًا فنياً بأسلوب هنري ماتيس أحد أهم رموز التجديد في شكل الفن الحديث.
ظهر مصطلح التجريدية التعبيرية في مجلة ديرشتوم الألمانية عام 1919، ثم استخدمه الفريد بر في 1929 لوصف أعمال فازلي كاندسكسي رائد ومؤسس هذه المدرسة الفنية الحديثة والمعاصرة للآن، ثم استخدمها بشكل متكرر حتى انتشر على يد الناقد الفني الأمريكي روبرت كوتس في 1946، وبذلك تكون التجريدية التعبيرية هي أول مدرسة فنية أمريكية بمعنى الكلمة ونقطة انطلاق لأمريكا ونيويورك التى أصبحت محور الفن المعاصر في العالم.

تلقت مدرسة نيويورك والتعبيرية التجريدية دعمًا غير محدود من وكالة الاستخبارات الأمريكية؛ باعتبارها أهم منتج فكري ثقافي فني أمريكي معاصر يمكن من خلاله مقاومة الواقعية الاشتراكية الروسية والسوفيتية التي شاعت في أوروبا ووصلت لأمريكا، وكادت تسحب البساط من أمريكا ثقافيًا.
وهذه المدرسة تعتبر مرحلة متقدمة ومتطورة للسريالية في جانب العفوية والتلقائية والسعي لسيطرة اللاوعي على الإنتاج الإبداعي. حيث كان روثكو وبولوك وماسون وارنست وسيكيروس يعملون على نزف وطرح الألوان على القماش وتحريكها حسبما تهوى الروح. وتتميز مدرسة نيويورك (التعبيرية، التجريدية الروحية)، بتكثيف العاطفة والابتعاد عن الرمزية والتشخيصية، وتسعى للتمرد والفوضوية والعدمية في الممارسة العملية، ومع ذلك كل فنان من رواد هذه المدرسة له تجربة مختلفة عن غيره.
ولما بدأت هذه المدرسة وهذه التجارب الفنية الغريبة بلفت الانتباه وجذب النظر لتجارب فنانيها، رأوها النقاد والمسؤولين عن الثقافة في أمريكا ملاذًا للفكر الحر والأسواق الحرة، وتحدي لكل الأساليب الواقعية الاشتراكية، فدخل الفن ضمن أدوات الحرب الباردة، لذلك لا أستغرب شخصيًا وصول أسعار أعمال رواد الفن في نيويورك لهذا السُعار السعري والمبالغ الفلكية والخرافية. واعتبرت إحدى المجلات الفنية في أوروبا أن ما يحصل في سوق الفن وتحديدًا لرموز التشكيل في أمريكا أساليب إمبريالية ثقافية دعمتها الإدارة الأمريكية بمؤتمرات الحرية الثقافية بشكل دوري من عام 1950-1967 (كتاب فرانسيس ستونور سوندرز)، وبرغم من وجود نقاد أمريكيون اصلاحيون مثل ميشيل كيلمات كبير نقاد صحيفة النيويورك تايمز، الذي كان يسعى لتصحيح المسار وتطوير الحراك الفني القائم، اشعلت مدرسة نيويورك الفن ومنها توسعت تداعياتها البصرية والفلسفية لتصبح اللوحات التعبيرية كالأغاني البصرية شيوعًا في صالات العرض والمتاحف، وازدهر الفن الأمريكي ونتج عنه الفن الجماهيري Pop Art. وكان مارك روثكو ضمن هذه المنظومة، وله أقوال مؤثرة مثل عبارة (الفن مغامرة في عالم مجهول، لا يمكن اكتشافه إلا من قبل أولئك المستعدين للمغامرة). فهذا الفن الجديد والغريب تأثر بدواخل وجدان وعواطف النفس حيث يغوص في عوالم اللاوعي، ويسعى للابتعاد عن ظهور بصمة الفنان بشكل مرئي على سطح اللوحة.

فكان بسبب لوحات روثكو ذات المستطيلات الملونة، ظهر أيضا مصطلح “رسامي الحقول اللونية”، والذين ساهموا في ولادة حركة الفن العفوي أو التلقائي Spontaneous Art والفن النقي أو الخام Art Prut وفن الحد الأدنى Minimalism Art كحركات فنية مهمة في نشأة وتشكيل ملامح الفن المعاصر.

 

 

تتميز لوحات مارك روثكو وأسلوبه الفني بالألوان القليلة والمكثفة، والابتعاد عن التفاصيل لحد التعميم اللوني الكلي، فاللون عنده هو الناقل الرئيسي للدلالات والمعاني، فتكثيف اللون يأتي بهدف فتح آفاق ذات دلالات إنسانية عامة، وإنتاج الفن لديه هو وسيلة لامتلاك المجهول والسامي. كما يسعى كغيره من فنانين مدرسة نيويورك من الانعتاق من سيطرة الفنون الأوروبية، وتحقيق قيم خاصة بالإنسان المعاصر قوامها مشاعره الخاصة وذاته.

فنان وناقد تشكيلي*

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *