عقدة الحدار رواية البداوة الغائبة

  

 

مرام ريفه 

ربما كانت رواية ( عقدة الحدار ) للكاتب السعودي خليف الغالب والصادرة في عام ٢٠١٩م عن دار أثر السعودية إحدى الروايات القلائل التي تتطرّق لمرحلة زمنية مغيّبة في تاريخ العراق الحديث، فهي رواية تاريخية تعود للعام 1798 م، أي في فترة حكم سليمان باشا الكبير، “المملوكي العثماني ومرعب العراق الأكبر” كما تصفه الرواية، تقوم الرواية على جزيئة فارقة، وهي العلاقة الجدلية والضديّة بين البداوة بصحرائها وعنفوانها وقيمها وحريتها من جهة، وبين الحضارة بمدنيتها وعلومها وطريقتها من جهة أخرى.
تدور الرواية حول رحلة بدوية (حدرة) إلى العراق، للتكسب والتبضع، لكن البطل (مطلق) يضطر لبيع نفسه في سوق النجف، لأن المؤونة لا تكفي للتبضع، بعدها يكتشف قاتل أبيه لينتقل إلى بغداد في رحلة مثيرة من الأسئلة الوجودية والبحث عن الثأر…
لقد اختصر الروائي علاقة البدوي بالمدينة حينما قال: حينما أراد الإنسان أن يكون عبدًا اخترع المدينة” وهو بذلك يصور معاناة البدوي الوجودية مع السلطة والجدران والسجن، لقد استطاعت الرواية من خلال الحبكة المتماسكة، والخيوط الدالة، والرموز الإشارية، استطاعت تشويق القارئ وزيادة مساحة توتّره وحماسته، فكان القارئ يحاول اللحاق وربما الركض السردي مع رواية ملأى بالتشويقات الجاذبة والإشارات المدللة.
إنها رواية تهتم بمناطق سردية مهمة، ومهملة، وتحاول ان تعنى بمشكلات الانسان البدوي مع المماليك العثمانيين الذين عاثوا في الأرض جوراً وطغياناً، كما تعبر عن مشكلات البدوي مع الدين ومع الآخر ومع المدنيّة الحديثة.
ومن أبرز سمات عقدة الحدار أنها تنتهج طريقة ملتبسة ومخادعة للقارئ، فالسارد من البداية يشير لالتباس حكايته واختلاط الأحداث في رأسه، وذلك هو شأن التاريخ الضائع الغائب أو المغيب.
يتكئ الكاتب على معرفة عميقة بالحياة البدوية وأساليبها، قهوتها وصيمليها وشدادها وصحرائها وآبارها، كما أن لديه مُكنة معرفية لا بأس بها بالمدن العراقية النجف والحلة وبغداد في ذلك العصر، فاستطاع توظيف التاريخ لسرد حكاية جاذبة ومؤثرة.
إن العراق في تلك المرحلة يحتاج المزيد من الكشف وتسليط الضوء والاهتمام النقدي، ومن المثير أن يأتي هذا الاهتمام من خارج العراق حيث السرد السعودي الذي ينطلق لآفاق واسعة المدى بشباب سعودي متميز يتكئ على أسس متينة من المعرفة والثقافة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *