المقامة الهندية بين القديم والحديث

بقلم: الدكتور معراج أحمد معراج الندوي*

لو تحدثنا عن الهند ومساهمتها وإنجازاته في خدمة اللغة العربية وآدابها سنتحدث عن بحر لا ساحل له، كلما يغوص فيه باحث فإنه يستخرج حلية ويكتشف لؤلؤا لم يقف عليه من قبل، لأن رصيد الهند من هذه اللغة متعدد النواحي ومتنوع المجالات. ولا نبالغ إذا قلنا إنها تعتبر من أكبر مراكز العالم الإسلامي والعربي التي سجل التاريخ الإسلامي إنجازاتها وأدوارها الرائعة في خدمة اللغة العربية بكل ما تحمل الكلمة من معان سواء في مجال التأليف والترجمة أو الشعر والأدب. فهي تحمل في أحضانها آلاف من تلك المآثر العلمية وتحتضن عددا كبيرا من النوادر واللآلئ الثمينة التي فاضت بها أقلام الهند. ومن بين هذه النوادر الهندية فن المقامة الذي قاموا الهنود بكتابته على غرار مقامات الهمذاني والحريري.
تعد المقامة نوعا أدبياً متميزاً في الأدب العربي القديم، وقد نالت قدرا واسعا من الشهرة والانتشار قديما وحديثا. وارتبطت في ذاكرة الأدب العربي ببديع الزمان الهمذاني، وهو أول من قام بصياغة هذا النوع الأدبي. وكان له الدور الواضح في إرساء معالم المقامة من ناحية هويتها النوعية وخصائصها الأدبية.
قام الهنود بدور فعال في كل جنس من أجناس الأدب العربي، فلهم قسط وافر في الشعر العربي والنثر. ومنهم السيد أبو بكر بن محسن باعبود العلوي السورتي، كان له الدور الكبير في تطوير فن المقامة في الهند. لقد كتب هذا الأديب مقامات على منوال مقامات بديع الزمان الهمذاني ومقامات الحريري. بادر هذا العبقري في فن المقامة وألف كتابا يحتوي على واحدة وخمسون مقامة، في سنة 1128 من الهجرة. يوجد هذا الكتاب في شكل مخطوط في المكتبة الوطنية بمدينة كولكاتا، الهند.
السيد أبو بكر بن محسن باعبود العلوي السورتي وجهوده في فن المقامة:
هو السيد أبو بكر بن محسن باعبود العلوي الذي حضر الهند من اليمن واستوطن في مدينة “سورت” بولاية غجرات الهندية، ولكن لسوء الحظ لم تتوفر المعلومات الأساسية عن الحياة العلمية والأدبية لهذا الأديب في كتب التراجم إلا في “نزهة الخواطر في بهجة المسامع والنواظر” للسيد عبد الحي. وهو يقول عن هذا الأديب الشيخ العالم الكبير العلامة أبو بكر بن محسن باعبود العلوي السورتي أحد الأدباء المشهورين من أهل اليمن الميمون، قدم الهند وسكن بمدينة سورت، له المقامات الهندية، فيها خمسون مقامة، عزى روايتها إلى الناصر بن الفتاح ونشأتها إلى الظفر الهندي، صنفها سنة ثمان وعشرين ومائة وألف” إن المؤلف في مقامته حكى قصص الاحتيال والخداع وسلك على مسلك مقامات بديع الزمان ومقامات الحريري، لقد اختار أسلوب الفكاهة والسخرية، وقد أخذ الفكرة الرئيسية من مقامات الحريري والآخرين، ثم غيرها وهندمها وصوغها في ثوب جديد في أسلوب بديع.
يقول المؤلف في مقامة سماها “مقامة قواليرية” وهو يصف قلعة قوالير التي كانت تقع على قمة الجبل، والجدير بالذكر أن الملوك كانوا يحبسون الأسارى والملك المنهزم في الحروب في قلعة قوالير، فيقول المؤلف: “ساقتني المقادير إلى الاحتياز بقلعة قوالير، فرأيتها كأنما تنام بالنجوم وتستر بالغيوم، أو تروم الاطلاع على ما في اللوح من القضاء والمحتوم، قد بعد السماء مرتقاها حتى يساوي ثراها مع ثراها- ممتنعة على الطلب والطالب، منصوبة لي أضيق المسالك، وأدغر المناصب، فاشتقت إليها، والتفرج على ما فيها، فقيل لي إن ليس لأحد إذن في دخولها ونزولها، لأن الملك إذا غضب على أحد ارسله إليها، ليحبسه في أعاليها، ثم إذا بذلت شيئا من مالي، لبعض خدام الوالي، وألبسني لباس المؤكلين بالحبس، وقال ادخل أنت مطمئن النفس، ولما دخلت اقشعر منى الاهاب، لأن ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبله العذاب.”
ضاع فن المقامة مع مرور الزمان في الهند كما فقد رونقه وبهاءة في العالم العربي، وفي العصر الحديث استوردت فن القصة على غرار القصة الغربية والرواية التي احتلت مكانها حيث أصبح فن المقامة الفن المفقود في الأدب العربي. ظهر الدكتور محمد سليم بن عبيد الله الذي اطلع عليها وأعجب بها وأدرك أن للمقامة تأثير كبير في نفوس الناس، فقرر أن يعمل عملا حاسما في توجيه فن المقامة في الهند، يحاول هذا الأديب الشاب أن يجدد هذا الفن ويعرف عليه في المشهد الأدبي من جديد. وبلا ريب فإن مقاماته تلفت الأنظار بما تتميز من صناعة لفظية ولغوية.
محمد سليم بن عبيد الله وجهوده في فن المقامة:
هو من مواليد 1986م في قرية مولا ديه، بمدينة بلرامفور في ولاية أوترابراديش، الهند. تعلم اللغة العربية والعلوم الإسلامية في الجامعة السلفية ببنارس، الهند. وهو الحاصل على شهادة العالمية منها في الدراسات العربية والإسلامية في عام 2004م. مال إلى الأدب العربي وتوجه إلى جامعة جواهر لال نهرو بنيو دلهي، حصل على شهادة الليسانس في الأدب العربي في عام 2008م، والماجستير في الأدب العربي وشهادة ما قبل الدكتورة في عام 2010م و2012م على وجه الترتيب، أكمل درجة الدكتورة من نفس الجامعة عام 2017م وقام بدراسة مقارنة تحليلية بين رواية “قلب الظلام” لجوزيف كونراد، وبين رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح”. له مقالات وبحوث في الأدب العربي والعلوم الإسلامية نشرت في المجلات والجرائد في الهند وخارجها. يشارك في المؤتمرات الوطنية والدولية ويقدم الأوراق البحثية العديدة حول الموضوعات الأدبية والثقافية واللغوية. يحاول أن يثبت حضوره في المسرح الأدبي بكتابة فن المقامة يتناول في مقاماته القضايا الاجتماعية والسياسة والأدبية. له فكره في الاجتماع والسياسة، كما له رؤاه في الأدب والنقد.
تمثل مقامات محمد سليم بن عبيد الله نوعا أدبيا بارزا بوصفها نصا مؤسسا في تاريخ الأدب العربي الهندي الحديث، ينطوي على عدد من السمات والخصائص الفنية التي تدل على براعته وأسلوبه. يكتب الأستاذ محمد سليم بن عبيد الله: “حدثنا خالد بن سلام قال مرة سنحت لي الفرصة لأزور، إحدى الجامعات التي زارها من بلد عربي أستاذ وقور، أتى إليها كأستاذ زائر، كان شهيرا في ميدان الأدب شهرة مثل سائر. كان في فنه من نوابغ العصر. وقد كان في أول زيارته إلى الهند سمع عن ملوك البنغال والسند. وما إن وطأت الهند قدماه، حتى انقبض صدره وغلب الهم على محياه. رأى الشوارع مزدحمة، ووجوه الرجال غير مبتسمة. حاول الكشف عن الأمر، فعلم الأدهى والأمر.
يتناول محمد سليم بن عبيد الله القضايا الاجتماعية في عصر التكنولوجيا وأثرها السلبي والإيجابي في المجتمع. وهو يقول في مقامته “الهواتف الذكيّة”: حدّثنا خالد بن سلام قال مرة دعيت إلى ندوة للأكاديميين، فلقيت فيها كتابا كانوا في الأدب من السلاطين. وقد رأيت بعضهم يخرجون من جيوبهم آلات صغيرة، لم تكن ثقيلة ولا كبيرة. كانت تضئ وتخفت باللمس، وكانت تسجّل الأصوات حتى الهمس. فتعجبت منها وفي أمرها تحيّرت، وتحسست جيبي وتحرّيت. ثم قلت لنفسي تبدو كأنها عصا موسى تلتهم وتلقف كل ما يلقيه الناس من كلام ثم إياه تقذف. كانت ترن وتجرس، وعند اللمس تبكم وتخرس.
إن الدكتور محمد سليم بن عبيد الله لم يكن متأثرا حين ينشأ في مقامته ولا يحذو أحدا من الكتاب الهنود لأنهم لم يمارسوا هذا الفن في العصر الحديث. يؤمن الأستاذ سليم أن قلم الأديب كعدسة المصور يصور ويرسم كل ما يراه في حياته اليومية. يسلك في سبيلها كل الطرق ما دامت سليمة من الخطر، بعيدة عن المزالق التي لا تؤدي إلى خير دون أن يخالف في ذلك لومة لائم. إن الدكتور سليم صاحب الفضل الذي فتح باب فن المقامة في الأدب العربي الهندي. يحاول أن يجدده ويعيد إليه الحياة والروح كما فعل البارودي في تجديد الشعر العربي. لقد قام الأستاذ سليم أن يخرج فن المقامة من صفحات التاريخ إلى أرض الواقع وحاول أن ينفخ روحه في هذا الفن المفقود.

الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها*
جامعة عالية، كولكاتا – الهند

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *