فنجان العرَّاف


قصة قصيرة

رحو شرقي* 
هذا الاسم يحمل أسراراً للاسترزاق، لا يمكن الاطلاع عليها، سنضيع عليه ألوان بلوراته و دخان فنجانه.
العرافون يتقنون نصف ابتسامة، لكن أين ذهب النصف الآخر؟
لا يوجد لوحة إشهارية على مدخل بابه، فحِرفته عندنا منبوذة، يقال أن الحِرَف التي تكتنز الأسرار لا تعترف بها الجهات الأخرى.
فتح مكتبه لاستقبال مرضاه وغمغم بقوله: “يا فتاح يا رزاق.”
في ذلك اليوم، مابين الأصيل والغروب قَدِم موكب رفيع المستوى يبدو كذلك، ثلاثة سيارات بعضُها إلى بعض لِزْق.
نزلت تلك المرأة التي ترتدي لباسها الأسود بوشاحها الباريزي المزدلي على كتفها وتخفي ملامح وجهها بنظاراتها السوداء وعطرها الجذاب الذي ملأ المكان القديم، حتى أنه أذاب مَخاطّ أنفي اليابس، لم يبتعد عنها ذلك الحارس الشاب بتوزيع خزراته المتعجرفة على الجميع، قلت في نفسي : ماذا سيقدم لهم هذا العراف؟ كأننا أمام مشفى حكومي هاهاهاها.
كما بدا لي هذا الوجه مألوفا، و بنفس طراز هذه المركبات!
خرج العراف فجأة وطلب منا الابتعاد، وقطع على نفسه وعدا بتقديم قطع الحلوى، فبالوناتنا أزعجت ضيوفه لاصطدامها بجدار غرفته.
في هذه المرة يبدو العراف على غير عادته، هددنا بالقول كذلك : هذه زوجة المسؤول إنْ لم تبتعدوا سأعزركم.
ما الدافع لهذه الثقة؟!
وكأننا خارج هذا المكان؟
الفضول يدفعنا لاختلاس منظراً عبر نافذته الخلفية، حيث أكوام الرمل التي يسهل عليها الوثب؛ إنها الطفولة!
غرفة التشخيص تبدو كحجرة قصديرية، بحصيرة وبعض الخرق وصحون يملؤها الرماد وأتربة، لا أضنها مثل التي توضع بالمزهريات.
صديقي نظرته حصيرة، لا يأبه لهذه الحرفة وأحيانا يسألني عن أشياء فوق عُمري، هكذا رأينا تلك الطقوس والطلاسم وهي أمام ركبتيه، تستنجده على ضعفها؛ فرصته ليزمجر و يرفع يداه إلى الأعلى.
قالت :
– يا سيدي جئتك أشكو قلقي، أبتغي فنجانك…سمعنا عنك.
– وماذا عني؟ 
أنك رجل تحسن النظر على البلور، وقراءة الفنجان. تعرف كيف تتلو الطلاسم، فترى المستقبل على الزجاج، وكيف تُرجع الشباب بتعويذاتٍ على الماء.
سكت العراف بعض الوقت .
تساءل صديقي: – من الذي يمتهن الدجل ؟
لم أجبه، أنا لا أعرف معنى لهذه الكلمة.
ثم سأل العراف زائرته عن اسمها واسم أمها .
تأمل فنجانه بروية، تغير لونه، أستنفر، استنكر بالزعيق، ماذا رأى ؟ 
ليالي شهريار !. قال لها : سأخبرك عند اكتمال القمر.
سيدتي قد اكتمل القمر وزال الغبش، أرى ثلاثة أقوام جبارين كل على حدى، يركبون ألسنة الموج، صغيرهم خنصره أشد من السيف.
وآخرون يمتطون اليراع كفرسان النور في الظلام، مدادهم كالسواط على جذوع الظلام العاري.
و البقية ينحتون من الجبال قصورا كقصور البتراء،
كلهم يتسابقون كأفراس الصبى .
– ياصديقي مالذي يريد قوله هذا العراف؟!
أنا لا أفهم لغة العرافين مثل هذه الزائرة التي تتسيد على نفسها، اخفض صوتك .
آااوه.. أنصت، الذي يبقيني هنا لباسها الأسود …هاهي تخاطبه!
– يا هذا أفصح في قولك، فما أنا بقارئة لفنجانك .
أيديهم تبتسم على ظهور بعضهم، اختاروا ركوب الموج و بساط الريح، استنفذوا مآثرهم و ليس لديهم شيءٌ من الفقد، بل هم عين الموج الذي يرى السفينة ويقودها إلى براريهم.
– عن أي سفينة تتحدث؟
يا سيدتي أنا أُملي عليك ما أراه.
راياتهم الشمس إن غاب القمر، يلتحفون الأرض والسحب .
ارحلي…ارحلي بعيداً عن هذا المكان و لا تلتفتِ وراءك فيصيبك عذاباً، إنهم يقتربون من السفينة.
انتظري …انتظري ..أراك نهشت لحوم أكتافهم ومازال لعابك يتقاطر بلون أحمر .
– أيها العراف أراك تريد مبلغاً أكثر لتعيد النظر في فنجانك.
يا سيدتي هذه أسرارنا إن لم تمانع…
مَا قيّمةُ وُجُودكْ …؟!
إذَا لمْ تهدّيني مفاتيحَ النُّورْ …
حُضُورك بوجْه هَافتْ … !
يُغَّيبُ نُّجومي ….ليُعَانقُنيْ التَّيْه…
أنتظرُ … وأنتظرْ …
لأُلاَحقَ أنينكَ في زوايَا مُبَعْثرَة …لنْ تَقودَنيْ إلَى مَدينَتكْ …
يَدُك مُنَافقَةْ …لا ألاَمسُ فيها سوَى الخَرَابْ …
مجنونة أنت
أَتَتّْهمُنيْ بالجُنُونْ …؟!
مَلعُونُ …مَلْعُونُ …مَلْعُونْ …
لتُبْقّينيْ أَعتَكفُ الحُزْنَ فيْ محْرَابك …فَأنا أُناجيْ صُبحيْ بعــد الغيَابْ …
لَيْلُـك مُوحشٌ وَبَاردْ …ليُواريْ الأَملْ …
أَنْتَ سرَابٌ … سرَابْ …
وأنت خراب بعد السراب
دَعْنيْ أَيُّهَا من ظَلامْك أيها العراف، لَيَس فيكَ فُصُول وَلاَ أَبّوابْ …
فحصيرك تَشْتَهيْ السُّهَادْ …
لَقَد قُرُبَ فَجريّْ،  هَذَا لَيْليْ على الجسْر القَديمْ…
-لاَ داعيْ أن تّعُود….
لكن ليس الآن ، لقد ظهر الخيط الأبيض .
التزما الصمت قليلاً، ليقلب مرآته متعجباً !
– آوووف هيا ياصديقي نغادر المكان سيرانا العراف.
ألا تريد البقية ؟
-لا …إنها قصة مبتورة .
أحذر …أحذر من السقوط 
– لا عليك …منذ نعومة أظافري أعاني البؤس والشقاء و أقظم الخبز الحافي، أما الآن استمتع برمال ناعمة تحت قدمي 
هيا اقفز، واحد ، اثنان ، ثلاثة …هوب …تباً لأمة تستشرف مستقبلها على أيدِي العرافين.
ما هذا الصوت المزعج ؟
آوووه …لقد أيقظني صوت المنبه ولم تكتمل الرؤية….حلم مبتور.

 * كاتب وقاص من الجزائر 

One thought on “فنجان العرَّاف

  1. الشكر الجزيل لمجلة فرقد على النشر والتوثيق وتحية تليق بالكادر ……….آيات الثناء .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *