كلمة الجودي في الاحتفاء بالعبّادي

الوسط الثقافي – حامد العباسي

في لفتة وفاء، ووسط أجواء احتفائية رائعة ألقى العميد متقاعد/ صالح بن غازي الجودي هذه المشاركة الضافية، وذلك مشاركة في احتفائية نادي الطائف الأدبي بالأستاذ/ علي بن حسن العبّادي التي أقيمت مؤخرا بفندق انتركونتنينتال الطائف، وشهدها جمع كبير من الأدباء والشعراء والمثقفين والمفكرين.

يسرّنا أن ننشرها عبر صفحات مجلتكم مجلة فرقد الإبداعية لتبقى مرجعا للباحثين، وملهمة للأوفياء المخلصين.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وبعد :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :

أساتذتي الأفاضل : نشكر الإخوةَ القائمين على إعدادِ هذا الحفلِ لتكريمِ شيخِنا وأستاذِنا الكبير، أديبِ الطائفِ بل وأحد أبرز أدباء المملكة ، الأستاذُ القدير ، أستاذُ الأجيال ، الأستاذ علي بن حسن العبادي ، أمد الله في عمره ، وتقبل أحسنِ عملِه .

ثم نحمد اللهَ العلي القدير على نِعمه التي لا تعد ولا تحصى ، وأولها نعمةُ الإسلام ، ثم نعمةُ الأمن والأمان ، في بلادنا منذُ وحدها المغفورُ له عبدُ العزيز آل سعود رحمه الله ، وسار على نهجه أبناؤه الملوك البررة ، حتى عهدنا الحاضر ، عهدَ ملك الحزم والعزم خادمِ الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ، ووليِّ عهده الأمين ، حفظهما الله .

ولقد اهتمت الدولةُ أيدها الله منذُ تأسيسِها اهتماماً كبيراً برقيِ المواطنِ ورفاهيتِه ، فاهتمت بالتعليمِ والصحةِ والطرقِ والاقتصادِ والزراعةِ والصناعة ، وغيرِ ذلك من مجالات الحياة .

وكان من ثمارِ ذلك ظهورُ نماذجَ كبيرةٍ من المثقفين والأدباء ، أمثالِ أستاذنا القدير الأستاذ الشيخ علي العبادي ، وفقه الله .

وفي كلمتي هذه اسمحوا لي أن أسردَ لكم شيئاً من سيرته ، وأن أشيرَ إلى جوانبَ من شخصيتِه العلميةِ والأدبيةِ الفذة .

أستاذنا إنسانٌ بكل ما تحمل الكلمةُ من معنى ، فقد حكى لي في إحدى المرات أنه كان يهتم بالأيتام ويرعاهم في منزله رعاية الأب الحنون ، ويعلمهم ، القراءة والكتابة .

النشأة والميلاد :

أستاذنا الأديب الناقد الشاعر هو علي بن حسن بن عبد الله بن حسين بن عبد الله بن محمد ، ويتصل نسبُه بالصحابيِ الجليل عثمانَ بن عفان

رضي الله عنه ، وقد قدم أجداده من الجوفِ شرقَ صنعاء واستوطنوا مكة المكرمة منذ عام 1173 هـ ، كما يذكر هو ذلك في كتابه ( نظرات في الأدب والتاريخ والأنساب ) .

ولدَ أستاذُنا عام 1350 هـ ، وكان مولعاً بالقراءة ، وأهداه الشيخ عبد الله فدا رحمه الله ، وهو صاحبُ مكتبةٍ في باب السلام أواخر الستينات الهجرية ، كتابين الأول ( ميدو وشركاه ) والثاني ( فن القصص )، والكتابان للأستاذ محمود تيمور ، من قصصِ الأطفال ، ولا زال الشيخ يحتفظ بهما في مكتبته .

التعليم :

تلقى الشيخ تعليمه في كُتاب الشيخين محمد بن مَخان ، وسعيد با حميش ، في مكة المكرمة ، وحفظ القرآن الكريم كاملاً في صغره ، ثم التحق بكُتاب الشيخ إبراهيم الخلوصي بباب زيادة ، أحد أبواب الحرم المكي آنذاك ، وهناك تعلم الخط العربي بأنواعه والإملاءَ والحساب ، ثم انتقل للمدرسة التحضيرية ، وكان مديرها الشيخ صالح إمام ، ثم انتقل إلى المدرسة الابتدائية ، وكان مديرها الشيخ عبد الغني غلام زمزمي ، رحمهم الله جميعا .

بعد ذلك انتقل التحق بالمعهد العلمي بمكة المكرمة حيث درس بها علوم العربية ، النحو والصرف والعروض على يد الشيخ السيد علوي عباس المالكي الحسني رحمه الله ، وتخرج من المعهد يحمل إجازةَ تعليمِ اللغة العربية .

العمل والوظيفة :

في منتصف عام 1369 هـ عمل أستاذنا معلماً بالمدرسة المحمدية بمكة المكرمة ، لمدة عام دراسي تقريبا ، براتب لا يتجاوز المائتي ريال ، ثم عُرض عليه العمل بالخرمة براتب مائتين وثمانين ريالا ، وهناك بدأ في تأسيس الدراسة بالخرمة ، حيث التقاه أميرها آنذاك ابن لؤي ، وأعطاه منزلاً مكون من غرفتين تقريباً ، ليون مبنى المدرسة ، فكان هو

مديرها وأستاذها الوحيد وحارسها في ذات الوقت ، وبدأ في تعليم الطلاب ، وكان الطلاب ـ على حد تعبيره ـ يتعلمون القرآن وفك الحرف على أيدي مشايخ وكتاتيب يؤسسها أهل الخير بغية الأجر والمثوبة ، وكان ذلك قبل إنشاء وزارة التعليم ، إذ كانت مديرية التعليم ترتبط بوزير الداخلية ، وكان من طلابه آنذاك الشيخ صالح بن صالح الزير ، وكان يتيما فرقاه إلى الصف الرابع ، لمعرفته بالقراءة والكتابة ومراعاة لظروفه .

وعمل أستاذنا لمدة ست سنوات بالخرمة ، واستقدم لمدرسته عدداً من المدرسين من مكة الكرمة .

ولما تأسست وزارة التعليم عام 1377 هـ ، وكان وزيرها الملك فهد رحمه الله ، طلب شيخُنا الانتقال إلى الطائف ، فنقل إلى مدرسةِ العزيزية حيث عمل بها مدرساً ثم مديراً ، وكانت المدرسة في الجانب الشرقي من ركبان شبرا ، وظلّ مديراً لمدرسة العزيزية إلى أن أحيلَ على التقاعد لبلوغه السن النظامية عام 1412هـ .

تأسيس نادي الطائف الأدبي :

كان أستاذنا كما عرف عنه شغوفاً بالعلم والأدب ، وتأسست حين ذلك مكتبة ( المعارف ) للشيخ محمد سعيد كمال ، ومكتبة المؤيد وفرع لمكتبة الثقافة التي أسسها الشيخ صالح جمال في مكة المكرمة ، وكان يرتاد الطائفَ كثيرٌ من الأدباءِ والشعراءِ والمهتمين بالأدب ، وكان لهم مجالسُ أدبية في منازلهم أو في إحدى المكتبات ، وكان شيخنا أهمَّ روادِ هذه المجالس ، وكانوا يشاركون في الصحف الموجودة وقتئذ ، ( أم القرى ، والمدينة وعكاظ والرياض ) ثم خطرت لهم فكرةُ إنشاءِ نادٍ أدبي ، فرفع كلٌ من أستاذُنا علي العبادي والشيخ محمد سعيد كمال والأستاذ حمد الزيد والأستاذ علي خضران برقية إلى صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن فهد رحمه الله رئيس رعاية الشباب آنذاك يطلبون تأسيس نادٍ أدبي ، وفي حدود الشهرين جاءت الموافقة وتم تأسيس النادي مع أربعة أندية أخرى في مدن المملكة المختلفة ، وتولى

رئاسته بدايةً الأستاذ حمد الزيد نظراً لتفرغه ، ثم ابتعث الزيد للدراسة في الخارج فترأسه شيخُنا مدةً من الزمن .

مؤلفاته :

لشيخنا مؤلفاتٌ بعضها مطبوعٌ ، والبعضُ الآخرُ لا زال مخطوطاً ، منها :

– نظراتٌ في الأدبِ والتاريخِ والأنساب .

– ما هكذا يكتبُ الشعرُ ، جزءان .

– له مقالاتٌ عدة في بعض الدوريات السعودية والمصرية .

– له عدة مقالاتٍ في جريدةِ المدينة بعنوان ( أنا بيش )

– أعدَّ بالاشتراك مع الشيخِ محمد سعيد كمال رحمه الله ، بعض المخطوطات والمنشورات .

– دوواين شعر ، مخطوطة .

– شرح ديوان أمية بن أبي الصلت ، مخطوط ، وموجودٌ في مكتبته التي تركها في شقته بالقاهرة ، ولم يعد لها منذ زمنٍ بعيد .

– أشرف وحرر صفحة ندوة الأدب في جريدة الندوة في عهد مؤسسها الشيخ صالح جمال .

– في أوائل عام 1400هـ كان له عمودٌ نقدي بعنوان ( للنبلاء فقط ) في جريدة عكاظ .

ما قيل عن الأستاذ علي بن حسن العبادي :

ذكره عدد كبير من كبار الكتاب السعوديين وغيرهم من العرب ، وأشادوا بأدبه وكتاباته ، فمن ذلك :

1ـ كتب معالي الشيخ عبد العزيز الخويطر وزير المعارف سابقاً رحمه الله ، بعد قراءته لمسودة كتاب شيخنا ( ما هكذا يكتب الشعر ) عام 1425 هـ ، يقول :

قرأت المسودة كلمةً كلمة ، لأن الكتابَ شدّني من عدةِ نواحي ، منها أنَّ كاتبه دقيق في مراعاةِ أصولِ اللغةِ وأسلوبِها ونحوِها وصرفِها ونهجِها ) .

وقال أيضاً : ( لو قُدّمَ ربعُ علمِه بالعروض لحصل على دكتوراة تسد الأفقَ بحجمِها ) .

وقال أيضاً : ( إن هذا الكتابَ يأتي جداً في هزل ، وضياءً وسَطَ ظلمة ، وجمالاً وسَطَ قبح ) .

2ـ ومما قاله معالي الأستاذ الدكتور إبراهيم بن محمد العواجي الأديبُ والشاعرُ الكبير في قرضه لكتاب ( نظراتٌ في التاريخ والأدب والأنساب ) الذي أعيد طبعه في عام 1426 هـ .

( وكانت رحلتي مع مداخلاتِه رحلةً ممتعةً ، وتعليميةً في الوقت نفسِه ، فقد أتاحَ لي التعرفَ على كثيرٍ من الحقائقِ التاريخيةِ وبخاصة تلك المتعلقةُ بتاريخِ وأنسابِ القبائلِ العربية ، التي لم تجد مساحةً في مناهجِنا التعليمية ، المزدحمةِ بحشوٍ مملٍ عن جغرافيةِ دولٍ وشعوبٍ لا نكادُ نعرفُ وجودَها ، ولا يعنينا هذا الوجود .. ) .

وكتب أيضا يقول :

( نحن أمام ثروةٍ معرفيةٍ غنية ، وأمام لوحةٍ قزحيةٍ تمثل كلَّ ألوانِ الطيفِ الأدبي ) .

وقال أيضاً عن أستاذنا العبادي :

( عالمٌ لغويٌ جليل ، تمتد اهتماماته بكلِّ الأجناسِ الأدبية ، وهو عالمٌ عروضي ) .

3ـ ومما قاله الأستاذ الدكتور عبد الملك مرتاض الجزائري الجنسية ، عن أستاذنِا العبادي ، عند تعليقِه على كتاب ( ما هكذا يكتب الشعر ) :

( ربما يكون هذا الكتابُ آخرَ الكتبِ التي تُدرج في المنهجِ التأليفي التراثي الموسوعي ، الممتعِ المفيدِ الذي يجمع بين العلم والأدب والمناظرةِ والنقدِ والتوجيهِ والتاريخِ ، لهذا فإن الأستاذَ علياً العبادي ، يعتبرُ علّامةُ الطائف ، وأكادُ أقولُ علّامةَ المملكةِ العربية السعودية ، الأستاذ علي بن حسن العبادي ، يرمي للشــعراءِ بكتابٍ لم يقـرأوا له مثيلاً ، ولم يجدوا له صنواً بديلا ) .

ختاماً : استغفر الله الذي لا إله إلا هو وأتوب إليه ، وأسأله أن يمنحنا وإياكم وشيخنا المكرم في هذه الليلة ، عظيمَ الأجرِ والمثوبة ، وأن ينفعنا ووالدينا وجميعَ معلمينا بما نقدم ، وأن يحيطنا وحكومتَنا وملكَنا ووليَ عهده بالأمن والأمان ، ويجزيهم خيرَ الجزاءِ على ما قدموا ، ويقدمون لهذه البلادِ الطاهرةِ وأهلِها ومرتادِيها ، وأسأله النصرَ والتمكينَ لجنودنا البواسلِ المرابطين على حدودِ أرضنا المعطاء ..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *