قراءة في رواية (جفرسون ستريت)

مالم تقله الرواية وإشكاليات التلقي 

قراءة في رواية (جفرسون سارة) للدكتور محمد ناجي آل سعد

 

بقلم/ د. يوسف حسن العارف*

 

فاتحة:

ما بين 24/6/1440هـ و1/8/1440هـ (شهر وستة أيام) تقريباً، وهذه المدة تكفي لقراءة ثلاث روايات – على الأقل – لقارئ نشط مثلي!! ولكن هذه الرواية – التي بين أيدينا لتشريحها وتفتيقها نقدياً – أتعبتني بحثاً عن مفاتيحها، وتواصلاً مع ثيماتها، وبحثاً عن مدلولاتها.

ولما عزمت على الكتابة النقدية عنها عصر يوم الاثنين 8/9/1440هـ، أصابتني الحيرة كيف ومن أين أبدأ مراودة الرواية المثيرة، فلم أجد إلا عنوانها اللافت لعله يفتح عليَّ أبواباً للتداخل مع الرواية وتتبع أحداثها!!

#       #       #

(2) “جيفرسون ستريت” العنوان الذي اختاره الروائي محمد آل سعد لروايته – التي نحن بصددها – وهو عنوان يحمل كثيراً من الثنائيات المتناغمة حيناً، والمتشظية حيناً، المحددة حيناً والمتوالدة حيناً، القريبة دلالياً والبعيدة دلالياً في نفس الآن!!

عنوان يحمل (زمكانيةً) دالة، متشعبة، واقعية وفانتازية، تحمل ماضويتها ومعاصرتها في نفس الآن!! وتتفيأ المحلية تارة والعالمية الدولية حيناً آخر!!

“جيفرسون ستريت” جملة ثنائية، تعطيك إيحاءً رامزاً إلى كينونة معروفة، تتوزع دلالاتها بين الشخص والمكان، بين الزمن والموضع، بين التاريخ والجغرافيا، فـ(ستريت) المفردة الإنجليزية الدالة على (المكان/ الشارع) في العربية، و(جيفرسون) المفردة الدالة على الشخص الذي ينتسب إليه ذلك (المكان/ الشارع) وهنا تأتي إشكالية الكاتب والقارئ، فالروائي/ المؤلف لم يختر كتابتها بلغتها الإنجليزية على صفحة الغلاف والعنوان الرئيسة، وإنما كتبها باللغة العربية!! بينما جاءت في آخر صفحات الرواية قبل الغلاف الأخير مكتوبة باللغة الإنجليزية: “JEFERSON STREET” وهذا يضيف دلالة أخرى على الثنائية العنوانية عبر هذه العتبة المائزة دلالياً ولغوياً!! مما يجعل إحدى مهام هذه القراءة النافذة أن تقف عند هذه الجملة الثنائية/ العنوان لنتعرف – عبر الواقع والخلفية التاريخية والأبعاد اللغوية – على دلالات وإيحاءات هذا الفضاء العنواني الذي يتكون من مقطعين:

فأما (Jeferson/ جيفرسون المقطع الأول) أحد المؤسسين لأمريكا واسمه بالكامل توماس جيفرسون، ويعتبر هو ثالث الرؤساء الذين قادوا المسيرة الأمريكية في الفترة ما بين 1801م و1809م، كاتب ومفكر وحكيم.

ومن أقواله وحكمه:

“إن أفضل المواهب لا تستخدم كلمتين عندما تكون كلمة واحدة كافية”.

” سر مع التيار فيما يخص المظاهر، أما ما يخص المبادئ فلتقف مكانك مثل الصخرة”(1).

هذه الشخصية الحقيقية يستعيرها المبدع لتكون جزءاً من العنوان، وبالتالي تتقاطع مع أحداث الرواية بوصفها مكاناً يحمل هذا الاسم.

وأما المقطع الثاني من العنوان (ستريت) فهو (الشارع) إذا عربناه، وهو هنا دال على مكان بعينه في الولايات المتحدة الأمريكية، في ولاية أريزونا/ فينكس. ويمتاز هذا الشاعر – واقعياً – بالكثير من الفنادق وأماكن الجذب السياحي، والمتاحف والحدائق وساحات التراث والقلاع والمراكز الدينية (مساجد – كنائس)، إلى جانب المعاهد والكليات المتنوعة، والشركات.

وكل هذه التمايزات المكانية سيأتي توظيفها دلالياً في الرواية بحيث يقترب المخيال الروائي من الواقع الزمكاني الذي وجدنا شيئاً منه في تحليل العتبة العنوانية.

 #       #       #

(3) وإذا كانت (جيرفرسون ستريت)، تشكل المكان الذي يحتوي أحداث هذه الرواية، فإنها تتقاطع وتتكامل مع (قبالة) حيث تشكل المنطلق والغاية المكانية، فمنها بدأ البطل خروجه، وإليها يخطط للعودة. وفي هذا تذكير بالرواية السابقة لنفس المؤلف (العودة إلى قبالة) والمنشورة عام 1439هـ والتي قدمنا عنها قراءة نقدية(2) وهذا ما يجعلنا أمام بنية روائية متكاملة تتشكل – حتى الآن – من جزئين، بعنوانين مختلفين ولكن شخوصهما وأبطالهما لازالا يتقاسمان هذين الجزئين ويتربعان على فضاءاتهما النَّصية والحكائية.

تبدو (قبالة) في الأربع التفريعات/ المقاطع من الفصل الأول، هي المكان الذي تنطلق منه أحداث الرواية، وهي ما تشكل ختاماً للرواية السابقة – التي أشرنا إليها آنفاً – حيث تتنامى تلك الأحداث – كمدخل – للأحداث الجديدة والتي تبدأ معنا منذ المقطع الخامس من الفصل الأول حيث ينتقل أحد أبطال الرواية (هراج/ هيرج – فيما بعد -) من (قبالة) إلى (العاصمة) بحثاً عن (فراج/ فيرج – فيما بعد -) البطل الأساس في الرواية، وفي السفارة الأمريكية يلتقيان، وتبدأ أحداث جديدة وشخصيات أخرى ثانوية وأساسية، وتتشظى (الأمكنة) الحكائية في جدلية لغوية/ روائية ممتعة وجاذبة!!

#       #       #

(4) ومع (المكانين) السابقين (جيفرسون ستريت) والتي لم تدخلنا الرواية – ولا الراوي – إليها بعد، إلا بإشارة موجزة تحملها لنا العتبة العنوانية، و(قبالة) التي ذكرتنا بها بدايات الأحداث الجديدة كتوطئة لما سيأتي بعدها من أحداث. تتنامى (الأمكة المساعدة)، (الأمكنة الثانوية) وتتشظى – في نفس الآن – بين أماكن أصيلة/ أصلية، وأماكن فرعية/ ثانوية، فنجد (العاصمة)، ثم (السفارة الأمريكية) ثم (الفندق) ثم (السوق التجاري) و(سيارة التاكسي) و(الكوفي شوب)، و(مطار واشنطن دلاس) و(مدينة فينكس) و(ولاية أريزونا) و(مطار فينكس سكاي هاربر إنترناشيونال)… إلخ هذه الأماكن المتشظية الثانوية..، لكننا الآن سنبدأ التعامل (روائياً) مع المكان الأصلي الأول للرواية وهو تحديداً (ولاية أريزونا – مدينة فينكس – شارع جيفرسون). ثلاثية مكانية لا تنسى!!، وبدايات أحداث دراماتيكية، تأخذ من فن القص البوليسي والرواية البوليسية سماتها وتجاذباتها كما جاء عند الناقد والقاص الأديب أحمد عسيري(3).

#       #       #

(5) وإذا كان (المكان) الروائي لا ينفك عن (الزمان)، فإن الصلات اللغوية والأسلوبية التي تصنع الحبكة الروائية، تختلق (زمانها) الملائم، فتبدو هنا (الزمكانية) – كما يسميها النقاد – مرتبطة عضوياً/ حدثياً/ أسلوبياً ولغوياً.

وهنا يتشكل (الزمن السردي) وفق آلية ديالكتيكية تتماشى مع الإحداثيات التي يصنعها الراوي العليم، فنجد الزمن الميت، والزمن الحيوي الفعال، ونجد الزمن الماضوي الاسترجاعي، والزمن المستقبلي/ الاستباقي. كما نجد الزمن الحقيقي الخطِّي/المتعاقب وكذلك الزمن الفني المتخيل والزمن المراوغ!! وكل ذلك لضمان الاستمرارية والإثارة والتشويق.

فإذا كانت الرواية تبدأ بزمن حقيقي/ خطي متعاقب وهو “بعد العاشرة من مساء ليلة العاشر، من الشهر العاشر من عام 1997” ص 7، فإنها تنتهي بنفس اللحظة الزمنية الحقيقية، وهي “في العاشرة من صباح اليوم العاشر من شهر أكتوبر/ الشهر العاشر من العام 2015” ص 347.

وما بين هذين الزمنين الرئيسين، تتقاطر الأزمنة فنجد (الليل) الذي خرج فيه فراج من داره خفية،وخرج أهل المدينة للبحث عنه. ونجد (العصر) الذي خرجت فيه الجدة (فضل) للبحث عنه في الغابة، ونجد (النهار/ اليوم) الذي احتجز فيه (هراج) في السفارة الأمريكية (بالعاصمة) ولقاء (فراج). ونجد أخيراً (الصباح الباكر) حيث خرج فراج إلى السفارة لطلب تأشيرة العمل.

هذه الأزمنة – بكل تأكيد – متلازمات زمكانية لابد منها لخلق أجواء الرواية والتماشي مع معطياتها وصولاً إلى أزمنة أخرى فنية/ متخيلة عبر (الأمكنة) التي تنامت مع وقع الأحداث في البيئة الأمريكية.

وبهكذا صورة يتشيأ (الزمن السردي) جمالياً على لسان الراوي العليم وهو زمن يتنامى بين ماضٍ/ استذكاري أو ارتجاعي، ومستقبلي/ آت/ مابعدي وكل ذلك عبر تقنيات أسلوبية ولغوية مبهجة ودالة على تمكن المؤلف من هذه اللعبة الروائية وتجلياتها الأسلوبية.

#       #       #

(6) وتتنامى (الرواية) سردياً، وجمالياً، عبر مقاطعها (العشرية) وهذا يذكرنا بروايته السابقة، أو الجزء الأول (العودة إلى قبالة) والتي لمسنا فيها هذه التقسيمات العشرية والاتكاء على رمز ودالة الرقم (10)(4).

وهنا في الجزء الموسوم بـ (جيفرسون ستريت) نلحظ التقسيمات العشرية أولاً: في توزيع فصول الرواية إلى عشرة فصول. وكل فصل يقسمه الروائي إلى عشر مقاطع/ تقسيمات أو تفريعات على النحو التالي:

الأول – عشرة مقاطع/ فروع.

الثاني – عشرة مقاطع.

الثالث – عشرة مقاطع.

الرابع – عشرة مقاطع.

ثم يبدأ التراوح بين 4 مقاطع، 5 مقاطع، 6 مقاطع في بقية الفصول من الخامس إلى العاشر!! وإذا جمعنا الفصلين الخامس والسابع تكون مقاطعهما (عشرة) وكذلك الفصلين التاسع والعاشر، تكون مقاطعهما كذلك (عشرة) أما الفصلين السادس والثامن مجموع مقاطعهما (تسعة فقط).

إن هذه (العشرية) لها دلالة تأويلية يمكن الوصول إليها عبر قراءة ما بين السطور في هذه الرواية، والربط فيما بينها وبين الرواية السابقة (العودة إلى قبالة) فبذلك تكتمل الصورة الأسلوبية ودلالاتها وإيحاءاتها الرامزة!!

وحتماً سنجد الرقم (10) يمثل ملمحاً دلالياً يؤكد العلاقة بين الروايتين. فمثلاً نجد الرقم (10) في قوله العاشرة صباحاً ص 78، موعدها الساعة العاشرة ص 92، العاشرة من صباح اليوم العاشر من شهر أكتوبر (وهو الشهر العاشر من الأشهر الميلادية) ص 374.

كما تتنامى الجماليات الأسلوبية والروائية من خلال دائرية الأحداث وتوالداتها التكوينية. فالروائي أبدع في تقنيات هذا النَّص من خلال الأحداث وتكرارها بنفس الصورة وفي مواقف مختلفة بحيث يمكن تصويرها عبر الدوائر المتشابكة والمتداخلة في نفس الآن حسب المنظور التالي:

 

 

 

 

وفي الرواية الكثير من النماذج والأمثلة على تلك الظاهرة الأسلوبية عبر الأحداث والصفحات التالية:

 – وصول فراج وهراج إلى أمريكا – أريزونا – فينكس وتغيير اسميهما إلى فيرج، هيرج. ص ص 44-59، ص ص 60-66 والمعهد الذي تدربا فيه للطيران والشركة التي عملا بها.

– سفر معتز وموار (ابني فراج) إلى أمريكا لدراسة الطيران وتغيير اسميهما موتس – مور والمعهد الذي يتدربان فيه، نفس المعهد، ص ص 70-87.

– الحب من أول نظرة فيرج – نيللا، هيرج = سو، كلاهما طيارين/ كباتنة، وكلتاهما مضيفتان!! ص ص 135-145.

– زواج فيرج من نيللا، وهيرج من سو ص ص 178-174، وص ص 175-188.

– مور وفيدل (ابن وابنة فيرج) يدرسان الطيران ويتخرجان ويعينان في شركة والدهما 215-216، وتعرفهما على موتس ومور ص ص 327-220.

– الفتاة/ الكابتن طيار فيدل تعشق الكابتن طيار مور وهو يبادلها نفس العشق ورغبتهما في الزواج من بعض ص ص 226-233.

– لقاء الكابتن مور الصغير بالكابتن مور إياب كان الموقف مشابهاً تماماً للموقف الذي تعرفت فيه الكابتن فيدل على الكابتن مور ص ص 256-257.

إن هذه الحوادث وتوالداتها الأسلوبية، وإيحاءاتها الرمزية تشكل ملمحاً لافتاً، وسمة بارزة بحيث تجعل المتلقي قادراً على التنبؤ بالنهايات، والتوافقات الحدثية.

ورغم هذه السمة (الإيجابية)، فيمكن قراءتها (سلبياً) واعتبارها مثلبةً متوهجة، وعيباً أسلوبياً تدل على عدم مقدرة المؤلف/ الروائي على تنامي الأحداث والشخصيات دون اللجوء إلى التكرار الحدثي والمكاني والرموز الفاعلة حدثياً/ الأشخاص(5)!!

#       #       #

(7) ومن السمات السردية والجمالية في هذه الرواية يقف القارئ عند ثنائية اللغة المستخدمة حوارياً بين الأشخاص الذين يقومون بدور البطولة سواء الرئيسية أو الثانوية وذلك بحكم المكان والأشخاص وسمتيهما اللغوية.

وقد عرفنا أن المكان الرئيس للأحداث هو ش شارع (جيفرسون) في مدينة (فينيكس) في ولاية (أريزونا) في الولايات المتحدة الأمريكية، ولغتها هي الإنجليزية تحدثاً وكتابة. كما عرفنا أن بطلي الرواية الأساسين هما فراج – Fairaj وهراج Hairaj ولغتهما مزدوجة/ ثنائية، العربية بحكم عروبيتهما التي تعود إلى (قبالة) والإنجليزية بحكم أقامتهما المؤقتة في أمريكا.

وهنا تتجلى براعة الروائي في استخدام اللغتين العربية، والإنجليزية لإيصال فكرة الرواية من خلال الحوارية بين أبطال الرواية الأساسين ومن يشاركهما في المجتمع الأمريكي من صداقتهما وعلاقاتهما العملية، وكذلك الأبطال الثانويين.

ونجد هذه الثنائية اللغوية/ العربية الإنجليزية في كل الرواية بدءاً من المقطع السادس في الفصل الأول، وتستمر حتى نهاية الرواية وإن كان الروائي يعمد – في بعض المقاطع – أن تكون لغة الحوار فقط بالإنجليزية دون ترجمة عربية وهذا مايضعف التواصل القرائي والفهم والإدراك لمن لا يتقن اللغة الإنجليزية.

إن سلوكاً روائياً – كهذا – يتناغم مع واقعية الحدث، وفانتازية الحكي، ومستقبلية الرواية فيما لو ترجمت بكاملها للغة الإنجليزية، لأن الرواية والروائي يتطلعان إلى الدولية والعالمية خروجاً عن المحلية وهذا فيه من الاستشراف المستقبلي ما يدعو إلى الاندماج مع الفكرة والتوصية باستثمارها دلالياً ومعرفياً.

#       #       #

(8) ومن السمات اللافتة أسلوبياً ذلك الكائن الغرائبي/ الأسطوري الذي يتشكل بطلاً/ مغيباً/ فاعلاً في الجسد الروائي وربما له دور مستقبلي في النهايات المحتملة لهذه الرواية في أجزائها القادمة.

لقد وجدنا هذا البطل الغائب منذ بدايات الرواية وفي الصفحات الأولى حيث كان أحد أبطال الرواية – وعبر الذاكرة الاسترجاعية – للأزمنة والأمكنة القديمة في الجزء الأول من الرواية (العودة إلى قبالة). يستعيد بعض مواقفها والتي يمكن رصدها عبر الصفحات والمقولات الحدثية تراتبياً زمنياً:

ص 7، ص 20: طار مع السحاب بمساعدة أحد ما

ص 8: شطحة من شطحاته (كما يقول هراج…).

ص 16: هناك أمر خارج عن سيطرته يجبره على فعل شيء (كلام) الزوجة هداية لابنتها نيفين).

ص 17 أمي: تقصدين الجنيَّة… (تقولها نيفين – ولأول مرة يتم التصريح روائياً عن هذا الكائن الغرائبي/ الأسطوري البطل/ المغيب)!!

ص 17: أنها ترعاه كأنها أمه (تقولها نيفين).

ص 26، 74: (السبحة) التي أهدتها الجدة (فضل) للابن (فراج).

ص 27: فراج وأحواله الغيبية الغريبية، والإبلاغ عن حدوث الأشياء قبل حدوثها.

ص 29، 30: الغابة التي كان يخرج إليها (فراج) والأصوات الغريبة المخيفة، والإعصار المفاجئ.

ص 69: هل (الشيخة) هي التي كشفت لك ذلك.. (يقولها هيرج لـ فيرج)!!

ص 95: توقعات وِلاَّ (الآنسة).. يقولها هيرج لفيرج بعد المقابلة ومعرفة حيثياتها يقصد (الجنية – الشيخة)!!

ص 110: هل أخبرتك (…) بشيء في إشارة إلى جنية (يقولها هيرج لفيرج).

ص 349: لم يكن (فراج) بمفرده كانت (زخبيلة) إلى يساره أخذت توجهه.

على الزجاجة اليسرى للقمرة كانت تقف (زخبيلة) تلف طفلها المدلل (فيرج) بجناحيها..

وفي هذه الصفحة يعلن الروائي الاسم الصريح لهذا الكائن الغرائبي/ البطل/ الفاعل/ المغيب، ويحضره عبر الدور المحوري في إنقاذ البطل الرئيس (فراج)!!

وعلينا الآن أن نتعرف على ماهية هذه الكينونة المغيبة طوال النَّص الروائي، والتي سيكون لها – حتماً – دور أساس ورئيس وواضح ومعلن في مستقبل هذه الرواية وفي جزئها الثالث – كما أعتقد وأقترح!!

إن (زخبيلة) هذه – كما تشيبر المصادر والمعارف، هي جنيةٌ مسيحية من ملكات الجان، وابنة الملك الأحمر أحد ملوك الجن، وهي مسيحية يستخدمها المنجمون والمشعوذون في طلاسمهم وأسمارهم(6)، وقد أشارت إليها الرواية السابقة (العودة إلى قبالة) في كثير من فصولها. ولعل الأقرب للذكر في الصفحات (66-70) حيث نقف عند ذروة الحبكة القصصية/ انتظار المولود (فراج) وأحلام (الأم فضل) الكابوسية، واختفاء المولود والكلب الأسود الذي اختطفه ولم ينقذه إلا الشيخ الكبير”(7).

كما أشارت الرواية نفسها إلى (السبحة) التي أهدتها الجدة والتي لازمته طوال المسيرة الروائية كجالب للحظ ودافع للشر، وتأكد ذكرها في نهاية الرواية: “طال سجوده، والسبحة بجواره، أخذت الأرض ترتجف والجدران تهتز، الصخب في كل مكان، والحجرة غشيها الظلام”(8).

والجميل في هذه المسألة أن الروائي لم ينس التعريف بهذا الكائن الأسطوري/ الغيبي على لسان بطل الرواية (فيرج = فراج) في حديثه مع (هيرج = هراج) فهناك مقطع كامل رقم (5) من الفصل الثالث حيث يقول:

“- إنها كان نصرانية وأسلمت.

– لها أجنحة تطير بها لأنها من أهل السحاب.

– أنها تعلقت به منذ كان طفلاً في قبالة وحصلت له حادثة عند البئر فضمته بجناحيها وشعر بدفئها.

– تأتي وقت الأزمات وعندما يطلبها.

– لها قدرات عجيبة وقطع المسافات الطويلة بسرعة عالية.

– هي في وسط عمرها وتبلغ 400 سنة وليست عجوز مسنَّة، بل هي بكامل نشاطها”(9).

إن إدخال عنصر (المغيبات) في العمل الروائي، نوع من الأسطرة التي يحتاجها التخييل والخروج عن الواقع بغية إعطاء النَّص بعداً أسطورياً، لاسيما إذا كان المجتمع يتعاطى مثل هذه الأساطير، والجنيَّة (زخبيلة) تحديداً وعالم الجن (عامة) مما يتعالق به كثير من الناس في مجتمعاتنا العربية، وبالتأكيد في مجتمع (جزيرة قبالة) الروائي!!

#       #       #

(9) ورغم الكثير من الجماليات التي يشي بها العمل السردي الذي بين أيدينا من حيث الفكرة والحدث اللذين شكلا بنية الرواية. واللغة والأسلوب اللذين قاما بدور الوسيط في نقل أفكار الكاتب/ المؤلف إلى القارئ/ المتلقي وفيها وجدت التناغم الجمالي، والتداعي الإيجابي، والتفاعل الأسلوبي عبر مستويات تصاعدية تتراوح بين الآنية/ الحاضرة، والماضوية البعيدة، والمستقبلية الاستشرافية، والفضاء الحوراي بين الشخصيات عبر ثنائية اللسان، وازدواجية اللغة مما يعطي للنص السردي بعده التداولي محلياً وعالمياً.

رغم كل هذا (الجمال السردي) فإنه يكتنز في داخله شيئاً من الضعف والترهل والسلبيات الكامنة والتي يستطيع القارئ الواعي تسليط مجهر النقد عليها. ولعلنا في هذه العجالة نتقصى شيئاً من تلك الملحوظات والسلبيات على أمل الاستفادة منها في الأجزاء القادمة من الرواية أو الأعمال الروائية الجديدة والمنتظرة إن شاء الله، ومنها مايلي:

– التناقض الجغرافي لكينونة (قبالة) وعدم تحديد مستواها فهي تارة جزيرة، وتارة قرية، وتارة مدينة، وبالتالي تجعل القارئ في حيرة تصنيفية ص ص 7-35، ص 155، ص 267 مثلاً.

– التمشي مع العصر وتقنياته وإلكترونياته فلم يعد للفاكس والهاتف الثابت ذلك الحضور القوي، فقد حل محله الإيميل (البريد الإلكتروني) والهاتف المحمول/ الجوال، والواتس آب والفيسبوك والإنستجرام والمحادثات عبر تقنية (البلوتوث) والـ(سكايب) و(الفيديو كول) أو الـ(فيس تايم) وكل ذلك عبر شبكات الأجهزة المحمولة الذكية، وشبكة (الواي فاي) وغيره من التقنيات الحديثة.

ونحن في العام 2019م/1440هـ. انظر الصفحات 37، 60، 143، 300 مثلاً.

ويدخل في هذا السياق الأتمتة والحوكمة الإلكترونية، والتحاويل البنكية عبر الهواتف المصرفية ولا تحتاج الحضور إلى البنوك أو التوقيع على مستندات وأوراق بنكوتية فنحن في أمريكا/ البيئة المكانية روائياً، انظر ص ص 117-118.

– التقريرية المباشرة، والتفاصيل المملة، والتكرارات الحدثية، في الوقت الذي نحتاج فيه إلى التكيف اللغوي، والتكنيك السردي، والفنية الأسلوبية مما يوحي للقارئ والناقد بالافتقار الروائي والحدثي، والتراكمية الأسلوبية البعيدة عن التجديد، وعدم استطاعة الرواية على التمدد الحدثي مكاناً وشخوصاً ولغة سردية. انظر الصفحات 61، 65، 143، 117، 119، 137، 179، 205، 233 مثلاً.

– اللغة الحوارية وكتابتها بالإنجليزية وعدم ترجمتها بمقابلها العربي (أو العكس) حتى يتفاعل معها القارئ الذي لا يتقن اللغة الإنجليزية. انظر الصفحات 46-47، 57، 62-63، 94، 292-293، 309 وغيرها مثلاً.

وفي نفس السياق، الحوار بين نيللا وابنتها فيدل على الصفحات 345-346 كتب باللغة العربية مع أنهما خواجات أمريكيات والإنجليزية هي الأولى!!

– إسقاط العادات العربية/ البدوية على المجتمع الغربي وأمريكا – هوين يجهز غرفة لصديقه فراج ليقيم فيها!! أين الفنادق والنزل والموتيلات؟! ص 47 مثلاً.

– وضوح اللهجة النجرانية في بعض الحوارات بن البطلين فيرج وهيرج مثل استخدام كلمة: آها رغم أنهما في المجتمع الأمريكي!! انظر ص 180، 181، 191 مثلاً.

– أهالي قبالة لم يفتقدوا (هراج) وهو البطل الثاني بعد خروجه وسفره بحثاً عن (فراج) ولم يهتموا لغيابه ورحيله مثل اهتمامهم بصاحبه!! ص 47.

– توظيف حادثة 11 سبتمبر وتدمير البرجين في أمريكا لم تستثمر روائياً بالشكل المطلوب، وكان يمكن توظيفها إلى أعلى مستوى درامي في الرواية أكثر مما وردت ص 100، 106-110.

– التداعيات الجنسية، والعواطف الحميمية، والمشاعر الرومانسية وتوظيفها في الوقت المناسب والحدث المناسب والموقف المناسب والأسلوب الأنسب مما يعطي بعداً قرائياً جاذباً. وهذا ما افتقدته الرواية، انظر ص 160، 169، 185، 186 مثلاً.

ومن الأخطاء الأسلوبية واللغوية، ما جاء في الصفحة 122، فالسؤال بـ (هل) يستدعي الإجابة بـ (نعم أو لا).

أما السؤال بـ (أليس) و(ألم) فالإجابة بـ (بلى)!!

وما جاء في الصفحة 133، حيث استخدمت اللهجة الدارجة (الباص) – (الميني باص) والأفضل (الحافلة)!!

وما جاء في الصفحة 341 من تشبيه تساقط الدموع وانهمارها من العينين (كأنها نوافير) والمعروف أن (النوافير) تتصاعد مياهها إلى الأعلى – أما الدموع فتتساقط إلى الأسفل!! والأفضل الوصف بـ (الشلال) أو (السيل) أو المطر.

#       #       #

(10) وقبل أن نختم هذه المقاربة لابد من الوقفة مع (عتبتين) رامزتين موحيتين جاءتا في أول الرواية ولها دلالاتهما الإجرائية نقدياً ونصوصياً.

فأما العتبة النصوصية الأهم فهي عتبة الإهداء الروائية، التي سجلها المؤلف رسمياً على الصفحة (5) باللغة العربية وجاء فيها:

“إلى هيرج..

بعد أن ثبت لديَّ حسن نواياك..

وثبت لديّ صدق القول من وصاياك..

أستأذنك في كشف ما غمض من خفاياك..

فيرج”

وعلى الصفحة (6) باللغة الإنجليزية وجاء فيها:

“To Harage..

Having Proved that ypu have good intentions..

And Sinsrity of your command

your permission, to reveal unknown mystery..”

Farage..

وفي كلتا العبارتين تحت بند (الإهداء) يلمس القارئ والمتلقي قيمة (الإهداء) كعتبة نصية موازية للعمل الأدبي، وفيها تتجلى ملكات الكاتب المؤلف إذ يختزل كل أفكاره الروائية في هذا المدخل العتباتي، المدخل المفتاحي.

إن عتبة (الإهداء) لغة خاصة بالكاتب/ المؤلف تدل على ذاتية التفكير وطرائقه، ومدى تواصله وعلائقه، وبالتالي فهي عتبة نصية ضرورية لقراءة النص الأدبي وتفكيكه وتشريحه وإعادة تركيبه وفهمه وتأويله.

وكثير من النقاد والدارسين، يرون أن (الإهداء) كعتبة نصية موازية أحد موجهات الكاتب/ المؤلف التي تقود القارئ إلى مغاليق النص، وجزءاً دالاً ورامزاً لما يحتويه النص من معالم وفضاءات سردية. ويساعد القارئ على فهم الشفرات الكامنة والدلالات المضمرة والمسكوت عنها في ثنايا النص ولهذا فـ (الإهداء) – كعتبة نصية موازية – يتمثل في ثلاثة أنماط وهي: النمط الذاتي، والنمط التقريري، والنمط المفتاحي وهذا هو الأهم للدارسين والنقاد فهو المفتاح التمهيدي لتلقي العمل الإبداعي(11). وهذا ما نجده في إهداء المؤلف محمد ناجي آل سعد لروايته: جيفرسون ستريت/ التي نحن بصددها – وبلغتيه العربية والإنجليزية. ففيه نجد إشارة إلى بطلي الرواية (فراج = فيرج وهراج = هيرج) وفيه نجد شيئاً من الغموض الدلالي الذي يحيل إلى ما في الرواية من أحداث غامضة وشخصيات متباينة وأحداث متكررة. وفي نفس الوقت فيها جمالية الأسلوب، وشعرية اللغة حيث السجع والشاعرية.

وإن كان لنا من ملاحظة هنا فإن معطى (الإهداء) يقوم على مرسل، ومرسل إليه ورسالة. والمرسل هنا فراج  والمرسل إليه هراج والرسالة بنية لغوية متكاملة تثبت ثلاث حالات وهي: إثبات حسن النوايا، وإثبات صدق القول في الوصايا، واستئذان في كشف الخفايا. لكن هراج (المرسل إليه) ليس فيه كل هذه المزايا (روائياً) فليس لديه نوايا ولا وصايا ولا خفايا!! وهذه كلها (روائياً) متوفرة في (فراج) البطل الرئيس للرواية وهذا خلل أسلوبي فالمفروض أن يكون المرسل (هراج) والمرسل إليه (فراج)!!

كما يبدو – نقدياً – أن هذه العتبة النصية/ المفتاحية لها تلازم وتواشج عضو/بنيوي مع (الإهداء) في الرواية السابقة (العودة إلى قبالة) فهي تسير في نفس المسار اللغوي والأسلوبي ولكنها مستقيمة المعنى والتأويل.

أما العتبة النصوصية/ الفرعية والأقل أهمية فهي العتبة الإهدائية التي كتبها المؤلف لي شخصياً كناقد وقارئ إذ كتب:

“الغالي/ الناقد الكبير والصديق العزيز د. يوسف العارف، أهديك روايتي الجديدة لتشرحها بمبضعك اليراعي، ولك ودي وتقديري” المؤلف، 14/2/2019م.

وفي هذه العتبة النصية تجد شفرة دالة ورامزة وهي الأمل في تلقي تغذية راجعة مفقودة عند كثير من القراء الذين يقرؤون العمل الأدبي والإبداعي ولا يكون لهم رد فعل كتابية!! وهؤلاء هم القراء الاستهلاكيون. أما القراء المنتجون – وأرجو أن أكون منهم – فهم الذين تتوالد من أذهانهم وعلى أقلامهم إنتاجاً جديداً ونصوصاً موازية لما يقرؤون!!

وها أنذا – بحمد الله – أستجيب لرغبة أخي المبدع/ الروائي الدكتور محمد آل سعد، وأقدم هذه القراءة الناقدة والمقاربة المعرفية عن روايته الماتعة (جيفرسون ستريت).

#       #       #

 

وختاماً:

فهذه قراءة أولية، في رواية إبداعية فرضت حضورها القرائي ومقاربتها وتشريحها نقدياً  عبر مقاطع (عشرية) تمشياً مع (عشريات) الرواية وفضاءاتها التفريعية.

حاولت – في هذه القراءة والمقاربة – استكناه جماليات الرواية، وكتابة نص موازٍ لها متغيياً البناء لا الهدم، والتتلمذ لا الأستذة، فكل عمل إبداعي وراءه جهد فكري وذهني لابد من تقديره واعتباره عند كل قراءة إنتاجية جديدة.

آملين أن تكون قراءة ماتعة مفيدة كما هي الرواية التي أخضعناها للدرس والمساءلة.. والله من وراء القصد.

 جـــــــــــدة

عصر السبت 3/11/ 1440هـ

 

 

*ناقد وشاعر سعودي.

(1)  انظر الشبكة العنكبوتية/ الإنرنت.موسوعة الـ (ويكيبديا).

(2)  انظر صحيفة الجزيرة، الملحق الثقافي، 22/6/1439هـ النسخة الإلكترونية.

(3)  انظر: د. أحمد حسين عسيري: الرواية البوليسية السعودية، المنطلق والمحددات في تشكل المفهوم والتأصيل، الرياض: دار المفردات، ط 1، 2018م.

(4)  انظر قراءتنا السابقة للرواية، الجزيرة الثقافية، الملحق الثقافي، النسخة الإلكترونية، 22/6/1439هـ.

(5)  هنا يمكن اقتراح المخطط التالي للخروج من (أزمة دائرية الأحداث وتكرارها):

– فراج يخرج من قبالة طائراً على جناح (زخبيلة) وتشاهده الجدة ونيفين فقط ولا يخبران بذلك أحداً من أهل القرية.

– هراج يتقصى أثره، ومن السفارة الأمريكية يعرف أنه غادر لأمريكا ويلحق به متخفياً في عمل استخباراتي.

– العمل في نفس شركة الطيران حتى يتعرف عليه فراج.

– موار ومعتز يتسنى لهما بعثة دراسية من الحكومة فيغادران ويدرسان الطيران ويتدربان في شركة والدهما دون أن يعرفا ذلك.

– أحداث جديدة تؤدي إلى التعارف والعودة إلى قبالة!!

– حادث الطيارة و(زخبيلة)!!

(6)  انظر الشبكة العنكبوتية، الإنترنت.

(7)  انظر دراستنا عن (قبالة يا كعبة التأويل) المنشورة في الجزيرة الثقافية 22/6/1439هـ النسخة الإليكترونية.

(8)  رواية (العودة إلى قبالة)، ص 189.

(9)  رواية جيفرسون ستريت، ص ص 148-150.

(11)  انظر الشبكة العنكبوتية – الإنترنت:

– موقع مجلة البيان، شاكر نوري: إهداءات الكتب فن يعكس تمايز ملكات الكتاب، 25 نوفمبر 2012م.

– موقع ديوان العرب، جميل حمداوي: عتبة الإهداء، السبت 15 سبتمبر 2012م.

– موقع ثقافات، صبري الحيدري: الإهداء بوصفه نصاً، 16 فبراير 2014م.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *