قراءة في قصيدة “إنّ لك فيها”

بقلم/ أ. شذى الجاسر*

 

 

نص قصيدة “إن لك فيها”، للشاعر الدكتور: عادل خميس الزهراني:

 رغيفك .. فاستميتي فيه جوعا

ولا تأسي .. فقد ألف الدموعا

لقمح جروحه بذر الصبايا

وأشعلهن –كالذكرى- شموعا

وزمّل قلبه وطنا وغنّى

كما “الشهوان” بكاء خشوعا

تموت الأنبياء لعل فيها

خيالا معجز النجوى .. يسوعا

ويرنو العاشقون لكل حلم

يداعبهم .. ويقتلهم هجوعا

لك الأزل المعتق فاسكنيه

لينبت حظه العاصي ضلوعا

وتسكنه الخرافة كيف ولّى

يدندنها تعاويذا سجوعا

يقبّل كلّ كفّ لا تراه

كما الفانين مقداما هلوعا

ويشرب من زلال الغيب حتّى

تلقّنه المتاهات الخنوعا

بمفرده يعضّ على الأماني

بمفرده .. تغادره .. جموعا

تراوده الحروب إذا استثيرت

وتلبسه حمائمها دروعا

ويعلم أن دنيا الناس وهم

ووهم الناس يجعله نزوعا

تؤصّله المنايا مرغمات

منافي الله .. تخلقه فروعا

يحبّك .. غير أن العمر لغز

يربّيه –كثعبان- قنوعا

تفاح الحياة يدوخ موتا

هو الموعود أن يعرى .. يجوعا

لم يؤلف الدكتور عادل الخميس هذه القصيدة معاني مركبة تحت مظلة سياق الجمل، بل هي قصص وعالم من رموز قائمة عليها، وكما قال الكاتب خالد مساعد الزهراني: “في كل شطر حكاية”، وكما قالت الشاعرة المكِّيّة هدى الزهراني: “القصيدة لغز”، وهي فعلًا لغز يجعلك تُـسكِن رجفات شوقك لتكملة قراءة أبياتها حتى النهاية، في رحلة الإنسان في هذه الحياة، وكما أتت قصيدته بجانب كونها قائمة على رموز سلسة وعميقة المعاني، بسيطة الكلمات، تلامس مشاعر كل من يقرأها، وقد اخترت رمزين لهذه القصيدة كقراءة من بين رموزها، وهما: الطمع، والجوع. وأتقدم بجزيل الشكر للدكتورة صلوح السريحي لإتاحتها فرصة قراءة هذه القصيدة.

العنوان:

ظهر في العنوان تناص ديني مع الآية الكريمة في قوله تعالى: “إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ” سورة طه، آية: 118. كما جاء بالعنوان أيضا رمزية ترمز لنوعين من الناس، النوع الأول: من يشقى ويموت وهو يشقى. والثاني: من يشقى وبتوكله على الله سبحانه ثم بالعمل يسعد. فكان المعنى الظاهر في العنوان هو الشبع وعدم العري، بينما جاء المعنى العميق بكون الإنسان له في هذه الحياة مشقة حيث يشقى بها ويتعب، وقد يتحقق ما يأمله، أو قد يتحطم بعدم وصوله إليه.

فكانت إن الشرطية دلالة على هذا الأمر، أي إن لك فيها من شقاء وتعب طالما كنت تطمع، وسعادة وراحة طالما رضيت بالقناعة. وهذا العنوان أتى دال على مفهوم وسير القصيدة التي تعنى بحياة الإنسان.

 حياة الإنسان:

وهي موضوع القصيدة بمجملها، فاستعانت بثلاث رموز كدلالة على كون القصيدة (حياة الإنسان): الرغيف، والتفاحة، الثعبان، باعتبارهم بنية ظاهرة. فعنى بالرغيف حياة الإنسان ورزقته التي كتبها الله له، فكما للرغيف مراحل من بداية تكوينه (بذرة، ثم نبتة، ثم حصاد قمح، طحين وعجن، ثم خبز ليخرج رغيفا) وكذلك الإنسان (ماء مهين، ثم نطفة، ثم تكسى العظام لحما ليخرج بشرا)، وكانت جملته “رغيفك فاستميتي فيه جوعا” إعلان صريح عن مسار القصيدة من معاني وتراكيب الألفاظ. ثم تسلسلت القصيدة بالأحداث فأتى ذكر التفاحة والتي رمزت لطمع الإنسان وراء مصالحه وتحقيق طموحاته، وكأن الشاعر استعارها من قصة آدم عليه السلام عندما نهاه الله من الاقتراب من الشجرة التي وزهما الشيطان عليها فظلما أنفسهما، فذكر التفاحة مثّل سير الإنسان منذ إدراكه للحياة وحتى مماته، ومن ثم يأتي دور الموت الذي جاء الثعبان كرمز له، والذي ختم الشاعر بعد ذكره له قصيدته بقوله “هو الموعود أن يعرى .. يجوعا” فكل نفس عند الموت تعرى من كل شيء اقتنته في الدنيا وتجوع آملة الرجوع لعمل المزيد لكي يحصل على مكانة أفضل عند ربه أو ينجو مما هو فيه، إلا أنه كُتِبَ عليه الجوع فهو اليوم الموعود والذي ستذوقه كل نفس على وجه الأرض، حيث جاءت هذه المعاني كبنية عميقة لتلك المفردات الظاهرة.

الجوع:

رمز له الشاعر ظاهريا بالجوع الحقيقي، أي جوع الطعام، وجوع ألم الفراق لمن يحب، وألم الحروب والموت. إلا أن بنيته العميقة تمثلت بجوع المظلوم للنصر، وجوع المناصب، وجوع الأحلام والأمنيات، والتي تمثلت بالأمل والعمل والركض خلف الطموح والسعي لتحقيق الأحلام، وكأنما يخبرنا الشاعر أن الجوع هو سر بقاء الإنسان حيًّا!

فمهما حققت النفس البشرية من طموحات فهي تطمع للمزيد وتجوع للصعود نحو الأفضل، وجوع للسلام والعيش الرغيد، فالإنسان دون جوع لا يصبح إنسانًا، لأنه لولا هذا الجوع القائم على التعطش والرغبة لما استطاع العيش والتقدم. ولم يقتصر هذا الجوع على الحياة الدنيا بل حتى في الآخرة فالإنسان تلازمه صفة الجوع إلا أنها تختلف معايرها عن الدنيا، فهو يجوع للمغفرة، للرحمة، وللعفو من رب العباد، فمنذ أن يشرب كأس الموت الذي وُعِدَ به وهو في حالة جوع للدعاء من أحبابه لعل الله يرفعه به منزلة، ويغفر له، ويرحمه، وكل هذه الأنواع من الجوع تؤدي إلى الجوع لدخول الجنة، فقد خُلِقَ الإنسان مجبولا عليه.

الطمع:

أتى الشاعر بكلمة التفاحة بشكل ظاهري، إلا أنه رمز لها للطمع كما أسلف سابقا، فيعتبر الطمع أساس شقاء كل إنسان، كما في قصة خروج آدم عليه السلام من الجنة وبداية رحلة شقائه في الحياة بسبب تلك الشجرة، فقد كان ذكر التفاحة كذلك رمزا لشقاء الإنسان وراء شهواته ورغباته وطموحاته وآماله التي يعمل جاهدا لتحقيقها، فهذا الشقاء لن يصل به إلى الراحة أبدا، فالطمع يجر بعضه بعضا، فكلما حقق أمرًا أتى به لأمر آخر، وعند تحقيق الآخر يسعى لأمر أكبر وهكذا، فهو يعيش بدوامة الطمع الذي يكون إما طمعا مباحا مقرونا بالقناعة التي تجعله متعقلا في سعيه ليعيش مستريح البال نوعا ما، أو طمع جشع، والذي لن يصل معه إلى الراحة، وفي كلتا الحالتين سيُداهم الإنسان الموت بغتة وهو عائم في معمعته وسعيه وراء تفاحته، والتي قد تكون أي أمر من الأمور التي يهتم لها أي شخص (وظيفة، زواج، مشروع، مكانة اجتماعية معينة وما إلى ذلك).

 

*باحثة سعودية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *