المستحيل كما ينبغي

خاطرة

للكاتبة / وئام  قرشي  المكاشفي*

 

سئمتُ الأوراق البيضاء، المِداد الأسود، وحفنة الحُروف التي اُمارس حُبك من خِلالها.
انا امرأة مجنونة لا آبه للعاهاتِ والتقاليد المُجتمعية التي تُحجم عني أبسط الأشياء في التعبير عن مكنونات قلبي، تماماً كـشجرةٍ تنمو وسط المستحيل مُتحديةً الحَائط، مربعات البلاط، أكوام التراب، وإسفلت الطريق.
ففي سبيل أن اُمارس معكَ أبسط الأشياء كأن أقول لك صباح الخير مثلاً، على استعداد أن أعقد صداقةً مع صاحب البقالة المُقابلة لكم لكي يُعلمني بوقت مَجيئك صباحاً لشراء حاجيات المنزل، لاختطف لمحات من وجهك الصافي تماماً كالوضَاءات الصُوفية.
أو أن أُغري أطفال حيكم بكل المُغريات الطفولية  في سبيل أن أتشارك معهم لعب الكُرة أو أي لعبةٍ أخرى قُصاد منزلكم تماماً، لا أكترث للمارة ولا الوجوه المُستغرِبة، أحتفل بِطفولتي المُسترجعَة، بجانب احتفائي بنظرةٍ إلى وجهك الطفولي، تخرج أنت، تضحك على هذا العَبث الذي أُمارسه، وأرتبك أنا كـطفل اجتهد في أن يُخبئ كذبته فانكشفت للعيان وأُزيحَ اللثام عنها.
أو أن أفعل شيئاً أكثر جُنوناً كـأن انتهز الفرص في الأماكن التي تتواجد فيها والدتك فتستلطف وُجُودي، ولتوطيد العلاقة أكثر تَدعُوني لنتشارك معاً فنجاناً من القهوة، فتتفاجأ بي وسط منزلك ومع والدتك، فتُصاب باندهاشٍ تعقبه سَكينة فتقف بلا حراك كأن العالم فارق الحياة على حِين غفلة، ترفع يدك مُحيياً، وأدّعي أنا اللامُبالاة بينما قلبي يكاد يقفز من مكانه فَرحاً برؤيتك، تنظر إليً بنظرات ثابتة كـدقات ساعةٍ جداريةٍ، بينما تتبعكَ نظراتي تماماً كـتتبع زهرة عباد الشمس للنور مُقتفية أثره كلما مال.
لقد مَحوتَ عُذرية قَلبي، وتمكنتَ من وضعِ نُطفةَ حُبك في قلبي، فكَبُر بداخلي وتمدد كما يتمدد المرض المُزمن، فصرتُ أعيش بتوقيت نبضك، ابتسامتك، وطلتك التي تزدهر بها أيامي الشعثاء.
فتجدني أحياناً أركض تِجاهك كـفَراشةٍ مُندفعةٍ لاتجاه النور الذي قد يكون قاتلاً في بعض الأحيان، وتارة اُخرى أمشي على رؤوس أصابعي حتى أتجنب التعثرَ في المُتَحشرين، الذين أساؤوا استخدام أنوفهم بدل أن يتنفسوا من خِلالها، فإنهم يحشرونها فيما لا يعنيهم.
يُفاجِئُني غِيابُكَ غير المُحتمل في بعض المَرات، الذي يجعلني أتكور على نفسي، داخل الكوابيس الخَشنة، لاضطر للعزلة داخل شَرنقتي التي اتخذتُها لنفسي للاختباءِ داخلها في فترة غِيابُك تلك، على أمل أن نتصالحَ أنا وسُوءَ حَظي يوماً فيأتيني بك في لحظة تحول سرابي.
تَهمسني ذات لِقاء: ”لطالما رَوضتُ أيامي العَنيدة على أن تُوقِعُكِ يوماً في طريقي، فقد سئمت الوحدة، وانهكني البحث عن الخَلاص ياخَلاصي“.
أُجيبكَ: وأنا سئمت العُزلة والعَيش داخل فضاء لا يحوي وُجُودك، فَألعن الحياة التي تتفنن في رَفع كَمية الادرينالين في دمي حينما تَمُنُّ عليّ في بعض الأحايين بنظرةٍ إلى محياك، هي بالنسبةِ لي كـنُقطةِ ماءٍ لا تُبلل ولا تروي ظَمآن، فبدل أن تُحْييني تزج بي في إغفاءةِ موتٍ لذيذ.
تبتسم وتَفضح عيناك مقدار الحُب الكامن في قَلبك، مُجيبا: أنتِ قوية المراس يا طِفلتي ويصعُب ترويضك!!
اُجيبك بل وسَمكة عنيدة  تأبى أن تُقصَّ زعانِفُها بالقُوة، على استعداد أن تفعل المُمكن والمُستحيل، حتى تكتحل بِلحظةِ مُخاض حبها المَجيد.
إلى ذلك الحين أُحبكَ بكلِ الطُرقِ المُتاحة لي وغيرُ المُتاحةِ كذلك.

 

 * كاتبة من السودان

2 thoughts on “المستحيل كما ينبغي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *