في ظِلالِ بيت (6)

بقلم: طارق خويتم المالكي*

 

هذا تراثُ الـسـالـفـيـن وديـعـةٌ
فلا تُخجِلوا الأجدادَ في الأحفادِ

الجواهري

 

يهَبُ الله أسرةً ما قيمةً جُلَّى كالحُكْم، أو العلم، أو الجاه، أو الثروة، أو العطاء، أو الحكمة. وتتوارث الأسرةُ القيمةَ الغاليةَ عبر أجيالها المتعاقبة، ويُورّثها الأجدادُ للآباء، ويُوصي عليها الآباءُ الأبناء، حتى تسبحَ في دمائهم وتستقرَ في قلوبهم. وتصبحُ العلامة الفارقة والشمس الشارقة، التي تضيء منهم دون غيرهم.

الجواهري العظيم، في هذا البيت المنسوج من بحر الكامل، بأسلوبه الفريد يقلب الآية ويعمّر اليبابَ طالبًا من الأجداد أن يُودِعوا الأحفاد ما يستحق أن يفخروا به ويحافظوا عليه.

لاحظتُ، للأسف الشديد، ما يسميه علماء التربية والاجتماع بـ “صراع الأجيال”، وهو اختلاف الأفكار والرؤى بين الأجيال. إذ يحاول كل جيل أن يحشد ما يتباهي به أمام الجيل الآخر، وأنه الجيل الذي جمع المجد من أطرافه. إذ ينظر الآباء إلى جيل الأبناء أنه خلَعَ القيم الأصيلة، وتخلّى عن العادات والتقاليد المتوارثة، وأنه لم يمر بشظف العيش الذي مرّ على الآباء، بينما ينظر الأبناء إلى جيل الآباء أنه لا يواكب روح العصر، وتجاوزه قطار الحضارة بعيدًا، وتنقصه كثيرًا من الأدوات والمهارات. نظرةٌ قاصرةٌ مثل هذه هي التي تولّد صراع الأجيال وتعمّقه، وتسبب عدم الثقة بدلًا من التكامل المطلوب بينهم.

إنّ كل جيل يولد من رَحِم الزمان يصطبغ بروح العصر الذي يعيشه، ولكل مرحلة من عمر الزمان هويتها وطبيعتها ولونها. وفي عصرنا هذا، الذي أظن لم تتسارع الحضارة في عصرٍ مثله، أوجدت مثل هذه الفجوة العميقة. ليس من المألوف أن نجد صبيًا يافعًا يرد الماء من البئر بالدلاء ليسقي الأهل والزرع. وعلى الضفة الأخرى ليس من المألوف أن تجد شيخًا يركب على متن درّاجة نارية يجوب بها الشوارع ويطوف بها الأحياء. وليس هذا خطأ في كلا الحالتين من الصبي والشيخ، ولكنه مثالٌ عمليٌ على اختلاف الأجيال في عصرٍ واحد.

حريٌ بكل جيل أن يحترم الجيل الآخر، وأن يقدّر مآثره وإنجازاته. ويعلم أنه محكومٌ بطبيعة العصر، وما تفرزه من اختراعات، قد تؤثر على هويته وشخصيته وتفكيره وهو لا يشعر، مع وجوب الحفاظ على الثوابت الشرعية وقواعد الأخلاق التي لا يجب ألا تتغير، فهي أغلى ما يملكه كل إنسان مهما أوغل في الحداثة أو عاد إلى الأصالة.

 

كاتب سعودي*

One thought on “في ظِلالِ بيت (6)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *