الأكثر مشاهدة

علي الدميني*   .. ‏ أيها الصامتان الوقوران كالثلج فوق المآذن ‏ ‏ والوشم في …

“هذه الشجرة من الكُتَّاب -الأخير-“

منذ سنتين

617

0

علي الدميني*

 

..

‏ أيها الصامتان الوقوران كالثلج فوق المآذن ‏

‏ والوشم في عتبات المكانْ‏

‏ كيف تبلى الليالي بأقراطها البيض بين ثياب المدينة،‏

‏ من دون سوءٍ،‏

‏ ولا تبليانْ‏

‏ غابةً كنتُ، لكنني قد حسبت بأنكما ‏

‏ طائرانْ‏

‏ توّج الصمت حبركما ‏

‏ فامنحاني من الحبر ما يترع القلبَ‏

‏ قبل انطفاء الأوانْ. ‏

في أواخر عام 1990م، الذي ينطوي على العديد من الدلالات، حضر الصديقان، المغموسان في طيات حضورهما البهي في ذاكرتي (فهد الخليوي و جبير المليحان) في هذا النص القصير، متيمناً فيه، بكتاباتهما المكثفة، و واقفًا من خلاله أمام ما تميزا به من جماليات “صمت الكتابة”، و “الزهد في الأضواء”، و مؤملاً في نفس الوقت أن يعاودا ملء فراغ موقعيهما الشاغرين في حراك ساحتنا الثقافية.

‏ ولكم تغمرني مشاعر البهجة الخاصة اليوم باحتفائي بموافقة ” فهد الخليوي” على إصدار مجموعته القصصية الأولى عبر نادي ” حائل الأدبي “، و ممارسته لدوره الثقافي من خلال ديوانية ” القلب المفتوح ” في دارته المحروسة بشمال جدة، مثلما كنت قد سعدت من قبل بمُعاودة ” جبير المليحان ” شغفه بالإبداع القصصي، وحضوره كفاعلٍ مؤثر، عبر مواقعه العديدة، في ساحتنا الثقافية. ‏

‏ وإذ لا يتيح لي فضاء كهذا الذي اخترته كمقدمة احتفائية بموافقة “مبدعنا” على المضيّ في تجربة نشر مختارات من نصوصه القصصية، لتدوين قراءة مستمتعة بالنص، فسأكتفي بالإشارة إلى ما تحفل به هذه المختارات من ممكنات القراءة التأويلية المبنية على مفهوم النص القصصي القصير، من حيث ارتباطه بالسرد البدائي وبُناه الأسطورية الرمزية، القريبة من تشكيل البنية الشعرية، في ارتكازهما على ” التكثيف لا التوسع، والتركيز لا التشتيت “، بحسب الناقد عواد علي. (وأذكِّر القارئ هنا بأن القاص يكتب القصيدة إلى جانب كتابته للقصة القصيرة، والقصيرة جداً). ‏

‏ ولذا فإننا نلحظ في هذه القصص غياب البعد الواقعي (الكنائي) للشخصيات والأمكنة، وحضورها كشخصيات وأمكنة مؤسلبة، أكثر من حضورها كذوات حقيقية، كما يقول بذلك ” نورثورب فراي”. فالمرأة في قصة ” سطور من تراث الوأد ” التي تتعرض إلى عملية وأد جماعية، لا تحيل إلى مخيال امرأة محددة الملامح والسيرة الحياتية، وإنما تتحول إلى مكمن للتأمل والتـأويل، يستذكر تراث الوأد القديم والمعاصر للمرأة، مثلما تغدو موازيًا رمزياً لوأد الحقيقة… وأد المستقبل… و وأد الحرية أيضا. ‏

‏ والمرأة في قصة ” ظلام ” لا تشير إلى كينونة إنسانية بذاتها وحسب، وإنما إلى حالة اجتماعية عامة تشمل الوجود الفردي والجمعي معاً، حتى يصبح التعبير عنها في النص دالاً على صراع رغبات مقموعة و هواجس مضمرة لكسر حواجز القيد، تتهيأ لكشف الحجاب عن مكنوناتها، التي غشيتها الظلمة من شدة لبس (القناع/الأقنعة). ‏

‏ فالقناع لا يخص المرأة المؤسلبة في النص، وإنما يغدو دالاً شديد الاتساع لحالة مجموعة من الناس، أو قوم من الأقوام، هم في أمس الحاجة لنزع الحجاب عن أعينهم، لكي يروا واقعهم كما هو، ولكي يبلغوا مساحات الأزمنة المضيئة. ‏

‏ ويمكن أن نمد زاوية النظر إلى تلك التقنية الكتابية في بنائها لفضاء الأمكنة، حين نرى إلى أن ” القرية التي هجرتها شاحنات القمح ” بفعل سطوة سيد الأرض، وأن المدينة التي تقاوم التغيير فيما تهددها الريح، ليست قرية بذاتها، أو مدينة بعينها، وإنما هي أمكنة مؤسلبة، يمكن أن نتقرى فيها ملامح التعبير عن الذات الإنسانية، والكيان الوطني، وعن الأمة الباحثة أيضاً، عن أفق للتشكل الجديد، عبر رؤى أعين قلقة على مصيرها، و باحثة عن مستقبلها في هذا الكون. ‏

‏ وفي هذا السياق لا أجد أجمل من اجتزاء مفتتح كتابة الدكتورة “شادية شقروش ” من الجزائر عن مجموعة الخليوي بعنوان “سلــطة الكتابة بين المبدع والمتلــقي قراءة في نصوص فهد الخليوي السردية”، والتي نشرتها في صحيفة عكاظ على مدى ثلاث حلقات ، قائلة: “يرتكز المقياس الجمالي والفني والحضاري على إنتاج المتميز والأجمل والخالد، وبصورة أدق، المختلف.‏

‏ من هذا المنطلق يكون الإبداع الحقيقي في براعة البناء والسعي إلى مخالفة السائد، والمألوف، وبالتالي فالتمرد الأدبي القائم على رؤية فيها نوع من الصفاء والحكمة، سيقودنا بالضرورة إلى الاختلاف، لذا كان لكل انحراف وعدول منطقه الخاص. ‏

‏ من هذا المنطلق تصبح الكتابة عنتًا والقراءة متعةً، أو ما يسميه رولان بارت‏ (Roland Barth)- “لذة النص).

‏ ولا شك عندي في أن ما يكتبه القاص “فهد الخليوي” يقع ضمن هذا الإطار الذي نستمتع به، ونتشوّف معه إلى مزيد من العمل الدؤوب على الاستمرار في تطوير فاعلية ما يضمره من إضافة وتميز.

*شاعر وروائي سعودي / ت .٢٠٢٢م.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود