الوقوف عند الغابة في مساءٍ متجمدٍ

الوقوف عند الغابة في مساءٍ متجمدٍ!

قصيدة للشاعر الأمريكي: روبرت فورست(1)

  Robert Force            

مع قراءة لها من قبل الناقد الأدبي:- لورنس بيرين (2  Laurence Perrine

                                                         

ترجمة : خلف سرحان القرشي

—————————

من تكن هذه غابته؟

أظن أني أعرفه.

هناك في القرية مسكنه.

لذا أنا في مأمن من منظره،

إذ أرقب الآن غابته.

وقد كساها الجليد.

مهرتي الصغيرة تظن أنه من الغريب

أن تكون لإنسان هنا وقفةٌ،

بين الغابة والبحيرة المتجمدة،

في مساءٍ معتمٍ، كهذا من السنة،

من غير ما يكون له،

بيتٌ قريبٌ في المزرعة .

إنها تهز بسرجها،

ولسان حالها،

يقول:

(هل هناك من خطأ)؟ ،

وغير صوتها،

ما هناك  سوى

صوت صفير الريح البطيئة،

تعصف بالأوراق الرقيقة.

حقاً إن الغابة ساحرةٌ، قاتمةٌ، عميقةٌ،

لكنني وعدت أن أواصل المسيرة،

أميالًا وأميالاً،

قبل أن أنام.

قبل أن أنام.

             

 Stopping by woods on a snowy Evening

Stopping By Woods On A Snowy Evening

Whose woods these are I think I know.
His house is in the village though;
He will not see me stopping here
To watch his woods fill up with snow.
My little horse must think it queer
To stop without a farmhouse near
Between the woods and frozen lake
The darkest evening of the year.
He gives his harness bells a shake
To ask if there is some mistake.
The only other sound’s the sweep
Of easy wind and downy flake.
The woods are lovely, dark and deep.
But I have promises to keep,
And miles to go before I sleep,
And miles to go before I sleep.

———————————————-—————-

 هذه القراءة البسيطة للقصيدة السابقة:Laurence Perrine كتب الناقد الأدبي (لويرنس بيرراين)

(هناك أكثر من مقابلة تواجه القارئ في هذه القصيدة الغنائية لــ (فورست)، والتي هي بالتأكيد واحدةٌ من أكثر قصائده إثارةً للجدل، فللوهلة الأولى تبدو القصيدة وكأنها مجرد سردٍ بسيطٍ يفتقد الجمالية لحدثٍ عادي قد يكتفي به بعض القراء ويمنحهم خبرةً مباشرةً قد لا تكون جديرةً بالتذكر.

غير أن قراء آخرين يجدون فيها أكثر من ذلك، أكثر مما يوحي به ظاهرها، يجدون فيها معانٍ كثيرة صُرَّت في هذه القصيدة. فلو فكرت لوهلةٍ في الرموز التي استخدمها الشاعر، لوجدت شيئاً من ذلك، ترى ما الذي يرمز له صاحب/مالك  الغابة، الذي ذُكِر في القصيدة؟ قد يرمز للقرية والحياة القروية، وقد يرمز للمسؤوليات الاجتماعية للحياة المدينة، مقارنةً بعزلة ووحشة الغابات . المهرة أيضاً رمزاً يمثل نوعاً من الحياة، إنها لا تفهم لماذا يتوقف إنسانٌ عند جزءٍ من الغابة ليراقب سقوط الثلج . وفي مقابل هذا، ثمَّة عالم المدينة  الممثل بمالك الغابة مقابل المهرة الصغيرة التي تمثل البهيمية وعالم الحيوان.

(الغابة ، البرد، الظلام، البحيرة المتجمدة، الثلج المتساقط)  مفردات تكون وتشكل الرمز الثالث الذي يلمح للجاذبية المؤثرة لكل عناصر الجمال. (الغابة ساحرةٌ، قاتمةٌ، عميقةٌتعبير قد يفسر منطقياً بجاذبية الجمال، ذلك الجمال الذي هو بالتأكيد أحد سمات المشهد، ولهذا فهو أحد معاني دلالات الرمز. ولكن هذا التفسير الإيضاحي لا يستهلك معنى الرمز ودلالته، وتلك مزيةٌ له.  

ثمَّة فهمٌ آخر يتمثل في أن الرجل يشعر بأنه مدعوًا من قبل هذه الغابة حتى يستسلم ويرتاح . بعض القراء يذهب إلى أبعد من ذلك ويرون إنَّ جاذبية الغابة تمثل رغبةً، ومضةً خاطفةً، تسبق الموت وهي أشبه ما تكون بـ (رقصة البجعة الأخيرة).

 في القصيدة تكمن عدَّة أشياءٍ توحي بأن الرجل في نوعٍ من الارتحال، ولكن (فورست) لا يفصح لنا في نصِّه عن نوع هذا الارتحال؛ الذي يعيش فيه ويزاوله صاحب المهرة . لعله قصد بذلك الإيحاء إلى أنَّ ذلك الارتحال يمثل أيَّ رحلةٍ في الحياة، يقوم بها أيُّ وكلُّ شخص، وبذلك  يترك المعنى مشرعًا على المستوى الأوسع.

في القصيدة نلحظ توقف الرجل أثناء رحلته، مبهورًا بجزءٍ من الغابة، توقف الرجل هنا ربَّما  يتماهى مع ما يعيشه من صراعٍ ذهنيٍ.

لقد وعد الرجل أن يواصل مسيرته  حتى نهاية رحلته هذه. وفي هذا ملمحٌ لكونه يريد أن يضع حدًا لذلك الصراع من خلال تنفيذ القرار الذي اتخذه؛ وهو المواصلة ، لكن الملمح الأهم هنا قد يكون في وعي الرجل وإدراكه للمسؤوليات الاجتماعية .

إنَّ فكرة كون الغابة (ساحرةٌ قاتمةٌ عميقةٌ)  تجعله يتوانى لبعض الوقت، ولكن قرار الرجل النهائي هو أن يتحرر من ذلك الشعور اللحظي، ويواصل رحلته؛ ويتمثل هذا في وعده الذي قطعه على نفسه وهو أن يواصل مسيرة رحلته، ويذهب أميالاً وأميالاً  قبل أن ينام، ومن المؤكد أنه يشير هنا لنومته الأبدية (الموت)!

   ***************************************

(1) نبذة تعريفية عن الشاعر:-

Robert Force

(روبرت فورست): شاعرٌ أمريكيٌ ولد عام 1874 في (سان فرانسيسك و، كاليفورنيا)، وتوفي عام 1963م، وهو واحدٌ من أكثر الشعراء الأمريكيين في القرن العشرين شهرةً وشعبيةً. عُرِف بواقعية صوره للحياة الريفية، وكتب كثيرًا عن شخصيات ومناظر مسقط رأسه (نيو انجلند).

انتقل في سن مبكرة من حياته للعيش في  (لورينس) بولاية (المسيسبي) والتي كانت موطنناً لعائلته لعدَّة أجيال. عندما بلغ العاشرة، وبعد أن درس لفترةٍ وجيزةٍ في (دارت ماوث)، عمل عاملًا بسيطاً  في أحد مصانع القطن. كما أنَّه عمل مدرساً  بإحدى المدارس، واشتغل كذلك بالصحافة.

التحق بعد ذلك بجامعة (هارفارد)، ولكنها تركها بعد عامين متجهاً نحو الزراعة.

وفي عام 1912م ذهب لإنجلترا، وهناك نال الاعتراف به شاعرًا مميزًا.

وبعد نشره لديوانية الشعريين ( إرادة الفتى) عام 1913م، و (شمال بوسطن) عام 1914م، عاد لبلده؛ الولايات المتحدة الأمريكية، واستوطن بمزرعةٍ بالقرب من (فرانكونيا) .

درسَ (فورست) وحاضر في عددٍ من الجامعات ومنها (أمهيرست) و( هارفارد)  و (ميتشجان).

وفي أواخر حياته، مُنح كثيرًا من الاهتمام والمكانة الاجتماعية، وقام بعددٍ من الرحلات إلى  أنحاءٍ مختلفةٍ من الولايات المتحدة ليوقع أحد كتبه، و ألقى محاضرةً، ونحو ذلك مما يتعلق بنتاجه الإبداعي. ـ

وفي عام 1961م، ألقى قصيدته الشهيرة (المنحة التامة) في حضور الرئيس الأمريكي (جون كنيدي).

أصدر خلال حياته عددًا من المجموعات الشعرية ومنها (نيوهامشر) و (المدى الأبعد) و (النبع الجاري غرباً) و (شجرة الشهادة) . وكتب عددًا من المسرحيات. ورغم تركيزه على أجواء منشأه في (نيو انجلند) إلا أنه لم يكن شاعرًا إقليمياً ، بل إن مضامين شعره المحلية الدقيقة، والتفاصيل الإقليمية التي يودعها قصائده، كانت مكتنزةً بالرموز والدلالات العميقة، وحتى الميتافيزيقية منها.

اهتمت قصائده بالصراعات والمخاوف الإنسانية، وعنيت أيضاً  بردود فعله، وتوجهاته نحو تعقيدات الحياة المعاصرة، وتقبله غير المحدود للواجبات الملقاة على عاتقه إنسانياً وإبداعياً .

نال (فورست) جائزة (البلوتيرز)  للشعر أربع مرات للأعوام 1924 و 1931و37 19و 1943م.

يرجع الفضل في شهرة (فورست) الإبداعية المستحقة لجهود نقاد حاذقين  أعملوا فكرهم في قصائده بعد فترةٍ طويلةٍ صُنِفَ فيها على أنه مجرد شاعرٍ تقليدي مثله مثل غيره من الشعراء العاديين.

________

نبذةٌ تعريفيةٌ عن الناقد: (*)

Laurence Perrine

(لورنس بيرين): ناقدٌ أدبيٌ شهيرٌ (1915-1995)، أستاذ في جامعة Methodist الجنوبية. تعدُّ كتبه الدراسية الأدبية أعمالاً قياسيةً على الصعيد الوطني.

حصل (بيرين) على درجة البكالوريوس والماجستير من كلية (أوبرلين) وعلى درجة الدكتوراه من جامعة (ييل). بدأ حياته المهنية المتميزة عضوًا في كلية اللغة الإنجليزية في جامعة (SMU) في عام 946 ، واختير أستاذ كرسي للأدب الإنجليزي في عام 1968.

تشمل أعمال (لورنس بيرين) كتباً مدرسيةً لطلاب المرحلة الثانوية تتناول أهمية الشعر، وطرائق إبداعه، وأهمية الخيال فيه، ومن أهمها كتاب: ( الصوت والعقل والقصة والبنية) الذي نشر لأول مرة في عامي 1956 و 1959 على التوالي. وتم إعادة طباعة هذا الكتاب طبعاتٍ مزيدةٍ ومنقحةٍ لاحقًا، واستخدم  مرجعًا رئيسًا في تعليم الشعر على نطاقٍ واسعٍ في مناهج الأدب الحديثة في كثيرٍ من الولايات المتحدة الأمريكية.  

تقاعد (بيرين) في عام 1980 وحصل على درجة الدكتوراه الفخرية من جامعته SMU في عام 1988م.

قابل (بيرين) زوجته، كاثرين، عندما كانت تُدرس اللغة الإنجليزية للطلاب الجدد في جامعة SMU بين عامي 1948 و 1950م. وهي ناشطة في السياسة البيئية في ولاية (تكساس)، ولديها اهتمامٌ خاصٌ بقضايا المياة.

    **********************

(*)  (النبذة عن الناقد مترجمة بتصرفٍ من موسوعة “ويكيبيديا” على النت، النسخة الإنجليزية). (المترجم).

————————————————–

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *