حصاد الأرض.. ومداد الثقافة

 

تحقيق: محمد مهدلي – فرقد

على مدى سنوات طويلة،عرفت الثقافة العديد من التعريفات ومنها:

أنها مجموعةٌ من العقائد والقيم والقواعد التي يقبلها أفراد المجتمع.

وأيضا تعرف الثّقافةُ بأنها المعارف والمعاني التي تفهمها جماعةٌ من الناس، وتربطُ بينهم من خلال وجود نظم مشتركة، وتساهم في المحافظة على الأُسس الصحيحة للقواعد الثقافية.

ومن التعريفات الاصطلاحية الأُخرى للثقافة:

أنها وسيلةٌ تعمل على الجمع بين الأفراد عن طريق مجموعة من العوامل السياسية، والاجتماعية، والفكرية، والمعرفية، وغيرها من العوامل الأخرى.

ولكل أرض ثقافتها المتميزة، التي تؤثر في الإنسان، فكره، وحديثه، ولباسه، وأكله، وحتى أدبه.

ولكل أرض حصادها الطاغي، على بهاء النص والمعنى، لدى الأدباء والمثقفين؛ سواء كان هذا الحصاد ماديا، مثل: ( الأشجار والخضرة والورود – أو الماء والرمال والجبال والصخور ) أو معنويا كأساطير الحب الخفية، أو الخرافات الشيطانية، التي لا تظهر إلا في النصوص الأدبية والثقافية.

وعلى هذه الأرض الطيبة، أرض المملكة العربية السعودية، العديد من الصور الثقافية، التي أثرت المشهد الثقافي العربي وحتى العالمي، من خلال المشاركة في المعارض والمؤتمرات، والمهرجانات المحلية والدولية، وانتشار الكتابات الأدبية كالشعر، والرواية، والقصة، وغيرها من الكتابات التي تأثرت بواقع الأرض، ونقلت صوتها على كف من حرير للعالم أجمع.

 


 

وهنا سألنا الأديب والمفكر سعودي الدكتور: حسن مشهور.

عن ارتباط الأماكن بالثقافة والأدب ؟

وأجاب: علائقية الأدب والموجودات الزهرية جزء من سايكولوجية الإنسان العادي، أن يتفاعل مع الموجودات، انطلاقا من البحر مروراً بالجبل و وصولا للسماء. وعندما يكون هذا الإنسان هو ممن يمتلك الموهبة الأدبية فإنه حينها لا يكتفي بذلك التفاعل التقليدي مع الموجودات؛ وإنما نجده ينفعل بها وجدانيا ليترجم انفعاله هذا على شاكلة أدبية سواء أكانت شعرية أو سردية تتسم في واقعها بالإبداع والأصالة والفرادة.

ولقد نقلت لنا أدبيات التاريخ الكثير من القصص عن تلك التحولات وحجمها، التي طالت طبائع الشعراء العرب الذين انتقلوا للعيش في جغرافيات تكتنز حدائق وبساتين تحوي ألوانا من الورود، وأنواعا من الأزاهير والرياحين وغيرها من النباتات العطرية الأخرى. وكيف أن هذه النقلات النوعية المكانية قد جودت أشعار هؤلاء الأدباء وحسنت طبائعهم الشعرية ورققت، وفي ذات الوقت فخمت مفرداتهم وألفاظهم التعبيرية. ولعلنا في مراجعتنا لحديثة الانتقال المكاني التي عاشها الشاعر العباسي علي ابن الجهم، جراء غشيانه مجلس الخليفة العباسي المتوكل، نجد خير دليل على ما ذهبت إليه في هذا المقام.

ولو جربنا العودة لتأمل واقعنا الحياتي المعاش، وتحديداً خلال تلك الوجودية الزمنية الممتدة من أواخر الألفية الأولى حتى وقتنا الراهن، فسنجد بأن ذات التجربة الحدثية التي تتعلق بتفاعل الشاعر مع موجودات الطبيعة تتمثل للعيان مجددا.

فنحن لو جربنا – على سبيل المثال – أن نُيَمِّمْ وجوهنا شطر المنطقة الغربية وتحديداً منها محافظة الطائف الغالية على كل قلب، فسنجد بأن هذه المنطقة التي اشتهر عنها وردها الطبيعي ذو الأشكال والألوان الزاهية الأخاذة،  ومناخها المعتدل الجميل،  وطبيعتها الخلابة قد كان تأثير هذا الثراء الطبيعي على الذهنية الفاعلة لأدبائها كبيرا، بحيث ترجمته ذواتهم المُلْهَمةْ، عبر جملة من النتاجات الشعرية والسردية الأخاذة.

فها نحن نجد ابن الطائف، وشاعرها سلطان العصيمي ينشد قصيدة في وصف مدينته يقول فيها :

وانظروا وجا وهل سالت به غير أشواق سرت من مقلتين

ملعب الحب وبستان الهوى وقطفنا الحب منه وردتين

وتمشينا على بستانه وتـظـللنا ذراه نخلتين

 

إن هذه الحالة من التماهي مع جماليات الطائف النباتية من ورد طائفي ونباتات عطرية أخرى نجده يتكرر معنا مجددا في قصيدة شعرية أنشدها ذات مساء الشاعر بكر مستور عابد، وهو أحد أبناء الطائف البررة في مهرجان الورد الذي رعته جماعة فرقد الشعرية بالطائف، حيث قال حينذاك في نصه الشعري محدثا ملهمته محافظة الطائف عن حبه الآفل لأنثاه الراحلة :

ماتت خطاك على الطريق الأخضر

وترمدت هذي المدينة فانظري

دمع هنا.. وهناك جرح نازف

ألم يفور بخافقي المتحسر

ماتت خطاك ومات حب رائع

فجعلت أذكر… ليتني لم أذكر

وتهدم البيت الذي في حلمنا

وتخثر العطر الذي في الأسطر

ما زلت أذكر ليلة قمرية

جرحتني فيها بطرف أحور

أين الهوى العذري.. أين زمانه؟

سقيا لأيام الهوى المتسعر

 

حقيقةً إن تأثير محافظة الطائف بموجوداتها الطبيعية، التي من ضمنها وردها الشهير، على الذات المبدعة للشاعر لم يكن وليد المرحلة، وإنما هو يمتد في وجوديته لعقود زمنية قد خلت. فنحن لو تأملنا الكتابات الشعرية لأحد شعراءها قديما و الذي يعد وأحد من أبناءها الذين وضعوا بصمة لا تمَّحى على واقع الشعر السعودي، وأعني به الراحل محمد الثبيتي فسنلمس أثراً للطائف بموجوداتها يتموضع في البنية العميقة لقصيدة الثبيتي الشعرية.

وهو في واقعه أثر يحتاج لعين الناقد الثاقبة كي يتبينه، كونه لا يتجلى في تلك البنية السطحية للنص الشعري الثبيتي على المطلق. فنحن لو تأملنا عناوين ديوانين شهيرين للراحل الثبيتي وأعني بهما ديوان ” التضاريس ” ، و كذلك ديوان ” عاشقة الزمن الوردي “، فسندرك بأن مفردتي ” تضاريس ” و ” وردي ” ، لم تكونا لتتولدان بالمصادفة وإنما هما يمثلان انعكاس لأثر مكاني يتموضَّع في العقل الباطن لشاعرنا الثبيتي. وهذا الأثر هو – في واقعه – محافظة الطائف بما حوته من ورد وأزاهير وطبيعة خلابة شاهدها وعايشها الثبيتي عندما كان يعيش في مرابع في فترة صباه، أي أن ديوان التضاريس في واقعه إنما يمثل استحضار لاشعوريا لذكريات الثبيتي في صغره عندما كان يرتع في تضاريس مكانية مسقط رأسه وأعني به إحدى قرى بلاد بني سعد بجنوب الطائف.

ونفس الأمر ينسحب على ديوان عاشقة الزمن الوردي، فنحن لو سلمنا جدلا بمقولة مجازية التعبير بمعنى أن هذا العنوان إنما يمثل وصفا مجازيا ليس إلا. إلا أن الشواهد الحدثية تنبئنا يقينا بأن عقل الشاعر الراحل محمد الثبيتي لم يستحضر مفردة ” وردة ” ، ولفظة “زمن “، التي توحي بالقدم إلا نتاج تلك الترسبات الطفولية، المحملة بذكرى الطفولة البهيجة للشاعر أثناء عيشه بمحافظة الطائف التي بدا من عنوان الديوان بأن أريج وردها قد بقي يستوطن قلب وفكر الشاعر على امتداد عمريته المعاشة.

نفس سيناريو الشعرية المتمثلة في البينية الحياتية لقطبي الوجود؛ أي ” الشاعر ” بحسه المرهف و ” المكان ” بما يحويه من طبيعة أخاذة ، نجده، يتكرر كذلك في الحالة الجازانية لأبناء منطقة جازان الغالية على كل قلب. فجازان أرض الفل والكادي قد أثرت في وجدان مثقفيها بعمق، وهذا التأثير المتصاعد الوتيرة قد تجلى في كتاباتهم ونصوصهم الشعرية.

فها هو شاعر جازن الراحل محمد العقيلي بعد أن تمشى بين ( امردايم )، و قطف حبات الفل بنوعيه، ” امقريشي ” و ” عزام ” ، نجده يترجم هذه الوجدانية المعاشة عبر التغني محبةً وعشقاً في مسقط رأسه منطقة جازان، وذلك حين يقول:

 

جـازان إنـي مـن هـواك لـشـاكـي

أفـتـعـطـفـيـن لـمـدنـف يـهـواك

أصـغـى إلـى هـمـسـات قـلـب طـامـح

مـتـوثـب الإلهام والإدراك

مـشـبـوب أرجـاء الـشـغـاف يـلـوح مـن

خـلـل الأضـالـع كـالـسـراج الـذاكـي

ولقد نظرت إليك نظرة شاعر

سامي الخيال مدله بهواك

يرعى شواطئك الجميلة هاتفاً

ومغرداً بجمالها ورؤاك

 

وأضاف: حقيقةً، إن تلك الموجودات المكانية وخاصة ما يتعلق منها بعملية الإنبات الخضري؛ أمثال الورد الطائفي والفل والكادي الجازاني وغيرها من الأزاهير والنباتات العطرية التي تحفل بها باقي مدن مملكتنا الحبيبة، كانت ولا تزال وستظل من ضمن المؤثرات التي تمس بعمق الذات المبدعة للإنسان فيترجم ذلك على شكل قوالب شعرية أو بنى سردية تتسم في واقعها بالأصالة وصدق التجربة وبراعة التعبير الأسلوبي.

 


 

وعن ذات السؤال تحدث الشاعر والروائي: عبد الله ناجي

عن المكان كمؤثر ثقافي في وجدان المبدع..وقال:

يُروى بأن الشاعر علي بن الجهم قدم على الخليفة المتوكل – و كان بدويًّا جافياً – فأنشده قصيدة قال فيها:

أنت كالكلب في حفاظـك للـود و كالتيس في قراع الخطوبِ

أنت كالدلو لا عدمنـاك دلـوًا من كبار الدلا كثيـر الذنـوبِ

فعرف المتوكل قوته ورقّة مقصده و خشونة لفظه، وذلك لأنه وصف ما كان يرى ويخالط، فأمر له بدار حسنة على شاطئ دجلة فيها بستان يتخلله نسيم لطيف والجسر قريب منه، فأقام ستة أشهر على ذلك ثم استدعاه الخليفة فأنشده قصيدته المشهورة:

عيون المها بين الرصافـة والجسـر **جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

خليلـي مـا أحلـى الهـوى وأمـره ** وأعرفنـي بالحلـو منـه وبالـمـرِّ

وبغض النظر عن صحة هذه الحكاية، فإن فيها ترميزا واضحا عن تأثير المكان في الشاعر والكاتب بشكل خاص، والإنسان بشكل أعم، وتخصيص المبدع هنا بالنصيب الأكبر من الـتأثر، لأنه المتأمل فيما حوله، والناطق بأحلام الناس وأحوالهم. تتشكل ذهنية المبدع بتشربه للمكونات الحسية والمعنوية والتاريخية والثقافية للمكان بطريقة لا واعية، وتلك أقوى طرق التأثر، وأبعدها مدى، ومن الصعوبة بمكان أن يُلقي المبدع عن كاهله حمولات المكان الذي ولد وعاش فيه، أو يزيحها عن نفسه. قد يتخفف منها، ولكنها تظل عالقة في وجدانه، وستتبدى في كتاباته، وستظهر بين الكلمات والسطور، وفي لحظة الكتابة وتجليها سيختار مفرداته من أعمق مكان في روحه، وأغلب ما في ذلك المكان العميق يعود إلى ما تركه المكان في ذاته من تصورات ومفردات وأسئلة وحكايات كذلك، فالذاكرة محتشدة بحكايات المكان الذي ألفته ومفرداته، فالشاعر الطائفي مثلا يشبه خدود حبيبته بالورد وأنفاسها بأريج الحدائق وعبير البساتين، والشاعر الجداوي يبث شجونه ومكنون عشقه للبحر، ولساكن مكة مع الجبال والقداسة حكايات أخرى، هذه أمثلة بسيطة وقد تكون ساذجة عند البعض، ولكنها الأصدق في التعبير عن حالة التباس المكان بالمبدع، أو العكس، فالمكان مؤثر ومتأثر، يتأثر بما يمارسه الإنسان فوقه وداخله من بناء وعمار ونحت ونقش ورسم، ومؤثر في الإنسان بخصائصه الزمكانية التي تكونت عبر الحقب والعصور، تلك الخصائص خليط من الأرض والبشر، ومزيج من الآثار والمشاعر المترسبة داخل الأرض والنفس، ما يفعله الكاتب هو تدوين تلك المشاعر المشتركة بين الإنسان ومكانه، وتخليدها، وفي تلك العملية تتسرب الحمولات الثقافية للمكان والمرتبطة بإنسانه، إذ لا نستطيع فصل أحدهما عن الآخر، والنص الأدبي الصادق هو الذي يشي بأمكنة كاتبه حتى وإن حاول إخفاء ذلك، لقد كتب نجيب محفوظ الحارة المصرية، كتبها بكل تجلياتها وتناقضاتها البشرية والتاريخية والثقافية والاجتماعية، حين نقرأ محفوظ سنرى القاهرة بمقاهيها وأزقتها وحاراتها وناسها، وسنشم رائحتها كذلك، ونتعرف على أمزجة أهلها وسنسمع ضحكاتهم، وضجيج الحياة فيها.

وأضاف ناجي: احتفاؤنا هنا بالمكان ومدى تأثيره على الكاتب، لا يقلل من دور المكونات الأخرى لذهنيته، كالقراءة في المقام الأول، والسفر وغير ذلك. وإنما يأتي المكان فاعلا في تلك الذهنية مصطحبا ومتوازيا ومتداخلا، بل وممتزجا بتلك المكونات، وسأزعم كذلك بأن للمكان دوره في توجيه الكاتب إلى ثقافة ما وتدعيمها داخل روحه، فتكون ثقافته المشكّلِة لوعيه مكتسبة من المكان ذاته، وبذلك أسهم المكان بطريقة أو بأخرى في رسم معالمه عبر طبقات من التأثير، لا أريد القول بأننا سجناء للمكان، ولكننا لا نبعد كثيرا عن تلك الفكرة، إننا نتحرك داخله ذهنيا وإن ابتعدنا عنه جسديا.

 


وتقول الأديبة والإعلامية: غادة ناجي طنطاوي.

رئيس تحرير مجلة جولدن بريس. في حديثها عن الجغرافية والثقافة:

عندما نتحدث عن ثقافة مجتمع ما، فنحن نتحدث عن سلوك اجتماعي يميز كل مجتمع عن غيره، في سلوك أفراده، الممارسات الاجتماعية، العادات و التقاليد و الأشكال التعبيرية مثل الموسيقى، الرقص، الطبخ و الملابس، حتى في المدينة الواحدة نجد اختلافاً يميز سكان المناطق الشمالية عن الجنوبية، المدن الساحلية عن المدن الواقعة بين الجبال و الأودية.

على سبيل المثال؛ نجد تأثير البحر على شعراء المناطق الساحلية كمدينة جدة و الخبر، واضح في نصوصهم التي يطغى عليها طابع الخيال، شمس تعلو سماء صافية و هدير الأمواج ونوارس غالبًا ما تتجلى في نصوصهم الشعرية، بعكس شعراء المنطقة الوسطى التي عادةً ما تكون قاسية التعابير، وأشد حدةً في الوصف بسبب البيئة الصحراوية القاسية، قيظ الظهيرة، لون الرمال، شدة الحر و العطش الذي يتجلى حتى في نصوص الحب و وصف جمال الحبيبة، فهي غالبًا ما تشبه الغزال في مشيتها  لها عين المها و شموخ الجبال.

على الصعيد المقابل نجد شعراء الجنوب أكثر الشعراء عاطفة و ألينهم كلامًا، فطقسهم شاعري، أرضهم خضراء و غالبًا ما يستطيعون رؤية الغيوم قريبة جدًا من سفوح التلال، لذا نجد صور الربيع واضحة في نصوصهم، طقس معتدل، زهور مختلفة تتمايل مع نسمات الهواء و ينابيع ماء في كل مكان، مما يضفي جوا من الرومانسية المفعمة على قصائد الحب.

لذلك نقول الشاعر ابن الأرض، يتأثر بما حوله من عوامل بيئية وصفات جغرافية.

 

 

وتضيف الشاعرة: أميرة بنت محمد صبياني.

بقولها: عندما يكون الشاعر وطنا، وكونا.

‏على مر العصور الأدبية تتكرر لدينا حقيقةُ تأثر الشاعر بطبيعة البيئة الجغرافية والتاريخية التي عاش فيها أو قضى فيها سنوات عمره الأولى؛ فهي تؤثر في فنه الإبداعي الشعري بما فیها من رموز جامدة ومتحركة ، ودلالات واعتقادات تغلغلت فی فکره ووعيه.

‏وترى صبياني: أن مظاهر الطبیعة المحسوسة والمشاهدة في تلك البيئة، من جبال ورمال وماء ونبات ونجوم وریاح وأمطار وبحار وأشجار وحیوان، تمثل للشاعر صورةً متسعة  یستقي منها خياله وإبداعه، وَیُحَمِّلْهَا ما لا یمکن تجاهله، بل إن تلك البيئة تؤثر تأثيرًا واضحًا على إحساس الشاعر وتكوينه النفسي؛ فَيَصْدُر من خلالها ويشابهها ويتطبع بها وبلغتها لدرجة التشابه في درجات جمودها وحركتها وصوتها وأصوات وقوالب الكلمات التي يعبر من خلالها.

‏وهنا تقف صبياني على ملامح تأثر خلالها ثلاثة شعراء في مملكتنا الغالية، ببيئات مُتباينة:

‏الشاعر الأول:

د/ سعود بن سليمان اليوسف.
من نجد وقريته الأولى ثرمداء، برمالها ومزارعها وحقولها ونخيلها وبيوتها الطينية، واتساع رحابها ومداها.

تأملت ديوان الشاعر (صوت برائحة الطين ) فلمحت صورة الطين في سماحته وتواضعه مع صورة الحقل في نمائه وبركته، ويمتزج ذلك كله في صورة الشموخ التي تظل تفرض نفسها على تطلعات الشاعر وأمانيه وحتى عواطفه؛ يتجلى ذلك الامتزاج في قوله:

‏موغِلاتٌ في الابتهالِ حقولي

‏يتخيلن كيف وجهُ الهطولِ

‏كلما غيمُ ذكرياتي تهادى

‏عبرَ أُفقي نضدتُ شوقَ نخيلي

‏وإذا ما رياحُ أمسيَ هبَّتْ

‏أتراءى مُدثرًا بذُهولي!

‏بُرعُمًا كنت أول ما

علمني الحقلُ أن يرِّفَّ ذبولي

 

‏هناك حميميةٌ وتناغمُ تام بين تجربة الشاعر، وخصائص الحقل والنخيل والطين، والشموخ والاعتداد بالنفس رُغمَ صعوبة الاستسلام للتجربة.

وهنا نَفَسٌ آخر من أنفاس بيئته الأولى، في قوله:

‏رُبما يذكرونه ذِكرَةَ الأفنانِ

‏للطيرِ تارِكًا أفنانهْ

‏الليالي جفونُها اهترأت والشاعِرُ الفذُّ لابِسٌ عُنفوانهْ

 

‏وفي قوله:

‏وأنا هنا

‏ما زالَ يملأُ جُعبتي صوتُ الهجيرْ

‏ما زالَ في سعفِ النخيلِ شموخُهُ

‏أومآ درى المُتَقَزِّمون عن انتفاضاتِ النخيلْ ؟

 

‏وكثيرةٌ كثيرةٌ، هي شواهد ذلك الانتماء الأول لتفاصيل البيئة الأولى، كما أن صوت الصدى المتكرر في شعر الشاعر، وفي قصائد هذا الديوان، من عتبة العنوان (صوتٌ برائحة الطين) إلى ذبذبات الصدى في أغلب  قصائده.

‏ذلك الصدى الذي يتمنى الشاعر أن يكون قويًا مرتفعًا حتى لو اختفى في دواخله واختلط برزانته، وهذا الصوت هو نفسه شموخ النخيل الذي يكوِّن نظرته الرصينة الجادة للمواقف من حوله، نعم لقد تكرر الصدى في هذا الديوان ثلاثَ عشرة مرة، وتكررت إلى جانبه أصوات أخرى لا تكاد تخلو منها قصيدة في الديوان: (صوت ،صهيل ، صليل ، شدو، حمحمات ،حداء ، هديل ..)

‏فهي إلى جانب الصدى البعيد، صوت تكوينه الأول في القرية المترابطة التي تحتضن جميع أصوات أهل القرية، ويتسع مداها  لقوة كل صوت يعبر المدى صداه؛ ليكون الشعرُ هو الشاعر في أسلوب بيئته العزيزة في تلون عواطفها، ورزانتها وبساطتها وتواضعها ورؤيتها الشامخة.

 

الشاعر الثاني:

‏الأستاذ: عبد المجيد بن علي الفيفي.

من منطقة جازان.بجبالها ومرتفعاتها، وكهوفها وإطلالات غيماتها واخضرار سهولها وسطوع شمسها، وبساطة أهلها رُغم صعوبة العيش فيها.

‏ تلكم الطبيعة وجدتها تتكرر في نَفَسِ الشاعر من خلال العديد من نماذجه الشعرية، تتكرر من خلال سطوعه بالفكرة، وتمسكه بها، ووضوح ما يريد بثه، أو المجاهرة به من المشاعر دون خوف أو تردد، ووجدتها من

‏خلال قوة حجته، والتي تدعمها ثقافته، وكأنه يجهر بتلقائيةِ وقوة وصمودِ بيئته، ويتجلى ذلك في قوله:

‏قد أستميحُ نبيَّ الشعرِ ناقِضه

‏عيدٌ بأحسنِ حالٍ عُدت يا عيدُ

‏وصراحته بتلقائية واضحة في قوله:

‏إنّها فِتْنَةُ اللهِ لي،

‏وابتدأ الأمْرُ..

‏لمّا افْتُتِنْت

‏كنتُ أعْقَلَ من مَرّ في عَيْنِها،

‏-وانْتَهىٰ- حين مَرّتْ بعَيْنِي:

‏جُنِنْت!

‏وصراحة عواطفه في قوله:

‏أنا ما عرَفْتُ الحُبَّ

‏حتّى ساقَنِي حُمْقِي إلَيكِ

‏وفِطْنَةُ الأيّامِ

‏لا تُوهِمِي قلبي بحُبٍّ عابِرٍ

‏فَلَدَيَّ ما يَكْفِي من الأَوهامِ..!

 

‏كما لاحظت من خلال الكثير من نماذجه الشعرية أنه يتحدث بصوت طبيعة جازان، وبلغتها الشاهقة التي تروم الصعود والعروج، ولا تهوي إلا عند إرادة السكون؛ وفي شعره تتكرر مصطلحات المعراج والرقي و العلو والصعود والشواهق ثم الهاويات ،وكأنه يصعدها ويهوي منها باستمرار وعزيمة، مندمجا في معزوفة الصعود والهبوط بسلاسة مع تلك البيئة في قوله:

‏رقَىٰ حينَ أَهْوىٰ إلى بدئه

‏وفي :

‏قِيْلَ: “اهْبِطُوا”

‏ويظَلُّ مِن وَلَهٍ يَهْوي

‏وفي أوجاعِهِ يَرْقَى.

‏ونادَيتُ: يا قلبُ!

‏رَدَّ الصَّدَى:

‏وفي:

‏حلق على شاهقات الهمِّ ممتلئًا لحنًا جليلًا

‏وفي:

‏متردية عتمة

‏وكُلّ لَيْلة، نَبِيتُ فارغي الرُّؤوس،

إلَّا من كلِّ مُتردِّيةِ حُلْم، أو نَطِيحَةِ

 

‏ويتكرر الصعود والهبوط، والإسراء والمعراج في العديد من قصائده؛ لدرجة الغواية..كما في: 

يغوي انزياح الريح سرجَ بُراقه

‏فيُقل حافز لفظهِ إسراءُ

 

‏وتلك التقاطات بسيطة لنموذج من شعراء جازان، وتظل جازان الأم الأولى للشاعر الذي يعبر عن عواطفه بقوة وثبات وثقة وبطولة.

 

الشاعر الثالث:

‏د/ أحمد قران الزهراني.

‏شاعرٌ من الحجاز، عاش على امتداد البيئة الحجازية بدءًا بقريته الأولى في بلاد زهران، ومرورًا بالطائف ومكة وجدة؛ فكان لهذا الاتساع الكبير بسهوله وجباله وأوديته وبحره وتلون ثقافته البيئية، من القرية بتفاصيلها البسيطة الصامدة الشامخة، إلى المدينة المتحضرة المترفة الأثر، الأعمق في شحذ شعره بسلاسة طبيعة قريته، وترف الحضارة في المدينة وجُرأتِها، وكأننا أمام عمر بن أبي ربيعة، شاعر الغزل والغناء المترف في العصر الأموي، مع تباين الظروف المادية بين الشاعرين، لقد استطاع الشاعر (أحمد الزهراني) تصوير الحياة الحضرية في الحجاز تصويرًا يقترب من الواقع، واهتم بالمرأة وشبب بها بفطرة القرية وجُرأة المدينة، فهو يصور حياة المرأة المترفة في قوله:

‏يمدُّ عِشقك في سلطان مملكتي

‏وجدًا وتجزر في عينيك آهاتي

‏أروح من نزقٍ في وجه حالمةٍ

‏وفي تقاسيمِ ثغرٍ ثائرٍ آتي

‏وفي قوله:

‏للواتي قطفن عناقيد روحي

‏وأمضين في البحر أيامهن الأخيراتِ

‏شاكسن صوت الندامى،

‏وأشرعن للموج أسرارهن

 

‏كما نلمح عنده الغزل البدوي الحضري في صورة المرأة في قوله:

‏هو الحب

انطفاء الضجر في سن اليأس

‏امرأة تحتطب فرحًا نائيًا

‏لصٌ يسرق وجهه

‏وفقيه يداري ما حاك في نفسه

‏أسئلةُ القرى البريئة للمدن المنحازة

‏وإجابات الغرباء لرغبات المتطفلين

‏هو الحب

‏يأتي على حين أنثى

‏تُمَسِّدُ ما خبأته العيونُ اللئيمةْ

 

‏ولا يخلو قاموس الشاعر من البحر والشطآن، والودعات والطيور والحقول والمرتفعات، التي توزع صوته بكل وضوح, في:

‏ مروا على باب المدينة ليتهم قرؤوا جفاف الطين أشرعة القوارب ْ

‏وفي:

‏لا فلك تجري إلى منتهاها

‏ولا لونَ للبحرِ يشبه لونَ السماءْ

‏سأتلمس ضحكتك في زخات المطر

‏سأسكن ملامحكِ  كطيرٍ تشبث بعنقود عنب ناضج

‏وختمت صبياني قولها:

‏ ‏بأن الشاعر هو ابن بيئته، وللبيئة الأولى النسب الأقوى على شعره، حتى لو كان ذلك النسب بالرضاعة.

 

ولعلنا هنا نتطرق لبعض من هذه الصور الثقافية الحاضرة في ذهن المكان والإنسان، في المملكة العربية السعودية، والبداية من الجنوب الغربي للمملكة العربية السعودية، من الياقوتة الهادئة على شاطئ البحر الأحمر، والريحانة الساكنة إلى خَضَار جبال ” السروات “، وصلابة الرمال في وجه الرياح .. جازان، المخلاف الذي آوى القبائل المتناثرة قديما، والمدينة التي تحيا على الفل، ولا تموت إلا لأجله.

والفل في جازان ليس وردة تخلق وتموت بين ليلة وضحاها، بل حياة موغلة في تاريخ الأرض والإنسان هناك. وهوى عبثيٌ بين الطين والقلوب، وبين المطر وأوراق الشجر، وأعطار الغانيات الخالدات في ذاكرة الأرض والسماء والماء.

وللفل علاقته الدائمة قديما وحديثا بثقافة الإنسان الجازاني .. وجازان.

وجازان حينما تشم رائحة الفل تغني. حقا إنها تغني؛ جدران بيوتها القديمة تهتز وتهيم جذلانةً بذكرى  ثقافة الأرض المترنمة على أوراق ” الرديمة ” على نداها وشذا البياض المشرئب، في بقايا مهج العاشقين.

الفل في ثقافة جازان وأهلها

 

وهنا يجيب الأستاذ: عبد الرحمن قحل – عضو جمعية الثقافة والفنون – قسم المسرح، عن الفل في ثقافة جازان وأهل جازان ؟ بقوله:

الفل هي نبتة عطرية تكون أول الضيوف حضوراً في المناسبات منذ القدم، حيث يكون الفل أهم شيء في زينة النساء في كل المناسبات السعيدة، ويعتبر الفل من أهم النباتات التي تزرع في البيوت وامتدادا لثقافة التزين بالفل إلى عصرنا الحاضر على رغم حضور الورود الطبيعية في المناسبات، ولكن نجد الفل لابد من وجوده لكون منظره جذاب ورائحته العطرية مميزة، ونجد أنهم وضعوه بأشكال جميلة وجديدة زاده رونقاً وجمالا، وكلنا فخر بالمجتمع الجازاني المعتز بأصالة تراثه وجعله شيء أساسي في تقديم هداياه والتزين به في كل المناسبات.

وأضاف: ولما للفل أهمية كبيرة في المجتمع الجازاني وضع عنوانا لمهرجان جازان الشتوي (جازان الفل مشتى الكل ) الذي يقام سنوياً، ويعرض فيه جميع منتجات مزارع الفل ويستمتع زوار المهرجان بهذا الشكل الجميل والرائحة العطرية الجذابة.

ونظم الشاعر والأديب الحسين النجمي عن الفل أبياتاً من القصيد جاء فيها:

يا ريحة الفل يا أحلى مواجعنا

يا فتنة قد أثارت عطر أشعاري

الشعر للفل في جازان توأمة

كلاهما في دياري نعمة الباري

وعاشق الفل يهديكم قصائده

بريحة الفل فاطرب أيها القاري

وعند سؤالنا للأديب الشاعر: الحسن آل خيرات؛ عن الفل وما يمثله لجازان وأهلها وثقافتها؟

كثف أفكاره ثم هطل بقصيدة نقية، نقية:

” الفُل.. على باب الجنة

‏في جيدِ الموسيقى

‏في خدِّ الغيمْ

‏الفل رسولُ الريح

‏ووحيُ الدهشةِ والإلهام

‏وهطْلُ الديمْ .

‏ما مرَّ الأمسُ بلا فلٍّ في جازان

‏وغدٌ لن يمضي

‏والآنْ .

‏جازانُ ملائكةٌ

‏والفلُ بياضُ الإنسانْ

‏والريمْ

‏كفٌّ من تيهٍ

‏كفٌّ من عنوان     

 ثم عاد لصمته احتراما للبياض، والفل.

الفل في الذاكرة الشعبية

أما الكاتب والأديب: عمرو العامري.

فيقول على لسان الشاعر علي الأمير:

 ‏إذا أردتَ استحضار ذكرى ليلة بعيدة جدًا، فتّش عن الفل ، إذا أردتَ أن تُكثّف ضوء القمر على صدرك قطرات باردة جدًا، فتّش عن الفل. إذا أردتَ لصقيع الفضة أن يُدفئك جدًا، فتّش عن الفل. إذا أردتَ للحبّ أن يستعيد فطرته الصافية جدًا، فتّش عن الفل.

ويقول: أن الفل في الذاكرة  الجازانية محرض أبدي للحب والذكرى ومساءات العشق وهبات الحنين، ولا تُذكر جازان إلا ويحضر الفل، ولا يتوجع المحبون إلا وكان الفل الشفيع، وما من فرح ينعقد إلا وكان عربونه الفل، وحتى في الوداع يكون للفل حضوره كترنيمة للغياب.

‏وأن الفل في جازان ليس أزهارا أو طقسا جماليا، الرديمة ( وهذا اسم شجرة الفل) جزء من البيت الجازاني، يفسح لها الرجل المساحة الأولى وهو يختط الدار وتعتني بها صاحبة الدار كما تعتني بأحد  أبناءها، تقطف أوراقها تبخرها وتبني عروشا لسواعدها الضعيفة  لتكبر ويكون الجنى الفل.

هذا الأبيض الساحر؛ هاتك ستر الليل، شاهد الوشوشات، والحارس للبدايات، حتى تقتض ويرى كل شيء ثم لا يقول وحتى لا يبطل السحر وحتى تصل نجدة نور الصباح.

وأن عمر الفل قصير جدا، هو ابن ليلته ويومه، يستنفذ طاقة روحه في شهقة واحدة، مساحته كل الليل وما في الليل ، وقبل الشروق يخلي المساحة لغيمة أخرى من البياض، وحتى تٌستعاد ذات الحكاية كل ليلة بأشواق غير مستعملة وفل قادم من عروش الردائم.  والردائم تحبل كل ليلة، وفي المساء تكون وشايات الفل بيضاء  كقلوب أهل جازان وأهل تهامة.

‏وفي جازان نقول إن لنا البياضات الثلاث: بياض الفل، وبياض القلوب والآن لنا بياض أكفان الشهداء المقيمين على حدود بلادي، يرون الأرض دما أحمر ليرتفع الخفاق الأخضر ويزهر الفل على صدور الصبايا ويكون كل الوطن عصيا على الغزاة والطامعين.

‏وعهدا علينا في جازان أن لا يدنس ارض بلادنا غاز ولا يمس ترابها معتد وأن يظل فلها تذاكر فرح و”غطاريف” تجلو الليل تلو الليل وبياض يمتد من بياض المهد حتى بياض الكفن وهذه الأرض عصية إلا بالحب والويل لمن ظن غير هذا، وإلا لن نستحق الفل ولا مثيلات الفل.

‏وأضاف: في جازان لنا فٌلنا الجازاني، نعرفه جيدا بعد أن غزت الأسواق صنوفا أخرى من الفل، فٌلنا الجازاني أبيض بالمطلق، رائحته صاعقة، عمره قصير وهو متغطرس على الدوام.

‏فلنا البلدي مختلف، نعرفه نحن، نميل له نحن، ونغالي في ثمنه نحن  لأننا سنزفه للأغلى، نزفه تراتيل محبة وقرابين ود ورسل لا تعود دون جواب.

‏يجف الحبر ولا ينتهي الحديث عن الفل ويحلو الكلام كل ما كان الحديث عن الفل،

‏وكما بدأنا بالشعر ننهي بالشعر والقصيدة للشاعر علي النعمي رحمه الله وهو يقول:

‏عــقـد فــل لاحـــقـته فـتـغــلى … بـعد أن صار في الزمان المعـلى

‏كان نبـضي و لا يــزال إلـيـها … نبـض قـلـبي و عـنه لا أتـخــلى

‏و رســولي إلى فـؤاد حـيـاتي … في جـنـــون بـسـحـــرها أتـمـلى

‏عـقـد فـل بحـثت عـنه طــويلا … و قـطـعـت الأميال سهـلا و تلا

‏و وجـدت الآلاف تـقـفو خـطاه … دون وعـي فـسـيـمـت اليوم ذلا

‏ملك الناس و احـتوى كل صب … في رحـــاه , و تــلـه الآن تــلا

‏عــبـق اللـيـل نـائم ليس يـدري … أن عــقــــدا أزاحــه و أطــــلا

‏فـأحـال الصحــراء واحـة حـب … في حـمـاهـا تفـيـأ العـشق ظـلا

‏هــو ســهـم مـســـدد بـعــبــير … داخـل الـقـلـب و السـويداء حـلا

‏و رســـول لـكـل شــيـخ كـبـير … فـقـد الـدفء فـاعـتـلى و تجـلى

‏و ســـلام مـضـمـخ كـل لــيــل … عـانـق الـلـيـل شـامـخـا و مـدلا

‏سكن الفـل في رؤوس الصبايا … و تـمـطى عـلى الـنـحـور فـحـلا

‏و تـمـادى فـأصـبـح الآن مـني … قــاب قــوسـين ثم بـعــد تـــدلى

‏وهذه جازان الفل والشعر وكل وشوشات البياض.

 

ويضيف الإعلامي المتألق: أحمد الحازمي:

أن الحديث عن الفل الجازاني هنا يعيدنا للخلف، حيث لا تكاد تجد بيتا لا يوجد به شجرة الفل المعروفة باسم “الرديمة” خصوصاً في البيوت التهامية، ولها معاملة واهتمام خاص.

للفل استخدامات كثيرة جداً في الأفراح والمناسبات والأعياد، ويتم تشكيله على حسب الطلب (مسابح – كبش – رصاص – نثر… الخ). ويبلغ ذروته في فصل الصيف.

وتحدث الأديب والشاعر، الأستاذ: عبد الرحمن موكلي:

وقال: الفل زهرة الفرح ، وعنوان الجمال،  أهل المدن  جازان، صبيا، أبو عريش، فرسان، وبعض الجبال، ينطقونه  الفِلِّ  بكسر الفاء وكسر اللام المشددة ، أهل القرى ينطقونه الفُلُّ  بضم الفاء وضم الَّلام المشددة، والجمال يحضر في التسميتين، لكن تسمية  الفِلِّ  بالكسر أحلى بألسنة النساء، وما مثلهن في معرفة أسرار الفل منظوماً ومنثوراً.

قيمة الفل  في كثرته،  كلمّا كثر الفل أبيض وجه المكان، وتصابى زمانه، الفل تاج الليل، وزينة المحفل، ملكوته في الحضرة، وسطوته في سكرة العشق،  تتجلى جمالياته في الأعراس والأهواد، ومواعيد الفرح والبهجة والانشراح،  حين يحففن النساء رؤوسهن، وأعناقهن والصدور بالفل، ويرقصن مخيلات على رؤوس أصابعهن، فقم وخاتل بنظرك من طرف خفي نشوة الفرح، وما أحلاه موصولاً لمّا تضع يدك في يد حبيبة محرمة بالفل.!  مسراكما يعلن الوصال، ومأواكما يشهر احتفالية الحياة، داخلين على الليل بجاذبية التلاقي، وظلال الأجساد المتموجة بالفرح والسهر.

تسمى شجرة الفل (( الرديمة )) وهي بنت المدن ــ تحديدا صبيا وأبو عريش ــ  وكانت شجرة الفل تزرع في البيوت، والمرأة هي من تقوم بزراعة شجرة الفل والعناية بها، والمرأة من تقوم بنظم الفل، وعمل التشكيلات منه سواء ما توضع على الرأس أو على الجسد، وكان الفل نادرا ما يباع بل يقدم كهدايا.

وقال موكلي: منذ بداية التسعينات الهجرية  ومع دخول الشبكات المائية للعديد من القرى في المنطقة، بدأت زراعة الفل في الكثير من قرى المنطقة، وانتشرت ثقافة الفل في كل المنطقة ، وتحول الفل لقيمة جمالية في المناسبات، وأصبح يباع في الأسواق وعلى نطاق واسع.

في السنوات الأخيرة تطورت زراعة الفل، وانتشرت في مساحات كبيرة من المزارع، وأصبح أحد أهم المنتجات الجمالية للمنطقة، ويصدر منه الكثير للمناطق الأخرى.

يعتبر الفل من أساسيات الفرح، وتتعدد تشكيلاته من العقود وتسمى ” الكباشة ” وهذه تعلق في صدور النساء والرجال في الأعراس والمناسبات، إلى السبح ” المحارم ” وتتوج بها رؤوس النساء، إلى ” الصدريات ” وهذه للنساء ، والمشاقر ” العصائب ” وتوضع على الرؤوس للشباب والشابات والأطفال، وكل يوم تتجدد التشكيلات حسب الطلب.

ورائحة الفل النفاثة الجميلة، تجعله عنوان الجمال في البيوت، فلا تخلوا منه المجالس وغرف النوم، فهو بمثابة الطيب المنثور في الصواني والزبديات وعلى الفرش والأسرة، وفي رمضان يطعم به الماء ليعطي نكهة جميلة للماء. 

وفي نهاية حديثه ذكر موكلي: أن ما ينقص حضور الفل  هو تحوله لصناعة عطرية مثل ” الورد الطائفي ” وهذا ما يجب القيام به من قبل المؤسسات المعنية بالأمر، والمهتمين بعالم العطور من داخل المنطقة ” جازان ” وخارجها، ونتمنى يكون قريبا إن شاء الله.

وتضيف الكاتبة والأديبة: نسيم منور.

عن الفل وتأثيره على النصوص الشعرية، الفصيحة والعامية، والمشهد الثقافي في جازان. بقولها:

نبتة أرض طيبة وتراث أجداد، وطقوس لا تبلى وعادات في مجرى الدم، وصور الماضي وبيوت جازان القديمة التي تزينها وتمتاز بها ” ردائم ” الفل الظليلة، التي لها نبض وشهقة، وليل يتفتح بعطر ينثر شذاه ويٌسكر به ليثمل عقل القلم، ويكتب من العطر روائع الحرف.

من ردايم أرضنا نقطف فلنا

يا زين عقد الفل لا صار فاتش

هو البياض عندما يغار منه الفجر، وهو العبير الذي يغيض الورد، كل الزهور وأنواع الورد لا تحتل  مكانة الفل الجازاني، هو يحتضن الصدر، ويقبل الشَعَر، ويعانق الجدائل، ويقبض على نحور الإناث بشهقة حب وقبلة طويلة العطر.

كما قال الشاعر حسن الصلهبي:

ويح قلبي من عقد فل مدلى

في صدور الحسان أزهى وأحلى

تتباهى به الصبايا نديا

والمحبون في أماسيه قتلى.

محرض للكتابة، و للقصيدة  قافية، تأثر أهل جازان بالفل أمر طبيعي فهو جمال وزينة وفرح وعبق، هو الحاضر في كل مناسبة وحفلة، وهو الجزء المهم في كل استقبال أو هدية.

هو كما ذكر الشاعر حسن:

ليس زهرًا كأي زهر شذي

إنه ساحر القلوب تجلى

يبهج النفس في المساء جميل

كيف يضحي الجمال شيئاً مملا.

الفل الذي ارتبط بأهل جازان، وشعرها وأدبها حتى أصبح وجوده في القصائد كإضافة يزين بها الشاعر قصيدته.

كقول الشاعر الحسين النجمي:

“يا ريحة الفل يا أحلى مواجعنا

يا فتنة قد أثارت عطر أشعاري

الشعر للفل في جازان توأمة

كلاهما في دياري نعمة الباري”

والفل برائحته الجميلة، يكون سببا في حضور شهية الكتابة، ويثير سواكن النبض ويحرض للغناء والغزل

كأغنية الفنان محمد عبده:

“مثل صبيا في الغواني ما تشوف

ناشرات الفل  والنقش اليماني في الكفوف “

وتقول نسيم: أن تأثير الفل بالنصوص الأدبية أمر طبيعي، فسمات الأرض تأثر على السلوك والثقافة والأدب، وطبيعي أن يذكر أبرز ما فيها من جمال وما تمتاز به عن باقي المدن، لأنها بالأصل أرض فن وثقافة وأدب وقصائد تفوح بعبيره.

وينهي الحديث عن جازان الأرض، ومداد ثقافة الإنسان، الدكتور والشاعر عبد الله بن حسين عشوي.  

الذي قال: من الطبيعي أن يكون للمكان تأثير في ثقافة المنتمين إليه، فتأثير الطبيعة في تكوين الحالة الشعرية للشاعر مثلاً أمر طبيعي و معروف من قديم الزمن، ابتداء من الشعر الجاهلي و مرورا بالشعر في صدر الإسلام إلى الشعر الحديث في العصر الحالي.

وفي منطقة كجازان، تجمع في طبيعتها بين البحر و السهل والجبل، فلابد أن يكون لذلك تأثير في ثقافة أهلها،  كما أن ما لديها من منتجات زراعية مختلفة بما في ذلك الفل و الكاذي، و ما لهما من رائحة عطرية ارتبطت بالمناسبات من زواج و أعياد و غيرها من المناسبات، فلابد أن يكون لهما تأثير في شاعرية شعراء المنطقة و أبعاد في كلمات أدبائها، من وصفٍ و تشبيهٍ وغزل، ليس في الأدب فحسب بل يمتد هذا التأثير إلى الفن التشكيلي و الموسيقى و الغناء.

ويختم عشوي بقصيدة أسماها ” سَلةُ الخُبز ” والتي لا تكاد تخلو من مشاهد ثقافية وحضارية تأثر بها الشاعر في بيئته. قال فيها:

تَذَكري أُمسياتَ الفُلِ و الكـاذي

و كُلّ (عاضيةٍ ) في ليلِ أعيـادِ

يا من ببحركِ يُخفي الموجُ لُؤلؤةً

و القمحُ تِبرُكِ يسقي زرعَهُ الوادي

فقاصدُ البحرِ يَلقى رِزقَ مُحتسبٍ

و قاصدُ البَرِ يلقى رِزقَ حَصّـادِ

غَنيّةٌ أنتِ بالخيراتِ مَنطقتي

يا سلةَ الخُبزِ  في تاريخِ أجدادي

تَحَدثي اليومَ عن ماضيكِ و افتخري

و سَايري الركبَ  في عَــزمٍ بأحفادِ

هاهُم بنوكِ إلى العلياء قد ركبوا

قَوافلَ العلمِ في إصرارهم  حادي

فبعضُهم في فنونِ العصرِ قد بَرزوا

و بعضهم في متونِ النُطق بالضادِ

هذا طبيبٌ  وهذا عــالمٌ فطــنٌ

في كُلِّ مَسألةٍ يروي بإسنـادِ

للهِ دَرّكِ يا جـازانُ  في وطنٍ

يَـرقى بِفِتْيَـهِ  يُفــدا بأكبٌادِ

وبالعودة إلى الحديث عن الأرض وما تمثله لثقافة الإنسان، ننقل قول الكاتب والروائي عبده خال في ( لقاء بنادي جازان الأدبي – 29/5/1439 ): ” إن القرية هي التي قدّمته للآخرين في بداية كتاباته، وهي بمثابة البئر التي يستقي منها عوالم الدهشة “

 وأضاف خال: “أجد في حكايات القرية مادة غزيرة، وكلما أتحدث مع بعض أصدقائي العرب والأوربيين عن قصص القرية تنتابهم الدهشة، وكل شخص في هذه المنطقة هو مشروع رواية؛ لأن البيئة هي السر الداخلي للإنسان والإبداع”.

 

 

 

وهنا يتحدث الشاعر فريد النمر: عن منطقة أخرى، من منطق الجمال، والإبداع، من أرض المملكة العربية السعودية، إبداع يعرج من الأرض، إلى يدي السماء، على جناحي النقاء، يصعد، ويصعد بهامات النخيل معه.

من المنطقة الشرقية، وبعض صور ثقافة الأرض والإنسان، في براويز النصوص الأدبية.

في (صورة المكان في الشعر العربي) .. ويقول:

تُعد صورة المكان وجمالياته من الصور الشائعة في الشعر العربي قديما ً وحـديثا ً، لمـا يملكه المكان من تأثير مباشر في نفس الشاعر، والذي استطاع من خلاله التعبيـر عـن قضـايا وهواجس متعددة سواء أكانت نفسية أم اجتماعية أم سياسية أم فكرية. فالمكان له علاقة جوهرية بالإنسان بشكل عام وبالشاعر بشكل خاص، ولا يمكن النظر إليه بوصفه بعـدا ً هندسـيا ً يحـيط بالشاعر قبل أن يتدخل فيه الخيال . ولعل هذا ما يميز الشعراء فيما بينهم في تـوظيفهم للمكـان بمختلف صوره، ومحاولتهم إبراز جوانبه الفنية أو الجمالية؛ لذا يمكن أن يكون المكان من أهـم العناصر التي تشكل جمالية النص الأدبي.

لذا يعتبر التصوير الشعري لأثر المكان هو تأثير موضوعي مصاحب للأثر الفني الشعري، كعمل مرتبط باللغة كون المكان يشكل حيزا وجوديا ومعنويا مؤثرا في حياة الشاعر العربي منذ القدم، امتد حتى وقتنا المعاصر كثيمة مكانية، يعتد بها إما لأثر ممتد، أو لأثر تاريخي حاضر في حضارة المكان.

ولهذا جاء تعريف المكان هو: تلك البقعة التي ينجذب له المخيال الشعري الفني بمبالاة عالية، ودلالات واضحة ينفرد بها كموضوع يقدم للمتلقي، معرفا بخصوصيته ففي شرق الجزيرة العربية مثلا، اشتهر تمر الأحساء حتى قيل في المثل العربي ” كجالب التمر لهجر “، واشتهرت دارين كميناء تاريخي عريق وممول غذائي في العصر الأموي فقال الشاعر الأحوص الأنصاري بيته الشهير:

“يمرون بالدهناء خفافا عيابهم     ويخرجن من دارين بجر الحقائب”

أضاف النمر: في العصر الحديث؛ للمملكة العربية السعودية، مازالت ثيمة المكان الرمز بما يحمل من خصوصية رغم تعاقب السنين، كما أنه محافظا على هويته المكانية ففي محافظة الأحساء تبرز النخلة صامدة في الأثر الشعري المعاصر، وجبلها الشهير “جبل القارة” كمعلمان أزليان الدلالة وفي الساحل الشرقي للخليج العربي.

وتحمل محافظة القطيف مثلا دلالة الخصب والساحل، لما تتمتع به من عيون طبيعية ورقعة خضراء ممتدة على الساحل الشرقي للخليج العربي، وكذلك المعالم التاريخية الشاهدة كقلعة “تاروت” وميناء دارين ومدينة الزارة التاريخية محفزة لذائقة الشعراء في المنطقة الشرقية.

وأضاف فريد النمر شواهد شعرية على تأثر الشاعر بالمكان، في المنطقة الشرقية.. مثل:

الشاعر ابن المقرب العيوني يقول:

زَهَت هَجَرٌ مِن بَعدما رَثَّ حالُها

وَعادَ إِلَيها حُسنُها وَجَمالُها

وَأَضحَت تُباهي جَنَّتي أَرضِ مَأربٍ

لَيالي بَنُو ماءِ السَماءِ حِلالُها

فَيا حُسنَها حينَ اِستَقَرَّ قَرارُها

وَزايَلَها ما كانَ فيهِ وَبالُها

ويقول الشاعر المعاصر جاسم الصحيح:

إذا انفردَتْ بِيَ

الصحراءُ كالعـرَّافـةِ الكـهْـلَـهْ

وصار الـدربُ ثعبانـاً بطول

مسافـة الرحلَـهْ

وحاولتُ الصلاةَ هنـاكَ لكـنْ ضاعَـتِ القِبلَـهْ

أصلِّي

باتجـاهِ النخـلِ حين تعـنُّ لِـي نخلَـهْ

ويقول الشاعر أبي البحر الخطي المتوفى سنة ٦٢٥هج:

هلا سألت الربع من “سيهات” 

عن تلكم الفتيان والفتيات

ومجر أرسان الجياد كأنها

فوق الصعيد مسارب الحيات

ومجدفات السفن أدنى برها 

  من بحرها مبارك الهجمات

حيث المسامع لا تكاد تفيق من

ترجيع نوتي وصوت حداة

إن “القطيف” وإن كلفت بحبها

وعلت على استيطانها زفراتي

إذ حيث جزت رأيت فيها مدرجي 

طفلاً وأترابي بها ولداتي

لأجل ملتمسي وغاية منيتي

إني أقيم بتلكم الساحات

فسقى الغمام إذا تحلب ركبه 

تلك الرحاب الفيح العرصات

واجتازت المزن العشار فطبقت 

بالسقي من “عتك” إلى “نبكات”

ويقول الشاعر المعاصر عدنان العوامي:

سلاما سلاما منازل خوله

سلام الخليل تذكر خله

تذكر مدرج أحبابه

ضافا ومشتل ضوء ونخله

ويقول في جزيرة تاروت:

تاروت أين صحا جفني وأين غفا

رآك ترسين في أهدابه فهفا

ضجيعة البحر والشطآن هل كبد

أوت إليك فما أوريتها دنفا

إلى أن يقول:

الله.. كيف أذود الشعر عن شفتي

وكيف أمسك شرياني إذا نزفا.

ويختم فريد النمر قوله: أن هذه تجليات صورة المكان، بشرق المملكة قديمها وحديثها، وهناك مواضيع كثيرة تناولها الشعراء استحضرت هنا أبرزها في المشهد الشعري المتناول.

المكان والثقافة

وهنا تذكر الدكتورة والأديبة، الكويتية: نورة المليفي.

التي تحدثت لفرقد، عن (تأثير الطبيعة على النتاج الأدبي) بشكل عام، وقالت:

أن الطبيعة بكل صورها وأشكالها تؤثر على النتاج الأدبي تأثيرا واضحا، يمكن من خلالها اكتشاف صور الجمال الطبيعي لموطن الشاعر الأصلي.

فمثلا نجد شاعر البادية يتغزل بالصحراء التي يراها شاعر المدن أنها أرض قاحلة جدباء، لا جمال فيها ولا روح بل ويرى لونها يثير الاكتئاب، بعكس الطبيعة ذات اللون الأخضر، أو ذات الألوان المتعددة.

وأضافت: أن مفردات الشاعر الصحراوي فيها شيء من الخشونة والغلظة، بينما مفردات الشاعر الذي يعيش بين البساتين مفردات ناعمة والوصف، فيها حالم جميل وكأنه يحلق بك فوق السحاب.

وفي كلا الحالتين يبقى الجمال جمالا، فالبدوي ابن الصحراء يرى أن أجمل ما في الكون هي الصحراء، والهضاب، والنخيل والناقة،، بينما يرى الشاعر الآخر أن الجمال يكمن في اللون الأخضر والألوان المختلفة، التي تظهر بها الورود والزهور والثمرات.

وترى المليفي في نهاية حديها: أن الشعراء أرخوا مظاهر طبيعتهم من خلال نتاجهم الأدبي، بل وتغزل كل واحد منهم بهذه الطبيعة، التي ولد فيها ونشأ وترعرع معها، وسرت في دمه وامتزجت بروحه.

ويختم هذا التحقيق، عن ارتباط المكان بالثقافة، الأديب والكاتب: سعود البلوي – من حائل. بقوله:

للأمكنة تاريخ وذكرى لدى المثقفين والمبدعين، ولنكهة القهوة تحديدا حبٌّ خاص وصورة عريقة محفورة في ذاكرة الكتّاب والمبدعين في العالم العربي والعالم أجمع؛ فوجود الكاتب في مكان يشعر بأنه ينتمي إليه أو يرتاح فيه أمرٌ تمتزج فيه طاقة المكان بالنشوة والإنجاز والمتعة.

‏وتاريخ الثقافة الأوروبية مثلا يذكر لنا قيمة العديد من المقاهي،وارتباطها بكبار المثقفين والكتّاب والفنانين الأوروبيين، في أجواء شاعت فيها الحوارات الثقافية والسياسية والاجتماعية والفلسفية والفكرية والأدبية ممزوجة برائحة البُنّ وطعم القهوة.

‏فمقهى (دي فلوري) الباريسي التقى فيه كبار الكتّاب، ومنهم جان بول سارتر وصديقته الفيلسوفة سيمون دو بوفوار، وصديقهما الكاتب البير كامو، والفنان التشكيلي بابلو بيكاسو وغيرهم، وكذلك مقهى (بركوب) في باريس أيضا الذي ارتاده كثيرون ومنهم فولتير. أما مقهى (جريكو) في روما فكان مأوى لكبار المثقفين والأدباء الأوروبيين، ومنهم الشاعر الألماني جوته، والموسيقار فاجنر وغيرهما.

‏وأضاف البلوي: بالنسبة إلى العالم العربي كانت المقاهي من الأمكنة المؤثرة بالنسبة إلى المثقفين والأدباء العرب، ومنها مقهى (الزهاوي) في بغداد الذي كان من أبرز رواده الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري، والمفكر علي الوردي وغيرهما.

أما في مصر فكان مقهى (الفيشاوي) ومقهى (جروبّي) في القاهرة من أشهر المقاهي التي ارتبط فيها المثقفون والمبدعون، ويعود تاريخ تأسيسهما إلى القرنين السابع عشر والتاسع عشر ومن أشهر روادهما عباس العقاد، ونجيب محفوظ، وإحسان عبد القدوس، ويوسف إدريس وغيرهم.

‏ويرى البلوي أنه: في حياتنا المعاصرة اليوم يتواجد المقهى بحضوره المعاصر، ليكون مكانا ملهماً للكتّاب على اعتبار أنه المكان الأفضل والأنسب للقاءات الثقافية العابرة أو المنتظمة، على الرغم من أن المقهى لم يعد يختص بالنخب الثقافية إنما أصبح مرتادوه من جميع الفئات والطبقات الاجتماعية، إلا أنها ما زالت إلى حد ما تقوم بدور الوسيط الثقافي في المجتمع، نتيجة كونها غير رسمية وبعيدة عن الطابع البيروقراطي، وهي في الوقت نفسه تعطي إشارات إلى شيوع الحوار الثقافي والاجتماعي في المجتمع، وعلى المستوى الشخصي ما زلت أرتاد هذه المقاهي، وأعرف أصدقاء وزملاء يعتبرون المقهى أشبه بورشة عمل لمشاريعهم الثقافية، فهم يتحاورون ويتناقشون ويفكرون داخل أورقة المقهى الذي غالبا يرتاده أشخاص ألفوا بعضهم وعرفوا هموم بعضهم، مما يتيح حرية أكبر في الحوار وطرح الموضوعات.

2 thoughts on “حصاد الأرض.. ومداد الثقافة

  1. تحقيق جميل وثري، تحولت فيه رمزية المكان إلى “حدث” مسموع، فشكراً لمن صنع إبداعه!
    أثر البيئة والمكان في الإبداع لاتزال بحاجة إلى”أصوات” بألوان”الطيف” فالأفق بعيد ، لانكاد نسمع” الصدى” .
    بالتوفيق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *