من إشكاليات السرد في القصة والرواية المعاصرة (بين أدب الواقع وواقعية الأدب)

رواية الشبورة للكاتب السعودي أحمد الشدوي نموذجا

بقلم/ د. مصطفى حسين*

مدخل:

كم هو جميل ونبيل أن يكون المنتج الأدبي كائنا حيا يمشي بيننا في أرض الواقع بعيدا عن تهويمات الخيال الحالمة بمعزل عن الإنسان والحياة بسعودها ونحوسها وأفراحها وأتراحها، فمع وافر الاحترام والتوقير لاختيارات المبدعين من الشعراء والأدباء من كتاب القصة والرواية وغيرهما من فنون الكتابة النثرية ما بين الخيالي النزعة والواقعي المشرب، لكني أعتقد أن حركة الحياة المعاصرة المتوارية الفوارة بكل عنفوان وطبيعية ترشح للعودة وبسرعة وقوة إلى الكتابة بلغة واقعية الفكرة والحرف والبيان.

كُتابُ الواقع فكرا ولغة

ولقد أسعدني جدا ظهور عدد من الكتاب في فني القصة والرواية المعاصرة يميلون فكرا ولغة إلى ممارسة الكتابة بلون من الأداء الجديد يمكن أن نلتقط منه ملمحا رئيسا يعول عليه إذا ما أردنا أن نتكلم عن إحدى أبرز إشكاليات السرد المعاصر في القصة والرواية على وجه الخصوص، وهو ما أطلق عليه ((بين أدب الواقع وواقعية الأدب)) وقد يتوهم القارئ أن هذا من قبيل التلاعب بالألفاظ وما هو كذلك على الإطلاق؛ ذلك أن الكتابة الأدبية الفنية تلتقط الفكرة التي تدور حولها من عدة مصادر منها واقع الحياة والناس، فيكون الأدب عندئذ موسوما بأنه “أدب الواقع” فهو ينبع من الواقع المعيش وإن كان هذا لا يمنع من إضفاء بعض عناصر الخيال عليه لضرورات فنية تتطلبها عملية إنتاج الأدب.

أما الشق الآخر – وأعنى به واقعية الأدب – فالمقصود به أن يكون التناول الأدبي تناولا منطقيا واقعيا بعيدا عن التهويمات الواقعة في طرفي الخيال المفرط أو الوهم المفرط، وميزان الأمر هنا مداره مرتكز على المتلقي أكثر من ارتكازه على قناعات الأديب نفسه؛ ذلك أن ما يكون واقعي التناول فهو بالتأكيد بالغٌ مبلغه في نفوس القراء، مؤثر التأثير المراد وربما الأكثر من المراد أيضا، فهو بكل بساطة أدبٌ واقعيٌّ إنسانيٌّ بامتياز.

وهذا الملمح الواقعي فكرا ولغة وبناء فنيا يظهر بدرجات متفاوتة من الوضوح في كتابات عدد من المبدعين في جملة من المجموعات القصصية والقصص والروايات، والمقامات العصرية كذلك، منهم على سبيل المثال لا الحصر الكتاب الروائيون والقصاصون: أحمد الشدوي، أشرف الخضري، وداد معروف، صفاء محمد، صلاح المكاوي، نهى بلال، سعاد الزامك، سمية الألفي، عزة عز الدين، وغيرهم. وقد قدمت عدة قراءات نقدية تدور في فلك العنوان أعلاه مطبقا على جميع من ذكرت في دراسة لكل منهم على حدة، ولم يبق سوى الكاتب السعودي الأستاذ أحمد الشدوي.

الشبورة لأحمد الشدوي

في عبارة موجزة يمكن القول إن رواية “الشبورة” إحدى أبرز الشواهد الإبداعية في الرواية المعاصرة على النزعة الواقعية فكرا وبناء فنيا ولغة متنوعة؛ فالضمير الذي اختاره صاحبها يجعل الكاتب حاضرًا بقوة في الحدث من غير مواربة، ولا يستطيع أن يمنع القارئ من هذا الاعتقاد نتيجة لجملة من الشواهد التي تجعله حاضرا مشاركا في الحدث بدرجة تكاد تصل إلى التصريح المباشر، ولعل أنفع ما يمكن أن نتوقف عنده إذا ما أردنا الحديث عن صلب الأداء الإبداعي في تلك الرواية، السمات المتعلقة بالسرد الروائي بوصفه الأداة الأبرز في العمل الروائي على الإطلاق فيما أعتقد.

إشكاليات السرد في الشبورة

من المقرر في السياق الإبداعي الأدبي أن العمل الجيد هو ذاك الذي يثير من الإشكاليات ما يثير، فيبعث على الجدل الفني بين نقاد الأدب وقرائه على حد سواء، و”الشبورة” رواية مثيرة للجدل بدءًا بأولى عتبات النص وهي العنوان، وكيف لا ومنطوق ومفهوم الكلمة مثيران للضبابية والتردد وعدم الوضوح المقصود دلاليا، فكأن الكاتب يريد بهذا العنوان نوعا من التضليل المتناقض لكنه تضليل أكثره حميد وتناقض ربما كان أنفع من المنطقية والاتساق في صناعة الأدب.

وإذا وضعنا السرد الروائي في رواية الشبورة في الميزان، فيمكن أن نخلص إلى مجموعتين من الخصائص التي تمثل محاور إشكالية جدلية أكثر من كونها مجرد إيجابيات وسلبيات، لكن دعونا نعرض لها تحت هذين العنوانين بقصد التبويب والتقسيم لا أكثر فيما يلي:

إيجابيات السرد في الشبورة

ينتظم الشبورةَ عددٌ وفيرٌ من الإيجابيات التي تمنح السرد الروائي قدرا كبيرا من الجودة البنائية فكرا ولغة وأسلوبا وبناء فنيا، ومنها ما يلي:

1- يثير السرد الروائي في الشبورة التساؤلات والتطلعات بوضوح، وهذا يضفي على نصها وفكرتها إدهاشا يجعل القارئ حريصا على متابعة القراءة باهتمام متواصل من دون ملل إلا في القليل النادر.

2- الدخول المباشر في الموضوع من دون مقدمات وصفية واستعراضات لغوية، وهذا هو المتبع بصفة عامة في لغة السرد الروائي الحداثية.

3- اللغة السردية مدهشة في رسم الشخوص رسما متمايزا يضع لكل شخصية مقامها وحدودها شكلا ومضمونا وفكرا وفعلا في الأحداث بما لا يوقع القارئ في فخ التيه بين الشخصيات؛ فالشخصيات الرئيسة كالراوي نفسه وحامد الرباعي مثلا شديدة الوضوح من حيث المعالم والسلوكيات والسمات الجسدية والنفسية…إلخ والشخصيات الثانوية كآمال عبد العاطي وغيرها مرسومة بلغة سردية ملائمة لحجمها ودورها في الرواية من غير إفراط ولا تفريط.

4- العناية الفائقة بالدور الاجتماعي للرواية كحرص الكاتب على انتقاد التفاوت الطبقي الفاحش بين الأغنياء والفقراء، ومعالجة قضايا الفساد الأخلاقي المستشري في بعض البيئات، ومعالجة بعض القضايا الاجتماعية ذات الأبعاد النفسية العميقة.

5- لغة السرد الروائي لغة مدهشة ملتزمة مستوى من الصواب والانضباط والرصانة العصرية تكاد تخلو من الأخطاء إلا من بعض الهنات الهينات التي نأمل أن تخلو منها الطبعة التالية بإذن الله من الرواية، ولعل أبرز ملامح إيجابيات اللغة ما يلي:

  • تنوع مستويات اللغة؛ فاللغة العربية الفصحى هي العماد الأساسي للرواية، في حين يستخدم الكاتب اللهجات الدارجة وفقا لطبيعة الحدث والشخصية والسياق، بحرفية عالية الجودة وبتلقائية تجعله في مصاف الكتاب المهرة في هذا، ولا سيما أن المستوى منضبط وغير مسفّ ولا فاحش ولا هابط.
  • تنوع النمط اللغوي المستخدم بين الشعر والنثر في حرص واضح على إبراز موهبة الراوي وكونه شاعرا ناثرا ماهرا. (لكن هذا الملمح يثير إشكالية نفردها بحديث فيما يلي فهي سلاح ذو حدين)
  • اللغة خصيبة الخيال مدهشة أحيانا كقوله مثلا “انتسامة فيها لذعة حموضة” وغير ذلك من العبارات البلاغية الجديدة.
  • ما يمكن أن نسميه لغة البناء النفسي أو سيكولوجية الحدث التفاعلي ومن ذلك ما ورد في (ص 10) مثلا حين يقول: “يلوك حزنا على شيء فقده ولا يعرفه”، (ص13) “يثير الاشمئزاز المعجون بخوف” و”تخوم النسيان” وغيرها من النماذج التي تدل على خصوبة الخيال.
  • لغة السرد ناجحة جدا في رسم المسرح المكاني والزماني لأحداث الرواية والتنقل عبر الأمكنة في مصر والشام الخليج بسلاسة ويسر ودون افتعال أو تصنع.
  • لغة السرد تؤكد تنوع ثقافة الكاتب معجما وفكرا وسعة تجارب إنسانية واقعية، فالأسفار التي قام بها والتفاعل العميق بين عدة بيئات كونا له رصيدا إنسانيا ثقافية زاخرا يجعله يتحرك بحرية بين جنبات الأفكار والأحداث والشخوص بكل ثقة واقتدار.
  • عصرية لغة السرد بوضوح وعدم انغلاقها على مرحلة زمنية أو مستوى معجميّ بل نجد مثلا “تكتك” “فيس بوك” “طلب صداقة” وغير ذلك من الكلمات والتراكيب والتعبيرات العصرية، وهذا يجعل الرواية رواية عصرية واقعية النزعة بوضوح في الأعم الأغلب منها.
  • سهولة اللغة يجعل الرواية قابلة للانتشار في عمق الجماهير؛ فالمعاني واضحة وسهلة ولا تستغلق على الفهم ولا تحدد القبول في فئة من المثقفين أو المتعلمين بل يمكنها التغلغل في جموع الجماهير القارئة.

سلبيات السرد في الشبورة

العمل الإنساني بطبيعته عمل ناقص، وما نورده هنا على أنه سلبيات يمثل بعض القضايا المشكلة أو الإشكالية وقد يرى بعضَها نقاد آخرون جوانب إيجابية، غير أنه ينبغي التأكيد على أن الهدف من التوقف أمام تلك النقاط التي أراها سلبية أو أميَل إلى السلبية في أحسن تقدير، إنما هو الخروج بالرواية في أبهى وأكمل الحلل ومحاولة تلافي تلك السلبيات قدر المستطاع في الطبعات التالية. وفيما يلي عرض موجز لها:

1- أبرز السلبيات في لغة السرد الروائي في “الشبورة” فيما أعتقد خروج الكاتب إلى مسألة تنظيرية تكلم فيها بصورة تبدو مقحمة في السياق الدرامي السردي بما يخرج القارئ من جو الأحداث وقد يشي بنوع من فرد العضلات شيئا ما – أقول قد – ومن ذلك حديث الكاتب عن الفرق بين القصة والرواية بلغة تنظيرية وكأننا دخلنا قاعة درس وقد ورد هذا في (ص49) والمفترض ألا يدخل الكاتب القارئ في استطرادات تنظيرية تقطع الحدث الدرامي وتصيب القارئ بالملل، وغالبا ما يدفعه هذا للقفز عبر النص وترك أجزاء من الرواية دون قراءة.

2- استخدام مفردات غريبة كما أسماه الكاتب “المشراف الأخير” (ص10) وربما مرجع هذا إلى استخدام اللهجات الدارجة، وهو سلاح ذو حدين في السياق الإبداعي.

3- الإجحاف وتجاوز الموضوعية في مقارنات عجيبة بين نساء مسلمات وأخريات يهوديات، في ميل غير مبرر للأخريات.

4- فجاجة الحديث عن بعض السلوكيات غير الأخلاقية، فما يعرضه الكاتب على أنه بحث عما أسماه بزواج المصياف هو في طريقة عرضه أشبه بسوق للبغاء على نحو قد يثير الضغائن وخاصة حين ينسب تلك الأحداث – التي هي في الأصل عمل أدبي لا واقعي حياتي – إلى بيئات مكانية محددة المدينة الفلانية أو البلد الفلانية، وفي اعتقادي أنه يجب على الكاتب إضفاء بعض الضبابية والشبورة على تلك النقاط من الرواية فذلك أدنى أن يستر ويحدث الأثر المطلوب دون صدامات، كما أنه يجب التركيز على معالجة تلك الأدواء الاجتماعية في البناء الروائي بوضوح.

إشكاليات مزدوجة

في نهاية تلك القراءة ربما يحسن إفراد بعض القضايا الإشكالية المزدوجة الرؤية بين الإيجابية والسلبية بحديث موجز مستقل وأقتصر على اثنتين منها طلبا للإيجاز:

1- الشحن الموضوعي

من يقرأ الشبورة سيجد نوعا من التعميق والتنويع الموضوعي والبيئي والثقافي الذي يكاد يمثل ظاهرة تحتاج دراسة مستقلة مستفيضة، فتلك ظاهرة تبدو إيجابية من زاوية كونها دليلا على ثقافة الكاتب المتنوعة تنوعا مذهلا، كما أنها تؤكد كون الكاتب إنسانا مجربا متحركا نشطا سفرا وحضرا، غير أنها تبدو من زاوية عكسية ظاهرة سلبية؛ ذلك أن الشحن الموضوعي المذهل تنوعا قد يفضي لنوع من التعقيد الممل أحيانا كما أنه يقطع الخيط الدرامي كثيرا وقد يشعر القارئ أن الكاتب يحاول استعراض ثقافته، وهذا بالتأكيد غير مرغوب فيه، لكن القضية هنا تبدو إشكالية كبرى تحتاج ربما لبحث مستقل.

2- شعرية اللغة ونثريتها في الرواية

قد يبدو للوهلة الأولى اشتمال لغة الرواية على أنماط إبداعية متنوعة شيئا إيجابيا؛ فالرواية تستخدم النثر الفني الفصيح، وتخرج منه إلى الشعر العمودي الموزون المقفى، وكذلك إلى الشعر الشعبي والنبطي، وهذا التصرف من قبل الروائي القدير قد يحقق له مطمحا مهما وهو تقديم ذاته المبدعة للقارئ بما يرضي غروره الإبداعي المشروع وأناه الإبداعية، لكن له عيوبا ذات تأثير سلبي على البناء والسرد الروائي؛ فالحدود الفاصلة بين الفنون الكتابية أو الأجناس الأدبية الشعرية والنثرية يجب التزامها حرفيا إذا ما أراد المبدع تركيز زاوية نظر المتلقي على الفن المعين.

يضاف إلى ذلك أن الشاعر قد يقع في خطأ عروضي عفوي كما حدث في إيراده بعض أبيات على بحر البسيط ووقوعه في عيب من عيوب القافية:

تقول تعليم ما التعليم يا عجبي      في بوح روحك أسفارٌ من الكتبِ

……

تقول عطرك ها قد فاح من شعبي     يراوغ العطر يدمي أنفيَ اللهبِ

(اللهبِ) الكسر مقتضى القافية وهو مخالف لمقتضى النحو (اللهِبَا) وهو ما يعرف بالإقواءْ.

وفي اعتقادي فإن الخروج من النثر إلى الشعر، في سياق السرد القصصي أو الروائي سلاح ذو حدين، وأرى أن التقليل منه جدا أو عدمه أولى.

خاتمة

في ثقة يقف من ورائها نص كبير أقول إن لغة السرد الروائي المستخدمة في رواية الشبورة تعيد الأمل في مستقبل جديد للرواية المعاصرة، ويبدو أننا على موعد مع نقلة إبداعية قصصية وروائية ستعيدنا إلى عهود الأقلام المبدعة التي شكلت وجدان الأدب القصصي والروائي العربي من جديد، ومازال المشهد الأدبي والثقافي في حال من الترقب والانتظار ليزيد الروائي الأستاذ أحمد الشدوي ذاك الأمل هو وغيره من المبدعين الكبار من أمثال أشرف الخضري وصفاء محمد ووداد معروف وغيرهم من كتاب الرواية والقصة المعاصرة.

 

 

* د. مصطفى حسين، عضو هيئة التدريس بكلية دار العلوم جامعة القاهرة

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *