سوق عكاظ بين مؤسس ومجدد

بقلم: عبدالله القرشي*

كانت العرب قديمًا في عصر ما قبل الإسلام تُقيم ثلاثة أسواق كبيرة، هي بمثابة تجمعات تجارية واجتماعية وثقافية، وكانت تُعقد في أماكن مختلفة من شبه الجزيرة العربية بطريقة دوريّة، ويأتيها العرب من كل الأرجاء فيتاجرون ويسمعون المواعظ والخطب، ويتفاخرون بها، كما كانوا يتناشدون الشعر ويتحاكم مبدعوهم إلى كبارهم؛ كالنابغة الذبياني، الذي كانت تضرب له قبّة حمراء فيحكم بين الشعراء، وتكون كلمته هي الفاصلة، وكانت القصائد التي تحوز على إعجاب هؤلاء المحكّمين تطير في أرجاء الجزيرة ويتناقلها العرب في مجالسهم ومناسباتهم.

لقد مر سوق عكاظ بحقبة من الزمن اشتهر فيها كغيره من الأسواق ولكنه كان الأشهر من بينها فرسم سوق عكاظ خارطةً عظيمة في بناء شخصيّة الإنسان العربي الفكرية والأدبية والثقافية والسياسية والاقتصادية والدينية والعُرفية فقد كان مزيجًا من الفنون والثقافات، فكوّن له رواية تحكى للأجيال عبر السنين حتى أصبح عكاظ هو المعرض العربي العام من أيام الجاهلية إلى الإسلام استمرّت قرنين ونصف ثم تضاءل شأنها واندثرت معالم حضارتها حينما ظهر الخوارج في مكة فنهبت هذه السوق وخاف الناس على أنفسهم من الذهاب إليها فتُركت ولكن ما فتئت أنفاسه فما زالت تتنفس بأنفاس العروبة ودمائه اختلطت بدماء الغيورين من أبناء العرب الصادقين ورجال الفكر المنتمين لها ولأرضها فبدأ عكاظ وعاد بطابع يحكي تلك الأيام الجميلة التي مرت عليه لابسًا ثوب الأناقة وعبق التاريخ يُخبر عن أيامه ولياليه وأمجاده في زمن حكومتنا الرشيدة فوضعت الخطط على استعادة تراثه الذي كاد أن يندثر وأولته اهتمامًا كبيرًا في إخراجه بمظهر يعكس الثوابت العربية ويبني جسور الزمن الجميل للعروبة الأصيلة بزمن العروبة نفسها، وأثبتت للعالم أجمع بأن الرجال هم من يصنعون التاريخ، وقد حرصت في اختياراتها فاختارت خالد الفيصل ليكون المجدد الروحي لسوق عكاظ فصنع للعروبة ولنفسه مجدًا تليدًا وبصمةً يكتبها التاريخ بأبهى حُلة، فعمل على إعادة وترميم أمجاد الأمة فأحيا تراثها الثقافي والأدبي بقالب يتوافق مع معطيات الزمن الجميل والزمن المعاصر، وحرص على أن يكون سوق عكاظ وجهة ومحط أنظارالأدباء والمثقفين العرب في نشر أدبهم وثقافتهم، فصار بذلك رمزًا ورايةً خفاقةً في سماء الأدب والإخلاص والتجديد فشكرًا لروحه العربية الأصيلة.

كاتب سعودي*

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *