أسئلة بيضاء مجنونة

قصة قصيرة 

للقاص/ حسين السنونة *
لم أُؤمن يوماً من أيام حياتي النشوى بسؤال شؤم، بكلمة شؤم، بيوم شؤم، بشخص شؤم.
في أحد الأيام عند رجوع زوجتي من التسوق، أحضرت معها لباس الأموات: “كفناً”.

– نريد أن يكون كفننا جاهزاً، لا نريد أحداً أن يتصدق علينا بكفن!
هكذا ردت على سؤالي واستغرابي المرسوم على الوجه: استفساري المخيف الحزين، وصراخ صوتي المجنون.
لماذا لا يكون لي خيار الحياة، الولادة، ساعة الموت؟!

لماذا ألبس الكفن عند الموت؟! ألا يمكن أن أدفن عارياً كما خلقني ربي، ارتدائي أجمل الملابس ألا يكون أفضل؟!.
أصاب رأسي الدوار بشكل سريع، سرعة هروب الشمس من قدوم ليل حزين، تذكرت كل محطات حياتي، ما فعلته وما قلته، تذكرت قبل سنوات وأيام وأسابيع وأشهر. وتذكرتُ أيام الصبا وربيع الشباب وبداية غزو الشيب حديقة رأسي السوداء.
تذكرت أمي عندما قبلت رأسي وأنا أترك باب البيت مفتوحاً للذهاب للمدرسة، وأبي وهو يلف يدي بساعة غالية الثمن ويوقع شهادة التفوق الدراسي، وأختي الكبيرة وهي تطلق على ابنها الأول اسمي تيمناً بأخيها الوسيم الذكي المتفوق، وأخي الكبير وهو يراقب تصرفاتي، والكتب التي أحضرها إلى البيت، الصراع الديني والفكري والأخلاقي ما بيني وبينه.
بنت الجيران «سلافة» التي قُذفت للحياة قبلي، كانت تعترف بحبها لي، ماتت وهي تنتظر «رجوعي» بل «هروبي» إلى “…..”
القبلة المحرمة التي طبعتها فتاة لغتها عربية، وصوتها جبلي، ولونها فرنسي، على أحد خديَّ، فما كان مني إلا أن رددت التحية بأحسن منها.
‍بنت عمي التي احتضنتها في غفلة عن العالم، ووعدتها بالزواج، والحب، والحياة المختلفة عن حياة المدينة والقرية، لكن عند رجوعي من “السفر”، “الهروب الكبير”، كانت أماً وفي طريقها إلى أن تكون جدَّة، وحتى أجعلها تعيش الذنب والقهر سميت ابنتي “جمانة”.
تذكرت ما فعلناه بأحد الأساتذة في الجامعة وتشويه سمعته عبر كتابات على الجدران ومنشورات، انتقاماً منه لبعض الأفكار التي كان يطرحها أثناء الدروس في الجامعة، بعد سنوات اكتشفنا أننا كنا نعيش في كهف لا تضيئه كل شموع العالم، والأستاذ كان هو الشمعة التي كانت تحاول أن تضيء الكهف!
تذكرت تلك العائلة التي عاشت الضياع بسبب مكالمة من أحد الأصدقاء واتهام رب العائلة بأنه «عميل» للعولمة الغربية!
أتذكر أن أمي كشفت كذبي عند رجوعي من المدرسة، ووجهي متغير وجسدي لا يستطيع الوقوف، أخبرتها ليس هناك شيء قالت: لا، كان أبي وخالي ينظرون إليَّ، قلت لهم: نعم، أنا اليوم كسرت زجاج سيارة المعلم عند خروجي من المدرسة، بعد أن كتب على لوحة الصف فلسطين وفصل بين السين والطاء وقال هي فلس وطين، قال لي أبي: أنت عنيف، ولكن خالي قال لي: أنت جبان، كان من يستحق التكسير هي جمجمة المعلم وليس زجاج السيارة.
أعترف أن هناك أموراً وأسراراً حتى مع نفسي لا أستطع أن أتذكرها!
أخذت نفساً عميقاً، وضعت كلتا يدي على وجهي، توقف الدم عن التدفق في جسدي بين العروق. والحروف والكلمات ماتت، تعطلت كل خلايا العقل فلم تعد ترسل أو تستقبل، عيني موجودة فقط في بطن وجهي لا ترى شيئاً أمامها، أنفي أصبح بارداً برودة جثة هامدة.
“كفن” يعني الموت والرحيل إلى عالم سمعت عنه الكثير والكثير: لماذا؟! كيف؟! متى؟! أين؟!
الموت هو الفلسفة التي لم أفهمها بعد، الكأس الذي سيشربه جميع البشر والحيوانات والنبات، ويقال حتى الجبال  وحتى الباشا ملك الموت سيموت.
كيف سأموت؟! طبيعياً وأنا نائم بعد يوم متعب من الهرولة وراء سراب الخلود، وثرثرة أتناول أطباق الطعام الشهي من يد زوجتي، بين أطفالي. ربما وأنا أقود سيارتي ذاهباً لإحدى السهرات المضحكة. سأموت مقتولاً؟ من سيقتلني: رصاصة؟ خنق أم تفجير.. فقد كثر عشاق الدم في زماننا! هل سأبصر من يغسلني؟ كيف؟ وأي نوع من المياه سيغسلني بها؟ يلبسني لباس الأموات الكفن؟ يحملني ليرمي بجثتي في بطن الأرض؟ يطمرون الحفرة بباقي تراب وحجر؟ بعدها يرحلون عني! سيفرح البعض ويحزن البعض عند سماع خبر زفاف موتي.
أتمنى منهم أن يحملوا إلى قبري مكتبتي الصغيرة، وأوراقي التي قذفت عليها وفيها وبين الأسطر بعض كتاباتي وجنوني وأمراضي واعترافاتي، إنني لم أكن سعيداً في حياتي قبل أن ألبس الكفن الأبيض.
الكفن الأبيض؟ أتذكر احد أصدقائي عندما سألته:
لم أرك تلبس اللون الأبيض أبداً منذ علاقتي بك.
كان يفاجئني بالرد. اللون الأبيض هو آخر لباس يغتصب جسدي.
تمنيت أن تلك النطفة لم تقذف، ولم أوجد في كون ليس فيه ما يفرح.
خروجي للكون مع البكاء، رحيلي للقبر الموحش مع البكاء، وحياة كلها موت كلها أحزان من صنع الإنسان.
لماذا أموت؟ أريد أن أعيش وأسافر وأزوج أبنائي واحتضن أحفادي، أريد أن تستمر الحياة مع زوجتي، أحب تقبيل يدي أمي والحديث مع عماتي الجميلات.
عماتي الجميلات كم سأكون محسوداً،  كل الجميلات يبكين على قبري، متأكد أن أحد أصدقائي سوف يكتبها:
«صديقي الراحل هنيئا لك فكل الجميلات بكين على قبرك الرملي، فحولنه بدموعهن إلى نهر أبيض أتمنى أن اغتسل منه».
أحب شوارع مدينتي وبحرها ونخيلها.

رفعت بصري من على الكفن. تركت كل شيء. حملت جسدي الذي تقوس، أجبرت قدمي الخائرة القوى على خطوات مصابة بانكسار يعاني منه صاحبه نحو السرير الأبيض.

* كاتب من السعودية 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *