الأكثر مشاهدة

فقه الدلالة العربية-1– خلود عبد العزيز الحربي* تحظى ألفاظ اللغة العربية بت …

فقه الدلالة العربية – 1-

منذ سنتين

686

0

فقه الدلالة العربية-1

خلود عبد العزيز الحربي*

تحظى ألفاظ اللغة العربية بتطورٍ في دلالتها خلال العصور المتلاحقة فتتغير دلالاتها؛ وذلك بتعميمها، أو تخصيصها، أو انتقالها، أو انحطاطها، أو رقيّها. ونعني بمفهوم التطور الدلالي: “التغير الذي يصيب دلالات الألفاظ (مفردة أو مركبة) في لغة ما عبر عصورها المختلفة، متى توافرت الدواعي أو الأسباب التي تؤدى إلى ذلك”.
ومن الجدير بالذكر أن التطور في بناء الأوزان وشكلها، والتطور في معاني الأوزان ودلالات الصيغ هو المسؤول عن اجتماع الصيغ على معنى واحد وتناوبها عليه، وهو الأظهر والأوضح على مرّ العصور. كما وُصِفت العربية بسعة التعبير، واتساع المعاني، “والقاعدة العامة في فقه اللغات بوجه عام أن الكلمة الواحدة تعطي من المعاني والدلالات بقدر ما يتاح لها من الاستعمالات؛ لأن كثرة الاستعمال لابد وأن تخلق كلمات جديدة تلبي بها مطالب الحياة والأحياء”. مما يدل على احتمالية وجود العديد من الصيغ واجتماعها على معنى واحد من باب الاتساع الدلالي، وهذا من خصائص لغتنا الخالدة؛ “والعرب مما يبنون الأشياء إذا تقاربت على بناءٍ واحد، ومن كلامهم أن يدخلوا في تلك الأشياء غير ذلك البناء”.
ومن ذلك مثلًا: الفعلُ “جَبَر”؛ إذ تروي لنا أكثر المصادر اللغوية أنَّ “جَبَر” و “أَجْبَرَ” بمعنى واحد؛ في حين أن بعض المصادر ألمحت إلى أنّ “جَبَر” يُستعمل مع العظم، فيقال: جَبَرتُ العظم إذا أصلحته، وأنَّ “أَجْبَرَ” تُستعمل مع الإنسان في حالة إكراهه، فيقال: أجبَرتُ فلانًا على كذا.
وليس من المستبعد أنَّ دلالة أحد هذين اللفظين قد عممت لتدل على المعنيين معًا، وفي مرحلة من مراحل التطور ظل اللفظان يستعملان معًا، ذلك أن التطور اللغوي لا يحدث فجأة، والصيغة القديمة لا تموت بمجرد حلول الصيغة الجديدة.
والذي أسهم في وجود هذا التطور معاني الهمزة المختلفة؛ فهي تُزاد بمعنى التعريض، أو الإزالة، أو الصيرورة…إلخ؛ فمثلًا روى اللغويون أنَّ “سَقَيتُه” و”أسْقَيْتُه” بمعنى واحد، وقد ذكرت بعض المصادر اللغوية أنَّ أسقى وسقى بمعنى واحد، وبعضه يُفرِّق كـما “قال الفراء في قوله تعالى: (وإن لكم في الأَنعامِ لعِبْرةً نُسْقِيكُم مما في بُطونهِ)؛ وقال في موضع آخر: ونُسْقِيَه مما خلقْنا أَنعاماً؛ العرب تقول لكل ما كان من بطون الأَنعام ومن السماء أَو نهَر يَجْري لقوم أَسْقَيْت، فإذا سَقاكَ ماءً لشَفَتِك، قالوا سَقاهُ ولم يقولوا أَسْقاهُ كما قال تعالى: (وسَقاهم ربهم شراباً طَهُوراً)، وقال: (والذي هو يُطْعِمُني ويَسْقِينِ)؛ وربما، قالوا لِما في بطون الأَنْعام ولِماءٍ السماء سَقى وأَسْقى”. دلالة على أنهما بمعنى واحد؛ و ” قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم، وحمزة والكسائي: (نُسقيكم) بضم النون، والباقون بالفتح، أما من فتح النون فحجته ظاهرة تقول سقيته حتى روى أسقيه قال تعالى: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) (الإنسان: 21) وقال: (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) * (الشعراء: 79) وقال: (وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً) (محمد: 15) ومن ضم النون فهو من قولك أسقاه إذا جعل له شرابا كقوله: (وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاء فُرَاتاً) (المرسلات: 27) وقوله: (فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ) (الحجر: 22) والمعنى ههنا أنا جعلناه في كثرته وإدامته كالسقيا، واختار أبو عبيد الضم قال لأنه شرب دائم، وأكثر ما يقال في هذا المقام أسقيت”، ونلاحظ في ذلك تعدد القراءات القرآنية تبعًا لقياسها اللغوي والمعنى واحد.
واختلفت أقوال العلماء في “خَفَق” و “أَخْفَقَ”، فذهب ابن قتيبة إلى اختلاف المعنى فيهما، إذ قال: “خَفَقَ الطائر إذا طار، وأَخْفَقَ إذا ضرب بجناحيه ليطير”، ثم عاد ليقول في باب (فَعَلتُ وأَفْعَلتُ باتفاق المعنى): “خَفَقَ الطائرُ بجناحيه وأخْفَق”، فجعلهما بمعنى واحد، وجاء في الصحاح: “ويُقال: خَفَقَ الطائر، أي طار، وأَخْفَقَ إذا ضرب بجناحيه”.
وجعلهما الزجاج بمعنى واحد، وهو التصفيق، إذ قال: ” خَفَقَ الطائرُ بجناحيه وأخْفَق إذا صفق بهما”.
ويلاحظ محمد العدناني في هذا السياق من تفضيل صيغة على أخرى أنَّ بعض اللغويين يُخطِّئون مَنْ يقول: أخفق الطائر بجناحيه؛ لأن الصواب عندهم هو: خَفَقَ الطائر بجناحيه؛ غير أنه يرى أنَّ الاستعمالين كليهما وردا في معظم معاجم اللغة، فلا فرق؛ لأنهما جائزان.
ويبدو أنَّ ما يلحق بالدلالة نتيجة تطور الاستعمال يؤدي إلى اختلاف بين دلالة الأصل والمقام الاستعمالي، مما يفضي إلى تطور الدلالة بالترادف أو التعميم ونحو ذلك.

*ناقدة وأكاديمية سعودية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود