الآراء تُعرض ولا تُفرض!

بقلم: فيصل بن كريم*

في مجتمعاتنا العربية فقط! ثقافة الرأي لابد أن تكون لصاحب سلطة ومنصب! أو لمعلم حتى يقبل رأيك، ولا يهم اطلاعك أو اهتمامك بثقافات العالم وحضاراته، ونحن إذ نعيش في عصر الغوغلة الآن؛ و لا يهم أن تكون صاحب قراءة للأسف! بل يمكنك الاكتفاء بالكتب الدراسية فقط. والغريب في الأمر إن تحدث أحد من غير تلك الفئة المذكورة يدعونه بالمتثيقف والمتعالم! بل يطبّلون مع مخالف الرأي الجديد، وتجدهم يقللون من قيمة الشخص الذي يعرض رأيه؛ لأنهم بالأساس يفتقرون إلى سبل التجدد ويريدون الخَلَف كالسلف، دون تغيير فيا للعار!.

وحسن الرأي في نظري هو ذلك الذي يظهر الجانبين – النافع والضار – معًا. وأذكر قبيل أيام أحدهم قد عرض رأيه في إحدى مجموعات ” واتس أب ” حيث عرض رأيه بكلا الجانبين الحسن والسيء. فهوجم بوابل من اللوم والعتاب إلى حد التنقيص! حيث قال بعضهم: (( من هو حتى يتكلم في هذه الأمور ويعرض آرائه حول ذلك؟! )). وهم يرونه من العامة الذين لا رأي لهم، فالرأي الأهم لصاحب الكلمة والمجلس فقط لا غير! بالله عليكم أليس الذي يلقي كلمته في ذلك المجلس بشر مثلنا؟! أم أنه ملاك من السماء؟! إن كان بشرًا مثلنا فإنني أرى أن من حق الفرد أن يعرض رأيه، سواء أكان مثقفا أم غير مثقف، عالما أم جاهلا، عاقلا أم مجنونا، صالحا أم طالحا، كبيرا أم صغيرا، رجلا أم امرأة، أو حتى مسلم أم كافر! لأننا في المقام الأول بشر قبل تلك المسميات؛ ولا ننسى أن ” الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها “. كما أن عرض الرأي لا يكون للجهات والهيئات والمؤسسات فقط! بل يكون بين الأفراد كذلك. وحين يعرض أحدهم رأيه؛ هذا لا يعني أنه على صواب والباقون على خطأ! أو عندما يؤتى برأي مغاير؛ لا يعني ذلك أنه متخلف أيضا! فتعدد الآراء يفيد التجدد ويستدعي الجودة.

ولكم بعض القصص التي أرى موضع ذكرها هنا:
– قصة صحابي في غزوة بدر الكبرى حيث عرض رأيه على النبي (( فأشار عليه الحباب بن المنذر أن يتقدم فينزل على أقرب ماء من العدو حتى يصنع المسلمون حياضًا يجمعون فيها الماء ﻷنفسهم، ويغورون الآبار فيبقى العدو ولا ماء له، ففعل )) ونستقي من هذه القصة فطنة النبي – صلى الله عليه وسلم – والأخذ برأي الصحابي بعد ما أدرك الغرض منه، مع العلم أن النبي يوحى إليه من فوق سبع سماوات! لكنه لم يغتر ولم يمنعه ذلك من إبداء رأيه – رضي الله عنه – رغم علمه أن القبول والرفض أمر عائد إلى رسول الله.

– قصة أخرى يحكى أن رجلًا أراد السفر، وفي طريقه فَقَد السيطرة على سيارته، وانفصلت إحدى إطارتها بسبب سرعته الزائدة  ومع ذلك لا تكمن هنا المشكلة فهناك البديل موجود ولكن للأسف فقد المسامير التي يربط بها هذا الإطار ولم يعرف كيف يتصرف! توقف لبرهة يفكر، فشاهد على مقربة منه مبنى كتب عليه ( مستشفى الصحة النفسية ) فوجد هناك رجلًا يشاهد ما حدث له. فذهب إليه وألقى عليه السلام وطلب منه مساعدته في حل هذه المشكلة.
– فقال له الرجل: الحل بسيط ” خذ مسمار من كل إطار من الإطارات الأخرى واربط بها الإطار الرابع” أي: ( الذي فقد مساميره )
أعجب الرجل بالفكرة وشكره عليها ثم سأله: أأنت طبيب هنا؟
– قال لا أنا نزيل!!
– فتعجب الرجل وقال باستحياء: يعني مجنون؟؟
– فقال نعم مجنون ولكني لست غبيًا!.

انظروا كيف أفاده وهو مجنون! فإذا كان رأي المجنون قد يفيد ، فمن غير المعقول أن رأي العاقل لا يفيد!
فأقول عندما يأتي أحدهم برأي جديد يخالف الشائع ينبغي ألا يلزم الآخرين به وألا يتمسك برأيه وألا يقول ((ما أريكم إلا ما أرى)) فلا يظن أن رأيه هو الصواب، لأنه بذلك فرضه عليهم ولم يعرضه! بل لابد وأن يكون رأيه قابل للتغيير و للقبول أو الرفض. إذًا خلاصة القول ” الآراء تُعرض ولا تُفرض ” وفرض الرأي طمس واستعباد؛ أما في عرضه وعي وإدراك وبحث عن التجدد وليس كما يدّعيه بعض الحمقى غباءً أو تخلفا.

لذا أقول:
أيها الآباء عذرًا.. لا نريد أن نكون إمعيون! ولا تجعلوا منّا عبيدًا، فزمن العبودية قد ولى وانقضى (( نريد أن نخلق فنا، نرسي فيه ثقافة بلا سخافة )) وقبول الرأي ليس بالأمر المهم فالأهم هو: أن نعيش كباقي المجتمعات نعبر عمّا بداخلنا؛ نريد لآراء شبابنا آذان صاغية سواءً ذكرًا كان أم أنثى، نريد أن ينظر لها باحترام وتقدير، فدعونا نحارب العادات والتقاليد الضالة؛ ويعيش شبابنا، بأفكاره وآرائه؛ ليرتقي و ينهض وليس لشيء آخر.

كاتب سعودي*

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *