5
0
10
0
8
0
9
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13543
0
13387
0
12223
0
12142
0
9579
0

محمد سلمان البلوي*
وتَظُنُّ أَنَّكَ خُضْتَ مِنْ أَجْلِي حُرُوْبًا، اِنْتَصَرْتَ فِيْهَا جَمِيْعًا، وأَنَّكَ أَخْضَعْتَ لِقَلْبِكَ الثَّائِرِ عِصِيَّ الْقَوْمِ وحِبَالَهُمْ، وأَلْجَمْتَ حَنَاجِرَهُمْ ومَحَابِرَهُمْ، وضَرَبْتَ حَابِلَهُمْ بِنَابِلِهمْ وخُفَّهُمْ بِحَافِرِهمْ، حَتَّى أَحْنَيْتَ جِبَاهَهُمْ، وانْقَادَتْ لَكَ جَمَاجِمُهُمْ.
وأَظُنٌّ أَنَّكَ إِنَّمَا حَارَبْتَ طَوَاحِيْنَ الْكَلَامِ لَيْسَ إِلَّا، إِلَى أَنْ اِنْتَصَرَتْ عًلَيْكَ عَاقِدَاتُ التَّمَائِمِ، عَاتِيَاتُ الطَّلَاسِمِ، النَّفَّاثًاتُ بِالنَّوَايَا والسَّرَائِرِ، حَمَّالَاتُ الْعَطَبِ مِنْ نِسْوَةِ شِيْعَتِكَ الْوَالِغَاتِ فِي الْغِلِّ الْمُوْغِلَاتِ فِي الْغَيِّ والغَررِ، بَعْدَ أَنْ هَزَمَتْكَ نَفْسُكَ أَوَّلًا، ونَاشَكَ غُوْلُ الْعِنَادِ بِظُفْرِهِ، وبِنَابِهِ عَضَّكَ مَارِدُ الْكِبرِ، فَأَفْسَدْتَ الْأَمْرَ كُلَّهُ، وأَسَأْتَ تَقْدِيْرَ الْعَوَاقِبِ.
هُنْتُ عَلَيْكَ، وهَانَتْ عَلَيْكَ نَفْسُكَ، ثُمَّ هَا أَنْتَ، بِلَا تِرْيَاقٍ ولَا رَاقٍ، يَأكُلُ بَعْضُكَ بَعْضًا، وتُقَلِّبُ كَفَّيْكَ عَلَى مَا اقْتَرَفْتَ كَمَدًا. قَدْ لَا تَكُوْنُ خَسَارَتُكَ لِيْ فَادِحَةً، إِلَّا أَنَّكَ بِالتَّأْكِيْدِ لَمْ تَرْبَحْ شَيْئًا، ولَا أَنَا خَسِرْتُ بَطَلًا.
أَزْعُمُ أَنَّكَ لَسْتَ بِخَيْرٍ، وأَنِّي إِلَى حَدٍّ بَعَيْدٍ أَعْرِفُكَ، وأَكًادُ أَفْهَمُكَ، أَرَاكَ مِنْ مَكَانٍ قَصِيٍّ وأَسْمَعُكَ، وأَخَالُكَ تَتَقَلَّبُ فِي وَرْطَتِكَ، وتُحَاوِلُ مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَتَجَلَّدَ عَلَى مَا أَصَابَكَ، وأَعْلَمُ مَا تُعَانِي، غَيْرَ أَنِّي لَا أُبَالِي.
ولَعَلَّكَ تَتَحَرَّرُ مِنِّي، بَعْدَ إِذ تَخَلَّيْتَ عَنِّي، دُوْنَ تَبَصُّرٍ، ودُوْنَ تَصَبُّرٍ، وأَنَخْتَ تَعَبَكَ كُلَّهُ عَلَى صَدْرِي، ولَعَلَّهَا تَنْحَلُّ عُقَدُكَ كُلها مِنْ عُرْوَتِهَا الْوُثْقَى، ويَنْفَكُّ عِقَالُكَ مِنْ وَتَدِهِ، وتَسْقُطُ عَنْكَ أَعْبَاؤُكَ إِلَى غَيْرِ رَجْعَةٍ، فَتَكُوْنُ كَمَا لَو أَنَّكَ وُلِدْتَ السَّاعَةَ مِنْ صُلْبِ الْمُصَادَفَةِ الحُظوة ورَحِمِ الْفُرْصَةِ النَّجدةِ؛ فَوَجَدْتَ نَفْسَكَ اللَّحْظَةَ خَالِصًا ومُحَايِدًا؛ دُوْنَ طَوِيَّةٍ ولَا ذَاكِرَةٍ، وبِلَا رُؤْيَةٍ ولَا فِكْرَةٍ، ولَا غَايَةٍ ولَا رَغْبَةٍ. أَو كَأَنَّكَ تَلَمَّسْتَ لِلتَّوِّ صَدْرَكَ وتَحَسَّسْتَ أَضْلَاعَكَ؛ فَاكْتَشَفْتَ لِلْمَرَّةِ الْأُوْلَى أَنَّ لَكَ قَلْبًا، وأَنَّهُ حَيٌّ ويَقِظٌ، بَتُوْلٌ وخَامٌ، قَابِلٌ لِأَنْ يُحِبَّ، وقَادِرٌ عَلَى أَنْ يَكْرَهَ.
ولَعَلِّي بَعْدَ حَالٍ وحِيْنٍ أُحْسِنُ إِلَيْكَ؛ فَأَعْذُرُكَ فِي تَجَنِّيْكَ عَلَيَّ وجُحُوْدِكَ لِي، وأُعْفِيْكَ مِنْ وِزْرِ غُلُوِّكَ وغُرُوْرِكَ، لِيَحِلَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ، رُبَّمَا، وتَنْعَم بالسَّكِيْنَةِ أَو بِشَيءٍ مِنْهَا.
وأَرْجُو، بَعَد أَنْ تَخَفًّفت مِنِّي، أَنَّكَ بِتَّ عَازِمًا عَلَى الانْطِلَاقِ مُجَدَّدًا والْمُضِيِّ قُدُمًا، وغَدَوْتَ قَادِرًا عَلَى الرَّحِيْلِ بَعِيْدًا والتَّحْلِيْقِ عَالِيًا، وأَنًّكَ تَسْعَى، مَا اسْتَطَعْتَ، إِلَى غَدِكَ الزَّاهِرِ ومُسْتَقْبَلِكَ الْبَاهِرِ، دُوْنَ أَغْلَالٍ مِنِّي ولَا أَثْقَالٍ، إِذَا كَانَ لَكَ ثَمَّةَ غَدٌ مَا أَو مُسْتَقْبَلٌ.
لَا أَدْرِي مَا الرَّجُلُ الطَّاوُوْسُ؟ ولَا كَيْفَ يَكُوْنُ؟ إِلَّا أَنَّكَ تُشْبِهُ الطَّاوُوْسَ فِي تَطَوُّسِكَ. ولَست أَدْرِي بِمَاذَا أَصِفُكَ أَو أُصَنِّفُكَ؟ غَيْرَ أَنَّكَ إِذَا مَا ذُكِرَ أُلُو الْعَزْمِ مٍن الرِّجَال، فَأَنْتَ: (لَا أَحَدْ)؛ لَستَ فِيْهُمْ، ولَسْتَ مِنْهُمْ. ولَسْتُ أَذْكُرُ أَنَّى تَنَزَّلْتَ كَمَا الْوَهْمُ عَلَيَّ، مِنْ حَيْثُ لَا حَيْثُ، وعَلَى غَيْرِ مَوْعِدٍ، وبِلَا هَيْئَةٍ ولَا هَيْبَةٍ، وكَأَنَّكَ طَيْفٌ هَائم مِنْ هُلَامٍ مُبْهَمٍ، تَمَاهَيْتَ والْفَرَاغُ هُنَيْهَةً، ثُمًّ فِي الْلَاشَيءِ تَلَاشَيْتَ، وَيْكَأَنَّكَ الْوُجُوْدُ والْعَدَمُ مًعًا! أَو كَأَنَكَ الاحْتِمَالُ والْمُحَالُ فِيْ آنٍ!
وعَلَى أَيَّةِ حالٍ، هَذِهِ بَرَاءَةٌ مِنِّي إِلَيْكَ، ولَكِنِّي لَن أُعْلِنَ الْحَرْبَ عليك، ولَنْ أَكُوْنَ خَنْسَاءَ قَلْبِي؛ رَثَّاءَةً بَكَّاءةً، ولَنْ أَبْكِي مَنْ مَاتَ فِيْهِ حَيًّا ولَا مَامَاتَ مِنْهُ حٌزْنًا، ولَنْ أُضَيِّعَ مِنْ عُمْرِي شَيْئًا فِي التَّأسِّي عَلَى خَائِبٍ ولَا عَلَى خَيْبَةٍ، وأَنْتَ الْمَيِّت حَيًّا والْخَائِبُ والْخَيْبَةُ… ولَا عَزَاءَ لَكَ.
* أديب من الأردن