رواية (عرق بلدي) للمزيني…التوغل في المسكوت عنه!

بقلم: حمد حميد الرشيدي*

يتميز الإنتاج السردي للكاتب والروائي السعودي/ محمد المزيني بتوغله في البنية الأساسية المكونة للنسيج الاجتماعي السعودي، والولوج في تفاصيل هذا النسيج وملامسة أدق خيوطه، والتقائها أو تنافرها مع بعضها من حيث مستواها المعيشي والثقافي والاقتصادي، وكذلك من حيث الظروف المحيطة بها، وتلك التغيرات أو التحولات التي شهدها هذا المجتمع خلال ربع القرن الأخير من الزمن، خاصة الطبقة الوسطى منه والتي يمثلها أفراد متساوون في ثقافاتهم وأفكارهم، ومتشابهون في سلوكياتهم وتصرفاتهم، وأساليب معيشتهم.

وميزة هذه الطبقة – تحديدا – أنها بمثابة (حلقة وصل وسطية) تربط فيما بين الطبقة المخملية المرفهة من المجتمع نفسه، وبين الطبقة السفلى منه والتي يمثلها البسطاء و(ميسورو الحال) كما يطلق عليهم.

وهذا ما جعل أعمال المزيني الروائية مكتنزة عن آخرها بهموم هذه الطبقة، وآمالها، وأفراحها وأتراحها، ونافذة مشرعة على أدق تفاصيل حياتها اليومية، وعلى امتداد تاريخ شخصياتها قديما وحديثا، وأثر هذا الامتداد وانعكاسه على حياتها العامة والخاصة، حاضرا ومستقبلا.

كل ذلك نجده يتمثل لنا في رواية المزيني المعنونة بـ (عرق بلدي) الصادرة عن (مؤسسة الانتشار العربي) ببيروت، بطبعتها الثانية عام 2010م.

ففي هذ العمل يتطرق الكاتب لمعالجة تفاصيل كثيرة، ذات خصوصية معينة، قد تصل في بعض صورها إلى (المكاشفة) وتجاوز (الخطوط الحمراء) فيما تتناوله من أمور، يعد الكلام فيها من (المحظورات) أو من باب المرفوض وغير المقبول، أو المسكوت عنه، خاصة في مجتمع محافظ، أو متدين.

وهذا يعني أن الكاتب كان جريئا إلى حد كبير، في سرده لحكايات وقصص من الواقع، أبطالها شخصيات عابثة، متمردة على محيطها، وعلى قيود العادات والتقاليد الاجتماعية، بالرغم من أن كثيرًا من هذه القيود قد فرضتها سلطة المجتمع على الفرد، وليس الدين.

فـ (يعقوب، وهيا، وسويلم العدان، وأم صنات، وأم عزوز، ودحية) وغيرهم هم شخصيات لكل منها نمط محدد، وله دوره وأثره في السياق العام في الحياة الاجتماعية للحي الذي تدور فيه أحداث هذه الرواية، منها ما هو (انتهازي) يستغل نفوذه وحاجة الناس اليه، لأهداف شخصية، كالعدان ودحية.

ومنها من هو أسير رغباته وشهواته النفسية، ونزواته العاطفية، مثل يعقوب وهيا، ومنها أيضا من تقوم علاقته مع الآخرين على مبدأ (النفعية) أو تبادل المصالح الشخصية، كأم صنات وأم عزوز وغيرهم.

وهذا التفاوت أو التباين في التصرفات والسلوكيات هو ما شحن الحدث السردي بالتوتر والتعقيد وبمفارقات كثيرة، وذلك نتيجة تعامل هذه الشخصيات فيما بين بعضها بعض، ومما أفضى ببعضها إلى الشعور بالإثم والندم على ما فات، تجاه ما بدر منها في حق الآخرين، خاصة في الفصل الأخير من الرواية.

*  كاتب وشاعر وروائي و إعلامي سعودي، حائز على عدّة جوائز عن نتاجه القصصي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *