التحور الحسي البصري في رواية “نزل الظلام” للجارد

بقلم: حمد حميد الرشيدي*

 

مدخل: يتبوأ (أدب المكفوفين) مكانة خاصة في (الأدب العالمي) لكونه الأدب الموازي في شكله ومضمونه لـ (أدب المبصرين) بالرغم مما يعانيه أصحابه من فقد (حاسة البصر) وهي إحدى (الحواس الخمس) الأساسية التي يقوم عليها إحساس الإنسان المباشر بمحيطه، وما حوله من مخلوقات، كما هو معروف.

وهنا يكمن التحدي، وضرورة التمتع بـ (حاسة سادسة) في أدب المكفوفين، لتكون بديلا أو عوضا لهم، يتغلبون فيه على عتمة البصر، أو ظلمة الرؤية من حولهم.

وهنا أيضا تبرز أهمية هذه الحاسة التي طالما جعلت كثيرا منهم يتفوقون على نظرائهم من المبصرين في وصف ما يشعرون به، أو ما يتخيلونه من كائنات لا تدرك إلا بحاسة البصر.

بل لا أعتقد أني مبالغ فيما لو قلت إننا قد استدللنا من خلال أدب المكفوفين، من شعر ونثر على كثير من أسرار الحياة واكتشاف فلسفتها وعلاقتها ببعضها، أكثر مما استدللنا به على ذلك من (أدب المبصرين)!!

وقد فسر بعض العلماء – خاصة الأطباء وعلماء النفس منهم – سر نبوغ بعض المكفوفين من المشاهير في مختلف الفنون والمهارات بقولهم: إن البصر مما يحول دون تركيز الذهن، وشرود تفكير الإنسان وتشتته أثناء ما يراه من حوله.

ولو افترضنا – مثلا – أنه قد أغمض عينيه لانحصر انتباهه فيما يسمعه أو ما يلمسه. وهكذا الحال لبقية الحواس من سمع أو تذوق أو شم، فكلما فقد الإنسان إحدى هذه الحواس، فإن الله – جلّ وعلا – يعوضه عنها بحاسة أخرى تسد حاجته منها.

وغني عن القول إن من عظماء التاريخ الإنساني ممن حرموا نعمة البصر، لكن التاريخ سجل أسماءهم بمداد من ذهب، ليس في مجال (الأدب) فحسب وإنما في كافة فروع المعارف الإنسانية.

ومن هؤلاء – على سبيل المثال لا الحصر – نذكر من القدامى: الشاعر اليوناني الضرير الشهير (هوميروس) صاحب ملحمتي (الالياذة) و(الأوديسة) ومن العرب: بشار بن برد وأبو العلاء المعري. ومن العصر الحديث نذكر العالمة الأمريكية الشهيرة (هيلين كيلر) والدكتور/ طه حسين، الملقب بـ (عميد الأدب العربي) والشاعر اليمني الكبير المعروف/ عبد الله البردوني، وغيرهم كثير.

بين يدي (نزل الظلام)

بعد هذا المدخل أو المقدمة أجد الحديث مناسبا في هذه القراءة عن رواية (نزل الظلام) تلك الرواية الفائزة بجائزة الأمير/ سعود بن عبد المحسن للرواية للأستاذ/ ماجد الجارد، واعتبارها نموذجا يمثل أبرز ملامح (أدب المكفوفين) أو (ذوي الاحتياجات الخاصة) كما يطلق عليهم، وآخر ما وصل اليه من تطورات في العصر الحديث، خاصة في الوقت الراهن الذي شهدت فيه الرواية العربية تغيرات وتحولات في مسيرتها على مستويات عدة: اجتماعية وثقافية وفكرية وحضارية وسياسية واقتصادية وتكنولوجية.

وتكمن أهمية هذه الرواية في رصدها العلاقة القائمة بين الإبداع وفقدان حاسة البصر، أو بين الموهبة والألم، واعتمادها على الاستعاضة عن هذه الحاسة بالحواس الأخرى المكملة لها، كالتذوق والشم والسمع واللمس، لتتولد عنها كلها مجتمعة ما يمكن أن نسميه بـ (الحاسة السادسة) كما سبق لنا ذكره، لتكون بديلا كافيا عن حاسة البصر، أو موازية لها، وإن لم تكن معادلة لها تماما!

 وفي قراءتي هذه للرواية سوف أركز الحديث على جانبين:

  • الأول: علاقة الإبداع بالمعاناة.
  • الثاني: التحور الحسي البصري (لغة اللون).

أولا: علاقة الإبداع بالمعاناة

لا شك أن للمعاناة والإحساس بها دورا فاعلا ومؤثرا في صقل الموهبة، وشحذ الإبداع، فهي (المخاض) الذي يسبق ولادته. فالإبداع إذا كان موجودا كفطرة في خلقة الانسان، غير أنه يظل كامنا في شخصيته، وفي كثير من الحالات يحتاج لعوامل محفزة، أو مؤثرات تستثير مكامن وجوده كي يتجلى للناس، وإلا ظل حبيسا في النفس البشرية، حتى يموت أو يفنى.

فأبطال الرواية والشخصيات المحورية فيها معظمهم من المكفوفين، الذين أصيبوا بعاهة فقدان البصر، والذين يقضون جل أوقاتهم بين (النزل) المخصص لإقامتهم في (مكة المكرمة) وبين معهد خاص مجاور للنزال، لتعليم المكفوفين. وما تبقى من وقتهم من أيام عطلة نهاية الأسبوع فإنهم تعودوا على قضائه بين أهليهم وذويهم في المدن والقرى المجاورة.

وتجري أحداث الرواية وتسلسلها، وسرد تفاصيلها في الزمان السابق، وبلسان الحاضر، أي بطريقة (الراوي) الذي يلاحظ القارئ تغيره من شخص إلى آخر بطول امتداد فصول الرواية.

وتتجلى لنا هنا معاناة الحالات الكفيفة، التي يمثلها شخصيات الرواية الرئيسة: إبراهيم وخالد ومحمد في تعرضها لمواقف محرجة، وأحداث مأساوية، تطاردهم أينما كانوا، سواء في المعهد الذي يتلقون تعليمهم فيه، وما يعانونه من قساوة العمداء القائمين على إدارة هذا المعهد، كالعميد (عبد الرؤوف) والعميد (الفكهاني)، المتصفين بغلظة الطباع، وتعاملهما الفظ مع طلاب المعهد، أو ما يواجهونه من متاعب في مكان إقامتهم المجاور لموقع المعهد، كالمشاكسات والمشاجرات مع زملائهم، أو ما يشعرون به –في مقابل ذلك– لدى عودتهم لأهليهم من بهجة وسرور وشعور بالراحة والاستقرار.

وكل هذه الأجواء المشحونة بمتناقضات أو معاني متنافرة فيما بينها، من قلق وتوتر، وترقب وراحة واستقرار واطمئنان كانت وراء نبوغ هذه الحالات الكفيفة، وجعلها تتمتع بمهارات فائقة وخصائص نفسية وشخصية مرهفة الحساسية، وإمكانات غير عادية، قادرة على تحدي العاهات والظروف المحيطة، ومواجهة الواقع، وبالتالي إنتاج الإبداع الذي تمثلت لنا ولادته في رواية (نزل الظلام).

يقول الراوي واصفا معاناته هو ورفاقه، بين المعهد والنزل:

” …وإنني متيقن لو ضمت الفصول مع النزل في مبنى واحد لحرمونا دفء الشمس، أليس هذا سجنا؟ وما الفرق بينه وبين السجن؟ هنا بين النزل والمعهد توأد الطفولة!! أما يكفي أنها حجبت من البصر وتتبع الجمال وبهجة الحياة لارتعاشة زهرة، لنظرة حالمة، لالتقاط ثمرة ناضجة متدلية، لاسترخاء غيمة منتفخة، لخفقة جناح طائر، لرقصة، لطرفة عين أم حنون..). الرواية: ص80

ثانيا: التحور الحسي البصري

من الأمور التي تستوقف القارئ كثيرا في الرواية، وتتملكه الدهشة والانبهار تجاهها المقدرة غير العادية للراوي الكفيف على تحوير حواس الشم واللمس والسمع لتتولد عنها حاسة جديدة، تساهم في (تشكيل الصورة البصرية) في ذهن الكفيف، وكأنها تجسد (اللامرئي) بالنسبة اليه لتحيله الى (مرئي)، وهي حالة شبيهة بـ (الحاسة السادسة) كما سبق ذكره.

وهذه الحاسة هي أرقى درجات الشعور الانساني التي يتساوى في مضمارها جميع بني البشر، سواء كانوا مكفوفين أو مبصرين، لكنهم يتفاوتون – بالطبع – فيما بينهم في مهارة توظيفها واستخدامها والاستفادة منها، لتكون – أحيانا – بديلا أو عوضا لهم، يغنيهم عن فقدان حاسة البصر.

وكمثال على ذلك مهارة الراوي الكفيف في التعرف على الألوان، وتمييزها بإحدى الطرق التالية:

  • التعرف على اللون عن طريق رائحته (الشم): كما جاء في مشهد رسمه لنا الراوي من أحد فصول الرواية، بقوله:

“…نتراهن في الاستدلال على اللون من رائحة الحبر، فكل لون له رائحة مميزة، فحبر اللون الأخضر التفاحي مختلف عن الأحمر القرنفلي والأصفر الليموني…”. الرواية: ص54

  • التعرف على اللون بالوصف (أي بالسمع): وهذا نجده في حوار ثنائي (ديالوج) بين شخصين كفيفين، جاء ضمنه قول أحدهما:

“…في قريتي يقولون السماوي من لون السماء..”. الرواية: ص92

  • التعرف على اللون عن طريق اللمس: وهذا يمثله أيضا حوار بين شخصين كفيفين، من منسوبي المعهد، وهما يتحسسان أحد الجدران، جاء على النحو التالي:

الأول: لماذا يوجد فرق بين ملمس الحائط؟

الثاني: بالأسفل طلاء زيتي وبالأعلى طلاء جيري.

الأول: كيف! هل لكل لون ملمس؟

الثاني: الحائط مطلي بلونين مختلفين، في الأسفل طلاء زيتي، وفي الأعلى جيري بيج. الرواية: ص91+92

خاتمة

إن رواية ” نزل الظلام” مثلت لنا نموذجا متفردا لأدب المكفوفين, وأشرعت لنا نوافذ مكنتنا من الاطلالة على عالمهم الخاص، وما يحفل به من رؤى وأفكار ومشاعر وأحاسيس قاومت العزلة عن الحياة والناس، وحاولت كسر الحواجز الاجتماعية والنفسية المحيطة، واقتحام عالم النور بكل ما أوتيت مثل هذه الشخصيات من قوة العزيمة وصلابة الإرادة وعلو الهمة والثقة بالنفس، وبتحديها السافر لعالم الظلام ومقت سوداويته والاذعان لكآبته، ورفضها كل ما يستفز وجودها، أو يشعرها بالإحباط، أو النظر إليها بأي نوع من الانتقاص، أو التقليل من شأنها، لتؤكد للجميع أنها قادرة على العيش والتكيف مع الحياة بكل الظروف والأحوال، كغيرهم من سائر البشر، لا يختلفون عنهم في شيء، بجميع ما يتعلق في شؤون حياتهم الخاصة والعامة، ولا يتفاوتون فيما بينهم إلا بما يقدمونه من أعمال إبداعية، وإنجازات شخصية لمجتمعهم، أو خدمات إنسانية جليلة، كأعضاء فاعلين في المؤسسات البشرية في أي زمان ومكان من العالم.

وتأتي أهمية هذه الرواية (نزل الظلام) ليس لأنها الرواية الفائزة بجائزة أدبية محلية رفيعة المستوى فحسب، فكثير من الروايات حصدت جوائز أدبية في مجال (الرواية) سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أيضا، وإنما لكونها رواية استغنت شخصياتها عن طريقة (برايل) بإلقائها الضوء على البقع المظلمة في حياة تلك الشخصيات، ولمقدرتها على استدراج قارئها بخفة ظلها من سراديب العتمة إلى خيوط النور وإشراق الحياة!

وأعتقد أن ندرة فكرتها وموضوعها الذي تعالجه ولغتها القائمة على تجسيد العالم (اللامرئي) بالنسبة إليها والعبور به نحو (عالم الإبصار) على أرض الواقع الفعلي هو أحد العوامل الهامة في نجاحها.

كما أعتقد أيضا أن أدبنا العربي الحديث نادرا ما يحفل بمثل هذه النماذج من (أدب المكفوفين) منذ زمن بعيد، ولعل من أكثرها التصاقا بذاكرة القارئ العربي كتاب (الأيام) للدكتور/ طه حسين، الذي ألفه على شكل ” مذكرات” عن حياته ونشأته الأولى في مطلع القرن الميلادي الماضي، وما كان يعانيه من العمى والعزلة.

 

*  كاتب وشاعر وروائي و إعلامي سعودي، حائز على عدّة جوائز عن نتاجه القصصي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *